تصويت

ما تقييمك للموقع ؟
 

المتواجدون الآن

يوجد حاليا 41 زوار 
النموذج التركي

دراسة عن

الانتفاضات العربية .. ومناقشة النموذج التركي

الكاتب -  ألبر دادا

 

ملخص الدراسة

أثارت الثورات الشعبية العربية التي اندلعت بالعالم العربي في ربيع 2011، الكثير من المفاجآت والتوقعات والقضايا المستجدة. يناقش الباحث هنا فكرة الثورة كوسيلة للتغيير ويربطها بعوامل هيكيلية اجتماعية اقتصادية ويخص بالاهتمام توافر وسائل الاتصال الحديثة وارتفاع مستوى التعليم العالي بين الشباب المحبط. لكن الموضوعة الرئيسة التي يعالجها الباحث هي بروز النموذج التركي للتنمية والديمقراطية الذي تمثله تجربة حزب العدالة والتنمية التركي ذي الجذور الإسلامية في السنوات العشر الأخيرة، باعتباره نموذجا يلبي كثيرا من طموحات الجماهير التي خرجت إلى الشوارع مطالبة بإسقاط النظام وبناء تجربة ديمقراطية تنموية، تستجيب لتطلعات الشعوب الثائرة. يعرض الباحث السياقات والمناخات التي أدت إلى استدعاء نموذج حزب العدالة والتنمية بتركيا، ويشرح الخصائص العامة لهذه التجربة ويقارن أوجه التناظر والتباين بينها وبين الأوضاع في العالم العربي وإمكانية تحققها هناك.

أصيب العالم بالصدمة والذهول بسبب اندلاع الانتفاضات الشعبية المفاجئة في منطقة الشرق الأوسط بعد أن أضرم بائع الخضار المتجول محمد البوعزيزي النار في نفسه احتجاجا على الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتردية، وعدم تمكنه من تأمين قوت عائلته، واحتجاجا أيضا على سوء معاملة الحكومة له، ومصادرة بضاعته وطلب الرشاوى منه باستمرار. لم يتوقع أحد أن مثل هذا الحادث سيكون الشرارة الاولى التي تشعل الانتفاضة الشعبية، وتؤدي للإطاحة بالحكومة التونسية. لكن الشيء الآخر الذي فاقم احتمال تضخم حجم الاحتجاجات، هي وثيقة ويكيليكس التي كشفت عن حجم ثروة الرئيس التونسي زين العابدين بن على الشخصية والتي تضخمت بشكل كبير على مر السنين، وكذلك ثروة زوجته ليلى الطرابلسي.

الثورة كوسيلة للتغيير

بجانب عدة عوامل هيكلية مثل عدم الكفاءة الشاملة للحكومات في المنطقة، وارتفاع معدلات البطالة والبطالة المقنعة، والفقر الشامل، والاستبداد، وغياب الديمقراطية، فإن عاملين إضافيين قد ساهما في تغذية الانتفاضات، وساعدا على تفاقم الأوضاع؛ وهما توافر وسائل الاتصال الحديثة، والثاني الشباب الحاصلون على مستويات عالية من التعليم وأصيبوا بالإحباط نتيجة للركود وعدم كفاءة الأنظمة التي لا تبغي سوي الحفاظ على الوضع القائم. وبدون هذين العاملين، ما كان للانتفاضات واسعة النطاق أن تنجح في الشارع العربي. فبعد الثورة في تونس، بدأت احتجاجات واسعة في القاهرة والإسكندرية في يوم  25 يناير/كانون الثاني 2011. وبعد 18 يوما، استقال رئيس الجمهورية محمد حسني مبارك من منصبه في 11 فبراير/شباط، 2011. وقد أذهلت موجة الثورات والأحداث المفاجئة العالم بأسره، مما اضطر صناع القرار والخبراء أن يحاولوا فهم مجريات الأحداث.

كانت الحاجة إلى اجراء إصلاح تدريجي للانتقال من الوضع الراهن، حيث أنظمة استبدادية قمعية لا تمتلك أي قدر من الكفاءة، إلى مناخ أكثر ديمقراطية أحد المواضيع الشائعة في ما يكتب حول السياسة في الشرق الأوسط. وقد ناقش الخبراء في شؤون المنطقة، أحيانا كثيرة، الطرق والوسائل الممكنة للانتقال إلى الديمقراطية في المنطقة، بالطبع في سياق إصلاحات اجتماعية واقتصادية وسياسية تدريجية. يرى خبراء بشؤون المنطقة أن التغيير التدريجي والانتقال إلى أنظمة أكثر ديمقراطية أمر لا مفر منه، وأن العلمنة والتحديث من أسس هذه العملية على المدى البعيد. علاوة على كل ذلك، ضاقت شعوب المنطقة ذرعا بالحكام المستبدين، وازدادت الضغوط الداخلية من أجل المزيد من الاصلاحات  الديمقراطية. كذلك، ساعد المجتمع المدني المتنامي وزيادة الضغوط الدولية للإسراع نحو عملية الديمقراطية على ذلك التحول. بين الحجج ذات الصلة بالديمقراطية، أن التغيير أمر لا مفر منه في المنطقة على المدى البعيد من خلال التخلص التدريجي من الوضع الراهن للأنظمة. سادت هذه الوصفات المختصرة والوجيزة لنشر الديمقراطية المشهد في الشرق الأوسط، إلى أن اذهلت الانتفاضات الجماهيرية في الشارع العربي العالم كله، الأمر الذي أثار تساؤلات جديدة حول مدى صحة هذه الحجج.

أتصبح تركيا نموذجا أصيلا يقتدى به في المنطقة؟

عندما وصلت هذه الانتفاضات ذروتها، تابعت تركيا الأحداث عن كثب، وأعلنت الحكومة التركية أنها «تأمل أن يسلم المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر السلطة في البلاد إلى حكومة منتخبة تأتي عن طريق انتخابات حرة ونزيهة». وشدد بيان صحفى صادر عن مكتب رئيس الوزراء أيضا على أنه «منذ ظهور الانتفاضات العارمة التي اجتاحت المنطقة، وتركيا تدعم المطالب المشروعة للشعب المصري الصديق بتحقيق الديمقراطية والحريات».[1]

لا بد هنا من الإجابة على السؤال التالي، في الوقت الذي تشهد فيه عدة دول بالشرق الأوسط ثورات وانتفاضات شعبية: هل يمكن أن تكون تجربة تركيا الفريدة من نوعها، في التحول الديمقراطي منذ وصول حزب العدالة والتنمية[2] إلى السلطة، نموذجا يحتذى به لدول الشرق الأوسط، لا سيما للإخوان المسلمين والأطراف السياسية الفاعلة الأخرى في المنطقة؟

منذ ما يقرب من ثلاثين عاما، ساد قدر كبير من الخوف والقلق بين القادة العرب والمراقبين الغربيين، من انتشار ثورات على غرار الثورة الإيرانية في جميع أنحاء المنطقة. وبالعودة إلى الدوائر السياسة الدولية آنذاك، نجد أن الحديث عن  تصدير إيران للثورة الاسلامية إلى باقي دول المنطقة كان أحد أبرز محاور المناقشات الرئيسة حول المنطقة. والآن، نناقش مسألة ما إذا كان من الممكن أن يؤخذ النموذج التركي مثالا يحتذى به. هناك، عنصر من الإطراء على الجانب التركي، خاصة عندما نأخذ بالاعتبار عملية تحديث وتغريب تركيا، حيث حاكت تركيا الغرب لبعض الوقت للوصول إلى مستوى الحضارة المعاصرة. ومع ذلك، يرى البعض أن تركيا اصبحت الآن نموذجا سياسيا واقتصاديا تقتدي به دول المنطقة.[3]

لكن أي “تركيا” التي يمكن اعتبارها نموذجا؟ هل تسطيع تركيا الكمالية القديمة بعلمانيتها الراديكالية المستبدة أن تكون نموذجا للمنطقة؟ في الواقع، ليست السلطوية والعلمانية على الطراز الكمالي غريبة تماما على المنطقة، ولا على أنماط التسلط التي سادتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فمثلا، النظام التونسي البائد انتهج سياسات علمانية قاسية شبيهة بالعلمانية الكمالية، ولم تعد هذه السياسات بالفائدة على المواطن التونسي، فيما يتعلق بحصولهم على الحقوق الاقتصادية والسياسية، وتحقيق الديمقراطية والحريات. بالمثل، فإن الكمالية لا يمكن أن تكون نموذجا مناسبا لبقية دول المنطقة بسبب الاستبداد وغياب الديمقراطية، وهي الأمور التي قامت من أجلها الثورات والانتفاضات الشعبية في الشارع العربي. بعبارة أخرى، لم تعد الشعوب العربية تقبل التسلط. كذلك، نظرا لدور الإخوان في الإطاحة بنظام مبارك ودورهم السياسي المتنامي والمطالب الدينية والسياسية في بيئة مصر السياسية الحديثة، فلن يكون مناسبا الضغط من أجل تبني العلمانية على الطراز الكمالي. فمن شأن ذلك أن يؤدي حتما إلى توترات وعدم استقرار في بداية العهد الجديد بمصر. بالتالي، إن لم تكن العلمانية الكمالية عامل جذب للأنظمة الناشئة حديثا في المنطقة، إذن ما نوع العلمانية الجاذبة؟ وما الذي يجعل تركيا تروق للأنظمة الناشئة؟

في الواقع، يمكن تقييم جاذبية النموذج التركي على جزأين: الأول يتضمن مناقشات حول ماهية النموذج التركي وما السبب الذي جعله جذابا بالنسبة للمنطقة. أي أنه يدور حول محتويات وخصائص النموذج. الجزء الثاني يتضمن المناقشات حول إمكانية تطبيقه ومعنى النموذج التركي بالنسبة للمنطقة.

ماهية النموذج التركي ولماذا أصبح جذابا؟

كانت علاقات تركيا الاقتصادية والسياسة والخارجية بالعالم الاسلامي محدودة خلال الحرب الباردة، ذلك أن النخب الكمالية رأت، بسذاجة، أن زيادة العلاقات الخارجية مع الدول الاسلامية ستضار الطبيعة العلمانية للجمهورية التركية. وبرغم ظهور مؤشرات خروج على السياسات العلمانية في تركيا خلال عهد حكم تورغوت أوزال، إلا أن السياسة الخارجية التركية ظلت لحد كبير، ذات توجه غربي ومعزولة عن بقية دول الشرق الأوسط حتى وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة. زرع أوزال بذور التعددية في آليات السياسة التركية والسياسة الخارجية من خلال تحرير الاقتصاد التركي، وتمكين رجال الأعمال المحافظين من الظهور، والذين قدم معظمهم من مدن وسط الأناضول. شكل الرأسماليون المحافظون، والذين يطلق عليهم «نمورالاناضول»، الأسـس الاجتماعية الاقتصادية التي قام عليها حزب العدالة والتنمية، عندما وجدوا الفرصة سانحة للتوسع اقتصاديا من خلال برامج تحرير الاقتصاد التي بدأها أوزال. حاليا تقوم هذه الطبقة الجديدة من رجال الأعمال المحافظين بفتح قنوات الاتصال الاقتصادية والسياسية لحزب العدالة والتنمية في منطقة الشرق الأوسط.

الصورة التي قدمناه فيما سبق توضح أهم ركن من أركان النموذج التركي: علاقة من أدناها إلى أعلها مرتبطة بالإسلام في مقابل النسخة الثورية الإسلامية[4]. وخلافا للنشاط الثوري الإسلامي (ولحد ما العنيف) الذي كان مؤثرا جدا في المنطقة، فإن النموذج التركي يمثل  نموذجا أكثر مدنية وتسامحا حيث أن للإسلاميين الأتراك أهداف رئيسة، لا ترمي لإقامة دولة إسلامية على الشريعة، ولا على تغيير وتحويل المجتمع من أعلاه لأدناه بالاكراه ليتماشى مع مبادئ الشريعة الإسلامية. في الواقع، الإسلاموية التركية علاقة من أسفل إلى أعلى، حيث يسعى أصحاب الميول الدينية لأسلمة بيئاتهم من خلال النضال الشعبي والتضامن عبر تشكيل الشبكات الاجتماعية، مع التركيز على التعليم (الديني والعلماني معا)، وتنظيم المشاريع، واستخدام وسائل الإعلام. هكذا، تعمل هذه العلاقة ضمن حدود قواعد الديمقراطية. وعمل الإسلاميون الأتراك، منذ تأسيس حزب النظام الوطني، في إطار مناخ ديمقراطي نوعا ما، وتعلموا من أخطائهم، وعمقوا مفاهيم الثقافة الديمقراطية والمدنية بشكل كبير. وباستثناء حالات قليلة في مصر والأردن، حيث حصل أعضاء من الإخوان المسلمين على مقاعد في البرلمانات، فقد ظلت تجربة الإسلاميين مع الديمقراطية والمؤسسات الديمقراطية الوطنية في جميع أنحاء المنطقة محدودة جدا. كذلك، لم يلجأ الإسلاميون الأتراك للعنف بينما اختارت جماعات عنفية في العالم العربي أن تتحدى حكوماتها بالعنف السياسي. في الواقع، في الستينيات والسبعينيات، كانت مسألة وجوب لجوء الإخوان للعنف أو عدمه محور مناقشات هامة ومثيرة للانقسام بين شيوخ الإخوان. فمثلا، أولئك الذين استوحوا أفكارهم من أدبيات سيد قطب الداعية لاستخدام العنف[5] ضد الحكومات العلمانية، انشقوا عن التيار الرئيس للإخوان، وأسسوا جماعات مسلحة تستخدم العنف، بينما ابتعد الإسلاميون الأتراك عن العنف، وعملوا في إطار المبادئ الديمقراطية. كما أن تجربة  وخبرة الإسلاميين الأتراك في السياسة المحلية والوطنية كان لها أثر كبير عليهم. فكان عليهم حل المشاكل الدنيوية للمواطنين، وسرعان ما أدركوا قدرتهم على حل مشاكل المواطنين والفوز بأصواتهم في الانتخابات، وأن الأيدولوجية الإسلامية المحضة، لا تجتذب بالضرورة أصوات الناخبين.

الركيزة الثانية للنموذج التركي هي علاقة الإسلاميين الأتراك الخاصة بالاقتصاد، فلديهم توجه نحو السوق حيث النجاح والمكاسب الاقتصادية، وليس مجرد أيديولوجية فقط، وهذه هي القوى الدافعة الرئيسة.[6]  فقد مهدت السياسة الليبرالية التي بدأت بإصلاحات تورغوت أوزال، الطريق لظهور هذا النوع من الإسلاموية التركية القائمة على السوق الذي يفتقده العالم العربي. تدريجيا، أصبح الإسلاميون الأتراك يسعون إلى السوق والنجاح الاقتصادي السريع، وجاء نتيجة لاستراتيجيات النمو الاقتصادي الموجهة نحوالتصدير. شكلت هذه الاستراتيجيات ضغوطا عليهم ودفعتهم للبحث عن أسواق جديدة لمنتجاتهم. فالأسواق الأوروبية استحوذت عليها الشركات التركية الكبيرة المملوك أغلبها لرجال الأعمال العلمانيين، وكانت منافسة كبيرة لهم. وهكذا، لم يجد نمور الأناضول مفرا من اللجوء الحتمي إلى أسواق جديدة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى، وهي دول ذات أغلبية مسلمة.[7]  يمثل هذا الوضع استراتيجية اقتصادية طويلة الأمد للدوائر المحافظة المحيطة بحزب العدالة والتنمية، التي تشجعها حكومة حزب العدالة والتنمية أيضا. وهذا من شأنه أن يجعل تركيا بلدا له دور أكبر في التجارة الإقليمية. ووفقا لذلك، يسهم النجاح الاقتصادي للدوائر المؤيدة لحزب العدالة والتنمية الإسلامي بتعزيز مكانة تركيا كقوة إقليمية مع إمكانية جعلها دولة ذات قوة ناعمة أيضا في المنطقة.[8]  بالتالي، زاد النجاح الاقتصادي لتركيا الصاعدة ولنخبة رجال الأعمال المحافظين من قوتها الناعمة بمنطقتها، وهي الركيزة الثالثة للنموذج التركي.

إن عملية التحول الديمقراطي في تركيا، والأداء الاقتصادي الواعد، وارتفاع شعبية أردوغان عربيا فيما يتعلق بقضية فلسطين، وابتعاد تركيا تدريجيا عن إسرائيل، وتقارب حزب العدالة والتنمية الثقافي والديني مع شعوب المنطقة، على نقيض الكماليين والعلمانيين في تركيا، ساهم أيضا في جذب شعوب الشرق الأوسط للنموذج التركي. وعززت قدرة حزب العدالة والتنمية على التحول بنجاح من طراز إسلامي متشدد نسبيا إلى حركة سياسية وسطية متحفظة مكانة تركيا تدريجيا باعتبارها القوة الناعمة بالمنطقة. وفي مناسبات عديدة، اعتبر مسؤولو حزب العدالة والتنمية أنفسهم حزبا سياسيا مشابها للحزب الديمقراطي المسيحي بأوروبا، مما يظهر تجنب حزب العدالة والتنمية لأن يعتبر طرفا إسلاميا متشددا.

[9] خلاصة القول

 أن علاقة حزب العدالة والتنمية بالإسلام، والديناميات الاقتصادية التي أجبرت تركيا للسعي لأجل الحصول على دور سياسي واقتصادي نشط في المنطقة، والتحول التدريجي إلى القوة الناعمة، كل هذه العوامل شكلت ركائز أساسية للنموذج التركي. وبالنظر للديناميات الراهنة وخصائص المنطقة، سيكونن الجانب الثاني من مناقشة النموذج التركي هو قابليته للتطبيق بالمنطقة.

إمكانية تطبيق ومعنى النموذج التركي للمنطقة

بجانب خصائص النموذج، ينبغي أيضا مناقشة إمكانية تطبيقه ومعناه، لأجل إجراء تقييم كامل لقدرة النموذج التركي على التغلغل داخل المنطقة. فقد ظهرت على مر السنين أنماط متباينة تماما من المظاهر السياسية الإسلامية بجميع أنحاء المنطقة. وبالتالي، يعتبر مسار تركيا لتحقيق الديمقراطية مسارا فريدا من نوعه. وهكذا، فإن الجانب الأول من تطبيق النموذج التركي هو مسار تركيا الفريد لنشر الديمقراطية. فخلافا لمعظم الدول العربية في المنطقة، خاضت تركيا عملية تدريجية من التحول الديمقراطي، الأمر الذي أتاح لتركيا وللسياسيين الاتراك (وفيهم الإسلاميون) أن يستفيدوا دروسا قيمة من تجاربهم. وأصبحت تلك الخبرات والتجارب جزءا من الذاكرة الجماعية السياسية لتركيا. وبرغم فترات التوتر، التي تمثلت في أشكال التدخل العسكري في سنوات 1960، و1971، و1980، و1997، إلا أن تركيا اتخذت خطوات جادة نحو الديمقراطية. وعلى النقيض، افتقدت غالبية الدول العربية هذا النوع من الذاكرة السياسية الجمعية التي تطورت بواسطة فاعلين سياسيين وجهات سياسية فاعلة داخل المؤسسات السياسية المحلية والوطنية. وهكذا لم تتح للاتجاهات السياسية العربية فرصة العمل داخل حزب سياسي، لتكتسب الخبرات السياسية وتستفيد من التجارب. مع ذلك، لا يمكننا إنكار حقيقة أن مجموعات عدة بالمنطقة، كالإخوان المسلمين، لديهم كم هائل من الخبرة في تنظيم وتعبئة الجماهير، وإنشاء الشبكات الاجتماعية القوية، وجمع الأموال، لكنها تفتقد الخبرة الكبيرة في السياسة الحزبية، باستثناء بعض أعضاء الإخوان الذين تمكنوا من دخول البرلمان المصري كنواب مستقلين أو بواسطة أحزاب أخرى. والمعلوم أن حزب العدالة والتنمية ينحدر من الإرث السياسي لحزب النظام الوطني بزعامة نجم الدين أربكان، مما سمح لأعضاء حزب العدالة والتنمية باكتساب خبرة برلمانية وحكومية كبيرة عبر السنين. وكان هذا بمثابة عامل اعتدال وتأثير بالنسبة لهم. في الواقع، ليس لدى الإخوان والجماعات الأخرى بالمنطقة خبرة كافية للعمل على الصعيدين المحلي أو القومي والانخراط في السياسة البرلمانية في ظل دولة ديمقراطية، مما يمثل عقبة في طريق محاكاة النموذج التركي بشكل تام، ومنعهم من التعرض والاستفادة من القوة المعتدلة التي كانت متاحة للإسلاميين الأتراك على مر السنين. هكذا، فإن الجانب الثاني من تطبيق النموذج التركي هو تعرض الإسلاميين الأتراك لعوامل معتدلة عديدة.

عاملان بارزان من عوامل الاعتدال تمتع بهما حزب العدالة والتنمية، وهما قدرته على تشكيل علاقة من أسفل إلى أعلى مع الإسلام، وطبيعة علاقات الحزب مع الدوائر الانتخابية الصاعدة والمحافظة، لا سيما الدوائر التي تهدف إلى تحقيق النجاح الاقتصادي. في العلاقة  من أسفل إلى أعلى، يركز الفاعلون الرئيسون في العمل الاسلامي على الدائرة الانتخابية حيث أن العمل من أسفل إلى أعلى يتيح تغيير الأفراد إلى الافضل، من خلال التضامن والأسلمة التدريجية للمجالات الاجتماعية والسياسية، في حين أن العمل من أعلى إلى أسفل، يتركز الاهتمام بالاستيلاء على سلطة الدولة، وتنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية، وتحويل الجماهير إلى مسلمين أكثر تدينا والتزاما بالدين.[10]  كذلك، نجد أن الدافع لتحقيق النجاح الاقتصادي في الحالة التركية، في أحيان كثيرة، يفوق ويطغى على المواقف الأيديولوجية الصارمة، ويخفف حدة التجاوزات الأيديولوجية على المدى البعيد، بجانب تمكين الناس من الانفتاح على مختلف الأفكار وأساليب الحياة نتيجة لزيادة التعاملات الاقتصادية والانخراط بالاقتصاد العالمي. ونظرا لصعوبات تحويل الاقتصادات الراكدة بشكل كبير في دول العالم العربي، يبدو أنه لن يكون سهلا أن يشق العالم العربي طريقه إلى النجاح الاقتصادي كما فعلت تركيا.  ونظرا لشعبية تيارات متشددة من بعض الجماعات الإسلامية، لا سيما في سعيها لتنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية بعد استيلائها على السلطة من خلال ثورة عنيفة، سيكون من الصعب (وليس المستحيل) بالنسبة للعالم العربي بدء علاقة من أسفل إلى أعلى مع الإسلام، ويستفيد من عوامل الاعتدال. عوامل الاعتدال هذه، والمميزة للنموذج التركي لا وجود لها بالعالم العربي، مما يدل بوضوح على تفرد النموذج التركي. بعبارة أخرى، إذا تمكن معظم العالم العربي من تشكيل اتصال من أسفل إلى أعلى مع الإسلام بنبذ التوجهات المتطرفة، وإذا استطاع محاكاة نهج ومسار تركيا في النمو الاقتصادي، فسيصبح النموذج التركي أكثر قابلية للتطبيق.

هناك جانب آخر من تطبيق هذا النموذج، هو النموذج الاقتصادي التركي، الذي يمكن أن يكون مثالا يحتذى لدول العالم العربي، التي تحتاج بنهاية المطاف للانتقال من اقتصاد خاضع لسيطرة الدولة إلى نماذج أخرى أكثر توجها نحو السوق، بجانب الانتقال من أنظمة سلطوية بيروقراطية إلى نظم أكثر ديمقراطية وليبرالية. تتضمن هذه الخطوة تحولا من نموذج اقتصادي تسيطر عليه الدولة إلى اقتصاد موجه نحوالتصدير، وهذا سيؤدي إلى ظهور مشاريع جديدة، ورجال أعمال وتجار محافظين مستقلين عن تدخلات الدولة. تميز النموذج الاقتصادي التركي بنمو اقتصادي متمثل بارتفاع إجمالي الناتج القومي وزيادة دخل الفرد، وتحقيق نمو اقتصادي مطرد خلال السنوات الماضية، بشكل مستقل عن الدولة. كما أن علاقة الاقتصاد التركي بالاقتصاد العالمي جيدة، وأصبح قادرا على دمج رجال الأعمال المحافظين الذين يأتي معظمهم من مدن الأناضول، مثل قيصري وقونية وغازي عنتاب بالمستوى الدولي. وإضافة لما سبق، تتضمن النجاحات الاقتصادية التركية زيادة الصادرات، وارتفاع حصة صادرات السلع الصناعية التركية. يبدو ضروريا أن يحتذى بهذا التحول الاقتصادي في العالم العربي، إذا كان يعتزم حقا تطبيق النموذج التركي.

لقد بذر الانفتاح الليبرالي لتورغوت أوزال بأواخر الثمانينيات بذور النجاح الاقتصادي في تركيا، وكذلك انتقالها من اقتصاد تهيمن عليه الدولة لاقتصاد تنافسي موجه نحو التصدير. بعد الاستفادة بشكل كبير من انفتاح أوزال، أصبح رجال الأعمال المحافظون فيما بعد العمود الفقري لحزب العدالة والتنمية، ويعيش معظمهم بالمدن المركزية المحافظة في تركيا مثل قيصري، وقونية، وغازي عنتاب. وشكل رجال الأعمال المحافظون هؤلاء فيما بعد، علاقة فريدة مع حزب العدالة والتنمية، مما ساعد بنهاية المطاف، في تخفيف التجاوزات الأيديولوجية للإسلاميين الأتراك ودفع حزب العدالة والتنمية لتوسيع العلاقات الاقتصادية بين تركيا وبقية دول الشرق الأوسط. باختصار، إذا أراد العالم العربي يريد تطبيق النموذج التركي بسهولة، فهو بحاجة لإقامة علاقة مماثلة مع أصحاب المشاريع الخاصة أي المحافظين من ذوي التوجه الاقتصادي المبني على التصدير، تلك طبقة لا وجود لها حاليا بالعالم العربي.

وبرغم الحقيقة القائلة بان العالم العربي تنقصه آليات موجودة ومتاحة في تركيا، فهناك عوامل تجعل النموذج التركي قابلا للتطبيق. فالنموذج التركي يفترض إمكان توظيف الديمقراطية بأي بلد مسلم وأن المسلمين المحافظين يمكن أن يصبحوا ديمقراطيين بشكل فاعل، ويدعموا الديمقراطية والنموالاقتصادي والحقوق والحريات. بعبارة أخرى، وبغض النظر عما إذا كان هذا النموذج ملائما كلياً للعالم العربي، فإنه يبقى نموذجا ملهما  لبقية دول المنطقة. كذلك، لو أخذنا بالاعتبار مسألة مناقشة (العجز الديمقراطي) فيما يخص الشرق الأوسط بالأكاديميات الغربية ودوائر الإعلام، يبرز النموذج التركي ملائما لأنه النموذج الوحيد المبرهن على خطأ وجهة النظر القائلة بأن الإسلام والديمقراطية لا يتفقان.

الخلاصـــــــة

لا تزال فكرة أن تركيا تمثل نموذجا للشرق الأوسط محل خلاف بكل تأكيد. هناك صعوبات راهنة ذكرناها أعلاه، كما لن يكون في مصلحة تركيا الدفع لتصدير النموذج التركي بكل صراحة وعلانية إلى بقية دول الشرق الأوسط. تتحول تركيا تدريجيا إلى قوة ناعمة في المنطقة، وستستمر هذه العملية بصرف عما إن كان ذلك يروق لتركيا، وتؤخذ بعين الاعتبار الديناميات السياسية والاقتصادية الراهنة بالمنطقة. لا شك أن هناك بالفعل حوافز قوية بالنسبة لتركيا تدفعها لانتهاج استراتيجية القوة الناعمة، كدورها السياسي والاقتصادي المتزايد بالمنطقة، وتحسن علاقاتها مع جيرانها العرب. مع ذلك، شئنا أم أبينا، لن يتفق تماما اقتراح هذا النموذج مع العالم العربي بمخاطره الخاصة به، وتتراوح بين الإحباط العربي منه إلى الابتعاد والاغتراب العربي عنه، مما يؤدى لتدهور العلاقات التركية مع بقية دول المنطقة، بل وحتى مع الغرب.

هذه المخاطر يجب أن تكون محسوبة بدقة، إذا أرادت تركيا الحفاظ على دورها الراهن بالمنطقة كقوة لينة صاعدة. أحد مخاطر الزيادة السريعة لشعبية السياسة الخارجية التركية بالمنطقة، هو إثارة القلق لدى الغرب في أن تتحول تركيا تدريجيا بسياستها الخارجية تجاه منطقة الشرق الأوسط. الخوف الغربي من «فقدان تركيا» أمر واقعي.  بالتالي، يجب على تركيا أن تقيم بحذر مخاطر تعاملها مع السياسة الخارجية المتغيرة والسياسة في ظل تغيرات تشهدها المنطقة. بالنظر لكل هذه الاشياء، لن يكون مفاجأة أن نرى «مناقشة النموذج التركي» تحتل الأكاديميات والأوساط السياسية في السنوات المقبلة. وبالتأكيد، يبدو أن هناك مزيد في المستقبل لأولئك الذين يولون سياسات الشرق الأوسط قدرا من الاهتمام.

 

 

 

 

 
RocketTheme Joomla Templates