تصويت

ما تقييمك للموقع ؟
 

المتواجدون الآن

يوجد حاليا 33 زوار 
التربية العسكرية -2

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمـة الطبعة الأولى  للدكتور علي جريشة رحمه الله

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وآله وصحبه وسلم ، وبعد :

حاجـة المسلمين إلى التربية هذه الأيام حاجـة ماسـة ، ترتفع من مرتبة الحاجيات إلى مرتبة الضروريات .

ذلك أنها قاعدة انطلاقهم ، وأساس بنائهم الذي يواجهون به عدو الله وعدوهم ] إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص [ .

ونظرة سريعة إلى سيرة أشرف الخلق وقدوتهم إلى الحق محمد r نجد أنه سلك بدعوته سبلاً ثلاث ، أو قل مراحل ثلاث ، أما الأولى فكانت نشراً للدعوة وتبليغاً لها ، وأما الثانية فكانت تربية وتكويناً وأما الثالثة فكانت مواجهة وتمكيناً .

والدعوة الحديثة ينبغي أن تمر بما مرت به الدعوة الأولى نشراً وتكويناً  , إذا سلمنا بذلك أدركنا أن التكوين والتربية هما قلب الدعوة وأهم مراحلها ، فعلى أساس منه يكون انطلاقها وتمكينها .

وفي الحديث قامت دعوات وحركات ... كان أنجحها ما اتخذ  منهج التربية والتكوين أساساً لها وقاعدة لانطلاقها .

والتربية العسكرية أو قل الجندية الإسلامية هي أحد أركان التربية الصحيحة ... إذا علمنا أن المسلم عقل وروح وجسد ، وهي في منهجها الصحيح تبدأ بالعقل وتمر بالروح وتنتهي إلى الجسد ، فإذا المسلم فرداً مصقولاً معداً للجهاد في سبيل الله بنفسـه ومالـه ، وأهمية الجهاد ولزومه للحركة الإسلامية وللأمة الإسلامية بلوغاً لتحقيق أهدافها أمر لم يعد يماري فيه أحد .

ولقد قدم لنا الأخ الفاضل خالد أحمد الشنتوت هذا البحث النفيس حول ( المسلمون والتربية العسكرية ) ، نحسب أنه بشموله غير مسبوق ، وإن وجدت كتابات حول الجندية في الإسلام .

ونحسبه لازماً للدراسات التربوية الجادة ، وللجماعات السالكة طريقها إلى تحقيق الأهداف الإسلامية العليا ، والله نسأل أن ينفع به ، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم .

والحمد لله رب العالمين

المدينة المنورة في 29/11/1409

المستشار الدكتور علي جريشـة


مقدمة المؤلف

الحمد لله وحده لاشريك له ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين ، وبعد :

فقد انسحب أمس([1]) آخر جندي سوفياتي من أفغانستان بعد تسع سنوات حشدت خلالها روسيا مئات الألوف من الجنود وآلاف الدبابات والمدرعات ومئات الطائرات المقاتلة ، حشدت ذلك كله ضد المجاهدين المسلمين الأفغانيين الذين بدأوا جهادهم وقتالهم ضد الكافرين الشيوعيين الأفغان وحلفائهم الروس بمسدس واحد حصلوا عليه بعد اتخاذ القرار ، ثم غنموا من عدوهم السلاح وقاتلوه بسلاحه حتى أجبروه على الانسحاب .

بينما هزمت دويلة العصابات الصهيونية (إسرائيل ) في يوم (5/6/1967م) معظم الدول العربية مجتمعة واحتلت شبه جزيرة سيناء والضفة الغربية وغـزة والجولان ، وكل ذلك في سـتة أيام فقط !!!

فما الفرق بين العرب والأفغان !!؟؟

لماذا ينتصر المسلمون الأفغان على الاتحاد السوفياتي أول أو ثاني قوة عسكرية  في العالم بينما ينهزم العرب أمام العصابات الصهيونية !!!؟  وببساطـة ـ ودون تفصيل ـ هذه أهم الفروق بين الأفغان والعرب :

1 ـ يعيش الأفغاني حياة خشنة يسميها البعض ـ قاسية ـ لأن طبيعة البلد الجغرافية من جبال وثلوج وبعد عن البحار ؛ جعلت أبناء الأفغان يتأخرون عن غيرهم من المسلمين في تقمص حضارة أعداء المسلمين ، على عكس العرب الذين يساعدهم موقعهم الجغرافي على الاحتكاك بأعدائهم وتقليدهم وتقمص حضارتهم . كما أن أعداء الإسلام ركزوا على إفساد العرب لأنهم مادة الإسلام ...أكثر من تركيزهم على الأفغان ....

2 ـ الشعب الأفغاني يحترم العلماء ، وللعلماء فيه دور قيادي كما هو الحال في المجتمع المسلم ، أما العرب فقد زهد كثير منهم ـ وليس كلهم ـ في علماء دينهم وركنوهم على هامش الحياة ، بل اتخذوهم أحياناً مجالاً للسخرية والنكتة .

3 ـ العلماء في أفغانستان يقودون الشعب ، وهم الزعماء ، أما علماء العرب فقد ابتعدوا عن السياسة والقيادة أو أبعدوا عنها .

4 ـ عامة الشعب الأفغاني مقاتلون بالفطرة ، يتسلقون الجبال حفاة الأقدام ، ويقطعون المسافات في الجبال الوعرة على أقدامهم ، أما عامة العرب فقد شـغلوا بالبحث عن الطعام في معظم البلدان العربية ، وترى أحدهم يركض لاهثاً وراء متاع الدنيا ونعيمها، حتى صاروا غثاء كغثاء السيل .

وبقية المسلمين لايختلفون عن العرب فقد وصلوا حالة الوهن التي وصفها رسول الله r وقال عنها : [ حب الدنيا وكراهية الموت ] ([2]).

يتضح مما تقدم أن المسلمين اليوم في حالة الوهن والضعف ، وإذا لم يخرجوا منها فإن مصيرهم الفناء ، لكن الله عزوجل تكفل بحفظ دينـه ، وقد مر المسلمون بحالا ت من الوهن مثل هذه الحالة ثم قيض الله لهم من شـحذ عقيدتهم وهممهم فكانت حطين وعين جالوت والزلاقة والعبور وأفغانستان وغيرها .

وقد صارت الصحوة الإسلامية أمراً مؤكداً ، وهي تنادي بالعودة إلى الإسلام ، والتربية الإسلامية هي طريق العودة إلى الإسلام ، والتربية الإسلامية تعد المسلمين للجهاد في سبيل الله ، لذلك أراد الباحث أن يبين حاجة المسلمين إلى التربية العسكرية وهي جزء من التربية الإسلامية ، ويهدف الباحث إلى لفت أنظار المسلمين في الوقت الراهن إلى إعداد أنفسهم وأبنائهم للجهاد ، ولفت أنظار القائمين على المؤسسات التربوية في العالم الإسلامي إلى اعتبار التربية العسكرية مقرراً أساسياً في مناهجها .

ومن المفيد ذكره أن الخطة الخمسية الرابعة في المملكة العربية السعودية والتي تبدأ من العام الميلادي(1990) ورد فيها : ( إدخال مبادئ التربية العسكرية في المدارس الثانوية ) ، وورد فيها أيضاً ( تطبيق مبدأ الخدمة العسكرية الإلزامية ) ([3]).

كما ورد في توصيات مؤتمر وزراء التربية العرب عام (1968م) : ( إن المؤتمر وهو يعيد النظر في تربية الفرد العربي بعد كارثة الخامس من حزيران ليؤمن أننا بحاجة إلى التأكيد على تعميق التربية الروحية والخلقية والتربية العسكرية العملية ، والعناية الفائقة بها في المرحلة الثانوية والمعاهد المهنية والفنية بصورة ملزمة )([4]).

ولابد من الاعتراف بضعف الباحث وتقصيره ، وما كان صواباً في هذا البحث فبتوفيق الله عزوجل ، وما كان خطاً فهو من تقصير الباحث وضعفه ، وأسأل الله أن يجعله خالصاً لوجهه ، وأن يغفر للباحث ووالديه وأساتذته ، إنه رحمان رحيم .

والحمد لله رب العالمين

المدينة المنورة في 17 شعبان 1409هـ الموافق آذار 1989م

خالد أحمد الشــنتوت


الفصل الأول

تعريف التربية العسكرية

التربية العســـكرية هي إعداد الناشئة خاصة والأمة عامة للجهاد ، ويتطلب ذلك الإعداد :

ـ تربية روحية تجعلهم يستعلون على الدنيا .  ـ وتربية فكرية تجعلهم يعرفون دينهم ومكانة الجهاد فيه .

ـ وتربية نفسية تجعلهم يعتادون على متطلبات الجهاد من بذل للروح والمال والوقت في سبيل الله . ــ وتربية بدنية تجعلهم ذوي أجساد متينة وقوية تتحمل أعباء الجهاد في ميدان القتال . ـ وتربية سياسية يعتادون فيها على التعاون والشورى والتنسيق مع الاخرين ، وتخلصهم من الأنانية والفردية .

وتبدأ التربية العسكرية منذ الصغر على جميع هذه المستويات الروحية والعقلية والجسدية و .... وتسهم في تنفيذها الأسرة والمدرسة والمجتمع  . والتربية العسكرية المقصودة بهذا البحث تقدم لجميع أبناء الأمة ، رجالاً ونساء ً ، صغاراً وكباراً ، لأن الجهاد يصبح فرض عين إذا دخل العدو بلد المسلمين ، وهذا حاصل اليوم .

التربية العسكرية جزء من التربية الإسلامية :

من المعلوم أن التربية الإسلامية تربية شاملة ومتوازنة، تلبي حاجات المجتمع المسلم ، ومن حاجاته الدفاع عن وجوده ، وحالة المسلمين اليوم تتطلب تربيتهم على الإسلام وإحياء روح الجهاد عندهم .

والتربية اليوم في عالمنا الإسلامي تربية مستوردة من أعدائنا ، وهي تربية فاشلة كما يقول عبد الغني عبود ( من السمات العامة للتعليم في البلاد العربية عدم وجود فلسفة تعليمية واضحة ، فالتعليم مستورد ، والصراع بين القديم والجديد ، والسياسة تخرب التعليم ، والتعليم نظري بعيد عن الواقع العملي ) ([5]).

ومن فشل التربية عندنا أنها لاتلبي حاجات المجتمع المسلم ، وأهمها الجهاد ، بل أن التربية المعاصرة تبعد الناشئة عن الجهاد وتقدم للمجتمع شباباً ناعماً بعيداً عن صفات المجاهدين .

والتربية هي العامل الأساسي في التغيير ، وتغيير المجتمع لابد أن يحدث من خلال تغيير الأفراد ، والتصور الإسلامي في تغيير المجتمع ينطلق من قوله تعالى ] إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [ ـ الرعد 11 ـ فهذه سنة اجتماعية ربانية في التغيير ، لأن كلمة قوم تعني المجتمع ومدلول الآية في محاسبة المجتمع وتغييره على أساس العمل الجماعي في الدنيا ([6]).

ودور التربية في التغيير هو تربية الأفراد حسب وجهة التغيير المطلوبة ، وبتعبير آخر إعداد الأفراد حسب متطلبات المجتمع . والمجتمع المسلم المعاصر مهدد بالخطر من أعدائه حضارياً وعسكرياً ومن الأدلة على ذلك :

1 ـ الاحتلال الصهيوني لفلسطين ثالث الحرمين وأولى القبلتين ، ومسرى النبي r ، واستعداد الصهاينة لطرد العرب والمسلمين من المنطقة كلها ليعودوا إلى جزيرة العرب التي خرجوا منها قبل سبعة آلاف عام .

2 ـ الغزو الروسي لأفغانستان وتشريد أهلها ، وخطف الأطفال لتلقينهم الكفر والإلحاد ثم إعدادهم لقيادة الشعب الأفغاني .

3 ـ ذبح المسلمين بأيدي أعدائهم في عدة أقطار إسلامية في مجازر جماعية أحياناً ، دون أن يتحرك المسلمون لتلك المجازر .

وقد وصل المسلمون إلى هذه الحالة من الذل والهوان عندما تركوا الجهاد ولحقوا أذناب البقر ( أي الدنيا ) فصاروا غثـــاء كغثاء الســـيل كما وصفهم رســــول الله r [ يوشك الأمم أن تداعى عليكم  كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم ، وليقذفن في قلوبكم الوهن ، فقال قائل : وما الوهن يارسول الله ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت ]( [7]).

ولن يستقيم أمر هذه الأمة إلا إذا عادت إلى الجهاد لما جاء في الأثر ( لايصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها) ، وأول هذه الأمة كانوا فرسان النهار رهبان الليل ، تفيئوا ظلال السيوف ، وعرفوا أن الجنة تحت ظلال السيوف فدكوا حصون الطواغيت .

ومن أجل ذلك يجب على المســــلمين أن يربوا أجيالهم تربية إســــلامية صحيحــــة ( ...تواجه هذا الواقع بما يكافئه  بالدعوة والبيان ، ثم بالقوة والمقدرة والسلاح ) ([8])، وعلى التربية الإسلامية أن تعد جيلاً لايسترسل أثناء السلم في النعيم ، ولايخلد إلى الراحة فيفقد قوته وقدرته على الجهاد ، ولايستسلم أثناء الحرب للأحقاد والغضب فيصبح همه القتل والتدمير ([9]).

مؤتمر وزراء التربية العرب عام 1968م

إن أول ماتجب مراجعته عندما تصاب الأمة بالنكبات نظامها التربوي ومناهجها التعليمية ، وهذا ما قرره وزراء التربية العرب المنعقد في الكويت عام (  1968م) بعد نكسة الخامس من حزيران وقد جاء في هذا المؤتمر :

( ... إن المؤتمر وهو يعيد النظر في تربية الفرد العربي بعد كارثة الخامس من حزيران ( يونيو ) ليؤمن أننا بحاجة إلى التأكيد على تعميق التربية الروحية والخلقية والتربية العسكرية العملية لترسيخ الإيمان وروح الجهاد والتضحية والبذل والفداء وجعل الاستشهاد في سبيل الله دفاعاً عن الوطن والأمة أغلى وأعز الغايات ، وإزاء هذا فإن المؤتمر يوصي بما يلي :

1 ـ ضرورة بناء فلسفة التربية والتعليم في الوطن العربي على الإيمان بالله ثم المثل العليا للأمة العربية ، وأن يكون هذا الإيمان مصدراً للسلوك العام والخاص للفرد والمجتمع .

2 ـ تطوير مناهج وكتب التربية الدينية والتربية الوطنية تطويراً يحقق غرس هذه القيم في نفوس الناشئة .

3 ـ تنفيذ مقررات المؤتمر الثقافي العربي بالجزائر والخاصة بمادة التربية الدينية واعتبارها مادة أساسية .

4 ـ العناية الفائقة بالتربية العسكرية للطلاب في المرحلة الثانوية والمعاهد المهنية والفنية بصورة ملزمة . [ ومن المؤسف أن سوريا هي البلد العربي الوحيد الذي كان يدرس مادة التربية العسكرية في المرحلة الثانوية وكانت تسمى ( الفتوة) ولها حصتان في الأسبوع عندما كنت طالباً في المرحلة الثانوية في ستينات القرن العشرين ، ثم ألغيت هذه المادة فيما بعد إرضاء لعدو هذه الأمة ؟؟؟] .

5 ـ أن يحرص في إعداد المعلم على السلوك والقدوة الحسنة وأن يكون هذا الجانب أساساً في مناهج إعداد المعلمين والمعلمات .

6 ـ أن يتم تنسيق فعال بين أجهزة التوجيه المختلفة في المجتمع من تربية وإذاعة ومؤسسات رعاية الشباب والأندية الاجتماعية بحيث تتعاون على تربية جيل مؤمن بالله ، واع مستنير يقدر المسئولية ويكون على مستوى الأحداث الجارية في العالم العربي حتى يحقق الله على يديه النصر إن شاء الله تعالى  )( [10]) .

أمثـلــة من التاريـخ

ليست هذه المرة الأولى التي يصل بها المسلمون إلى الذل والهوان ، ثم يلتمسون الخلاص في دينهم فيتمسكون بـه ، ويربون أجيالهم على الإسلام ، ويرفعون راية الجهاد في قلوبهم وأيديهم فينصرهم الله عز وجل على عـدوهم ، وهذه بعض الأمثلة من تاريخ المسلمين نسوقها بإيجاز :

1 ـ عـيـن جـالــوت :

يقول أبو الحسن الخزرجي عن أهل بغداد قبل أن يستولي عليهم التتـار : ( واهتموا بالإقطاعات والمكاسب وأهملوا النظر في المصالح الكلية ، واشتغلوا بما لايجوز من الأمور الدنيوية ، واشتد ظلم العمال ، واشتغلوا بتحصيل الأموال ... ) ويقول قطب الدين النفي يصف أهل بغداد في زمن المستعصم : ( ... مرفهون بلين المهاد ، ساكنون على شـط بغداد ، في ظل ثخيـن ، وماء معين ، وفاكهة وشراب ، واجتماع أحباب وأصحاب ، فما كابدوا حرباً ، ولادافعوا طعناً ولاضرباً ... ) ([11]).

ثم قيض الله عزوجل للمسلمين الملك المظفر قـطـز يضرب بنزاهته وعدلـه وشجاعته وحزمـه ، وصـبره وعـزمـه ، ووفائـه وتضحيتـه ، وحنكتـه السياسية وكفايته الإدارية ، وإخلاصه في خدمة الدين والوطن ؛ مثلاً عليا للحاكم الصالح والرجل الكامل( [12]).

ومن شدة الشبه بين اليوم والبارحة ، عندما كان التتار يزحفون على العالم الإسلامي ويخربونه كان ملوك مصر والشــام مشغولين بقتال بعضهم بعضاً وكيد بعضهم لبعض ، ولايجدون حرجاً من أن يستنجد أحدهم بالصليبين على منافسـه من ملوك المسلمين([13]). وقبل المعركة الفاصلة قضى الملك قـطز مدة طويلة في إصلاح رعيته ومملكته ، وقد ملأ الجيش المصري بروح الفداء والاستماتة في الدفاع عن الدين والوطن ؛ فإذا به يحن شوقاً للجهاد في سبيل الله ، واستطاع الملك أن ينزل السكينة في قلوب سواد الناس بعد أن كانت ترجف هلعاً من ذكر التتار ، ولما دخل شهر رمضان وصام الناس بضعة أيام نودي في القاهرة وسائر مدن مصر وقراها بالخروج إلى الجهاد في سبيل الله ونصرة دين رسول الله r ( النفير العام لتجنيد كافة أبناء الأمة لذلك يلزم تدريب الجميع ) ، فأحس الناس كأنهم في عهد من عهود الإسلام الأولى ، وطغى هذا الشعور على جميع طبقات العامة حتى كف الفسقة عن ارتكاب المعاصي ، وامتنع المدمنون عن شرب الخمور ، وامتلأت المساجد بالمصلين ، ولم يبق للناس حديث إلا الجهاد ، وأمست ليلة الجمعة لخمس بقين من شهر رمضان ولم ينم الملك المظفر ليلته تلك بل قضاها في ترتيب العسكر ، وإصدار الأوامر ، وكان من خلال ذلك كله يكثر من ذكر الله وتلاوة القرآن ،ثم بدأت المعركة وهجم المسلمون على التتار ، وبعدما هبت رياح الجنة خلع الملك المظفـر خوذتـه وصـرخ بأعلـى صوتـه ( وا إسلاماه ) ثلاث مرات واندفع يضرب رؤوس التتار يطلب الشهادة ، فحمي المسلمون وقلدوا ملكهم ، واستبسل وزيره بيبرس ثم قتل قائد التتار وطوق المسلمون العدو وحالوا بينهم وبين الفرار ، وأفنوهم ضرباً بالسيف وطعناُ بالرماح ، وانتهت المعركة ، وخـر الملك ساجداً لربه ، وأطال السـجود ، ثم رفع رأسـه والدموع تتحادر على لحيته حتى سلم من صلاته فامتطى صهوة جواده وخطب قائلاً : ( أيها المسلمون إن لساني يعجز عن شكركم ، والله وحده قادر أن يجزيكم الجزاء الأوفى ، لقد صدقتم الجهاد في سبيله ، فنصر قليلكم على كثير عدوكم ، قال تعالى : ] إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم [ ، إياكم والزهو بما صنعتم ، ولكن اشكروا الله واخضعوا لقوته وجلاله ، إنه ذو القوة المتين )([14]).

حــطيــن :

مرة أخرى كان المسلمون في ضعف وفرقة وذل وهوان ، ثم عادوا إلى الالتزام بكتاب الله وسنة رسوله r فسرت فيهم روح الجهاد ، وأعدوا الأمة كلها للجهاد في سبيل الله عزوجل ، وخلال بضع عشرات من السنين غير الله حالة القوم بعد أن غيروا ما بأنفسهم فكان النصر المؤزر في حطين على يــــــد البطل صلاح الدين الأيوبي يرحمه الله ، فكيف كان ذلك ؟

سيطرت المذهبية الضيقة ، وسار العلماء في ركاب السلاطين وتهافتوا على أبوابهم ، وانحرف التصوف ، وازدهرت الحركة الباطنية ، وكثرت وسائل الكسب غير المشروعة فالدولة تفننت في أنواع الضرائب ، وحتى الحجاج كانوا يدفعون الضرائب للبلد الذي يمرون فيه ، وتفنن التجار في رفع الأسعار خاصة خلال ندرة القوت والحاجات حتى جلا من مصر خلق كثير ، ومات أكثر أهل مصر جوعاً، ثم تزايدت هجمات الصليبين فاستولوا على إنطاكية وبيت المقدس (492هـ) والسلاطين لاهين في منازعاتهم وملذاتهم ، حتى أن أحد الوفود ذهب من الشام إلى بغداد يستنجد بالخليفة ومعهم كيساً مملوءاً بالجماجم وشعور النساء والأطفال نثروها بين يدي المسؤولين فكان جواب الخليفة : ( ...دعني أنا في شيء أهم من هذا ، حمامتي البلقاء لم أرها منذ ثلاثة أيام )([15]).

ثم بدأ الإصلاح عندما هيأ الله للمسلمين الوزير نظام الملك يرحمه الله ، الذي كان أول من أسس المدارس وجعل الدولة تشرف عليها وتدفع رواتب المدرسين ، فظهرت مدرستين فكريتين لهما باع طويل في التربية والتعليم والدعوة وهما مدرسة عبد القادر الكيلاني ، ومدرسة الغزالي يرحمهما الله ، وكانتا بعيدتين عن التعصب المذهبي والحزبي الضيق ، فكان التغيير الجماعي في العقول وكان أحد تلامذة الغزالي وزيراً لصلاح الدين يرحمهما الله ( المرجع نفسه ص75) .وصار جيل مطابق لتعاليم الإسلام وانتشرت عناصره في الجيش والتربية والاقتصاد ، ومن آثار ذلك الجيل الدولة الزنكية التي اعتبرت الانسان المسلم هو الدعامة الرئيسة التي يقوم عليها بناء الأمة المسلمة .

كما نشطت الدولة الزنكية في تدريب كافة الجماهير تدريباً عسكرياً ، وتزايدت العناية بالتربية العسكرية عندما أقام نور الدين زنكي ساحات وميادين للتدريب العسكري في دمشق ، وألف كتاباُ في الجهاد ، وكان التدريب يقوم على دعامتين :

1 ـ الإعداد المعنوي والروحي .  2 ـ التدريب العسكري  .    وفي هذه الساحات تربى صلاح الدين الأيوبي يرحمه الله ، وكان نور الدين زنكي نفسه يساهم في ميادين التدريب في ركوب الخيل ولعب الكرة ، وكان في هذه الميادين مجلس عام للقيادات التربوية يحضره كبار العلماء والقادة العسكريون تناقش فيه الموضوعات بعيداً عن روح التعصب المذهبي إلى أن تغير ما بالقوم وبرز جيل مسلم يختلف عن الأجيال السابقة التي نعتها ابن جبير بالأهواء والبدع ، ووصفها أبو شامة بأن همة أحدهم لم تكن تتعدى فـرجـه أو بطنـه ( المرجع السابق 219) . وقد تميزت القيادات السياسية والعسكرية الإدارية بالتزامها العقائدي بجميع ممارساتها ، حتى عـد نور الدين سادس الخلفاء الراشدين فكان يحافظ على صلاة الجماعة ، ويكثر من قيام الليل ، غير متعصب ، وكذلك كان رجاله ومعاونوه .

ثم عزم نور الدين على فتح بيت المقدس وأعد منبراً جديداً للمسجد الأقصى ، ولما توفي آلت الأمور إلى واليه على مصر صلاح الدين الأيوبي يرحمه الله ، فمضى المسلمون بقيادة صلاح الدين في الزحف إلى بيت المقدس وحرروها ( المرجع نفسه 264) .

الزلاقــة :

خضع المسلمون في الأندلس وسيطر عليهم الذل والهوان عندما أحبوا الدنيا وكرهوا الموت ، فطمع فيهم أعداؤهم ، فجاء المرابطون الذين رباهم الإسلام وقادهم يوسف بن تاشفين يرحمه الله ، وخلاصة ذلك :

في عام (400هـ) بدأ عصر الطوائف في الأندلس بعد انقضاء الخلافة الأموية نتيجة أطماع الولاة وغطرسة الحرس الخليفي ، وصارت هذه الدويلات يأكل القوي منها الضعيف ، ويستنجد أحدهم بالنصارى مقابل دفع الجزية لهم ، لذلك استطاع الفونســو أن يعيد ( طليطلة ) إلى حظيرة النصرانية ، واتخذها عاصمة له ، بعد أن حكمها المسلمون (372 ) عاماً ، وبدأ القتال ضد المسلمين يتخذ صفة الحرب الصليبية ، وصار الفونسـو يمـد نفوذه ، حتى جـزع المعتمـد وندم على تحالفه مع النصارى ورأى أمراء المسلمين شبح السقوط ماثلاً أمام أعينهم فاتحدوا لأول مرة ، واجتمعت كلمتهم ، على أن يضعوا حداً لفتوحات الفونسو ، لذلك استنجدوا بالمرابطين في المغرب .

المرابطون من بدو البربر انتشر الإسلام بينهم فأحبوه ووجهوا سيوفهم ورماحهم من الغزو والسلب والنهب إلى الجهاد في سبيل الله  ( كما فعل عبد العزيز مع بدو نجد يرحمهم الله كما سنرى ) ، وأسمهم مشتق من الرباط وهو الإقامة في الثغور لدفع أعداء الإسلام ، وعلى هذا الأساس أقاموا دولتهم في شمال المغرب ، ووصلت قيادتهم إلى البطل يوسف بن تاشفين ، وكان متقشفاً لم يأكل سوى خبز الشعير ولحم الإبل ويشرب لبن النوق ، مما جعله في صحة قوية عاش مائة عام (400 ـ 500 ) .

وفي ربيع الأول (479هــ) صعد يوسف بن تاشفين إلى مقدمة السفينة وهي تعبر البحر إلى الأندلس ورفع يديه إلى السماء ودعا ( اللهم إن كنت تعلم أن في جوازي هذا خيراً وصلاحاً للمسلمين فسهل علي جواز هذا البحر ، وإن كان غير ذلك فصعبه حتى لا أجوزه ) ، فهدأ البحر وجازت السفن ، ولما نزل على أرض الأندلس سجد شكراً لله .

ويوم الزلاقة تقابل ( 180000) من النصارى منهم (80000) فارس مع ( 48000 ) من المسلمين نصفهم من أهل الأندلس والباقي من المرابطين ، وفي نهاية المعركة لم ينج من النصارى سوى (500) فارس معظمهم جرحى فروا مع الفونسو إلى طليطلة .وغنم المسلمون حياة جديدة في إسبانيا امتدت أربعة قرون أخرى ، وهيأت الأندلس ولاية تابعة لدولة المرابطين في المغرب  ثم الموحدين ([16]).

عبور القناة في رمضان (1394هـ الموافق 1973م) :

يقول اللواء محمد جمال الدين محفوظ مدير التوجيه المعنوي في الجيش المصري بعد هزيمة (1967م) ، أنه أقام منهج إعادة الروح المعنوية على أساس الإسلام كما يلي :

جعل الجهاد في سبيل الله عقيدة القتال للجيش المصري . وجعل النصر أو الشهادة شعاراً له ، وجعل ( الله أكبر ) صيحة القتال يصرخها الجندي عند الاقتحام ، وجعل للعلماء والدعاة دوراً كبيراً في معايشة الجيش  وربط نشاطه بالدين في السلم والحرب ، ويعتقد اللواء محفوظ أن هذا المنهج كان سبباً هاماً من أسباب اجتياز قناة السويس وخط بارليف الحصين ([17]).

وقد عاش المسلمون في مصر خلال الستينات عصراً مظلماً قادهم إلى نكسة الخامس من حزيران (1967م) ، وكانت محنة أليمة حيث تنتصر دويلة العصابات الصهيونية على ثلاث دول عربية خلال ست ساعات فقط قضت فيها على سلاح الطيران المصري ، وكان السبب الرئيس فساد الأخلاق في بعض ضباط الجيش ، وخاصة في سلاح الجو ، وبعد النكسة حاول بعض القادة الصغار في مصر العودة ولو جزئياً إلى الإسلام فكانت النتيجة عبور قناة السويس وخط بارليف الحصين ، مع أن الخبراء العسكريين يرون استحالة ذلك من قبل أي جيش في العالم .

جهاد المسلمين الأفغــان :

قبل عشرين سنة كان الضعف والهوان سبباً في وصول الشيوعيين إلى الحكم وأعلنوا حربهم على الإسلام ، وعندئذ تحرك المسلمون الأفغان ونادوا بالجهاد وقام الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان ، وساعد على ذلك أن الأفغان شعب فقير لم يتلف الترف كيانه ، ولم تنخر الرفاهية عظامه ، ولم يهد التنعيم صلابته ،  يكفي الخبز الجاف ليعيش عليه المجاهدون عدة أشهر ([18]) . ومازالت التربية الإسلامية أو بعضها تسود في الريف حيث العلماء هم القادة السياسيون والاجتماعيون هناك .

وقد سحبت روسيا جيشها بعد عشر سنوات من الخسائر التي قصمت ظهر الاتحاد السوفياتي وعجلت بتفككه وانهياره .

الجهــاد في الإســلام([19])

الآيات التي تفرض الجهاد على المسلمين كثيرة ومشهورة منها :

قال تعالى ] كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ... [ ـ البقرة 216ـ وقال تعالى : ] ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير [ ـ التوبة 73ـ وفي صحيح مسلم يرحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : [ سئل رسول الله r : أي العمل أفضل قال : إيمان بالله عزوجل ، فسئل ثم ماذا ؟ قال : ثم الجهاد في سبيل الله عزوجل ، قيل : ثم ماذا ؟ قال : حج مبرور ]( [20]). وأخرج البخاري (6/4) يرحمه الله عن أبي هريرة رضي لله عنه قال : [ جاء رجل إلى النبي r فقال : يارسول الله علمني عملاً يعدل الجهاد في سبيل الله قال : لا أجد ، قال : هل تستطيع إذا خرج المجاهد في سبيل الله أن تدخل مسجدك فتقوم ولاتفتر ، وتصوم ولاتفطر ؟ قال : لا أستطيع ذلك ] . والأحاديث كثيرة في باب الجهاد حتى أن الحافظ ابن عساكر يرحمه الله صنف كتاباً عنوانه ) الأربعون في الحث على الجهاد ) ، انتقى فيه أربعين حديثاً من أحاديث كثيرة ملأت باب الجهاد في كتب الحديث الشريف .

من هذه الآيات والأحاديث الكثيرة عرف المسلمون أن الجهاد فريضة أمر بها الله عزوجل ، ويكون فرض عين إذا اقتضت المعركة مشاركة الجميع ، أو هوجمت أرض الإســلام ، أو احتل جزء من أرض الإســـلام واحتيج لإنقــاذه إلى التعبئة العامة ([21]).

ولما كان الجهاد فريضة على الأمة المسلمة لذلك أمرها الله عزوجل بالاستعداد له قال تعالى : ] وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لاتعلمونهم الله يعلمهم ، وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يـوف إليكم وأنتم لاتظلمون [ ـ الأنفال 60 ـ ويقول سيد قطب في ظلال هذه الآية : ( فالاستعداد بما في الطوق فريضة تصاحب فريضة الجهاد والنص يأمر بإعداد القوة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها ويخص رباط الخيل لأنها الأداة البارزة عند من خوطبوا بهذه الاية لأول مرة .. ) ويمضي يرحمه الله فيقول : ( ... إنه لابد للإسلام من قوة ينطلق بها في الأرض لتحرير الإنسان ، وأول ما تصنعه هذه القوة :

1 ـ تؤمن الذين اختاروا هذه العقيدة فلا يفتنوا بعد اعتناقها .

2 ـ ترهب أعداء هذا الدين ، فلا يفكرون في الاعتداء على دار الإسلام .

3 ـ ترهب أعداء هذا الدين فلا يفكرون في الوقوف في وجـه المـد الإسلامي ، وهو ينطلق لتحرير الإنسان كله في الأرض كلها .

4 ـ تحطم كل قوة في الأرض تتخذ لنفسها صفة الألوهية ([22]).

وجاء في صفوة التفاسير ( ... أي أعدوا لقتال أعدائكم جميع أنواع القوة المادية والمعنوية ، قال الشهاب : وإنما ذكر القوة هنا لأنه لم يكن في بـدر استعداد تام ، فنبهوا على أن النصر من غير استعداد لايأتي في كل زمان ) .   وجاء في مختصر تفسير ابن كثير يرحمه الله ( ... عن عقبة بن عامر قال :  سمعت رسول الله r يقول وهو على المنبر : [ وأعدو لهم ما استطعتم من قوة ] ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ] ([23]). والرمـي مهارة تكتسب بالتعلم والتدريب المستمر ، وقد حث رسول الله r على تعلم الرمي فقد أخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع قال : [ خرج النبي r على نفـر من أسلم ينتضلون بالسوق فقال : ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً ،ارموا وأنا مع بني فلان ، فأمسك أحد الفريقين بأيديهم ، فقال رسول الله r : مالكم لاترمون ؟ قالوا : كيف نرمي وأنت معهم ؟ فقال : ارموا وأنا معكم جميعاً ، فرموا عامة يومهم ، فلم يفضل أحدهم الآخر ، أو قال فلم يسبق أحدهم الآخر ] ([24]). وجاء في تفسير تيسيرالكريم الرحمان في تفسير كلام المنان مايلي : ( ... وأعدوا لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة ونحو ذلك ، مما يعين على قتالهم فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات والبنادق والطيارات والمراكب البرية والبحرية ، والقلاع والخنادق ، وآلات الدفاع والرأي والسياسة التي يتقدم بها المسلمون ، ولهذا قال رسول الله r [ ألا إن القوة الرمي ] ) .

ويشير الباحث الحالي إلى أن الإعداد للجهاد يشمل جانبين أساسيين وهما : إعداد الرجال ثم إعداد العتاد، وإعداد الرجال أصعب من إعداد العتاد ، لأنه يتطلب إعداداً من المهد ، روحياً وعقلياً ونفسياً وجسدياً كما سنرى ، لذلك وجبت التربية العسكرية على الأمة المسلمة ، وهي جزء أساس من التربية الإسلامية ، فالقتال في سبيل الله يحتاج جسماُ يتحمل عبء القتال ، ومعرفة بفنون القتال وأسلحته ، وشجاعة تكتسب منذ الصغر ، يقول سعيد حوى يرحمه الله : ( .. لذا نجد الآثار عن الصحابة تأمرنا برعاية الأبناء ( علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل ، ومروهم أن يثبوا على الخيل وثباً ) .

أما ركوب الخيل فقد كثرت الخيل في عصرنا ، واولها الدراجة النارية فالسيارة ثم الدبابة والطائرة والغواصة ... إلخ يقول الشيخ سعيد حوى يرحمه الله ( ... ولما كانت الدولة الإسلامية مهمتها إخضاع العالم لسلطان الله ، فإنه يفترض عليها أن تعد العدة الكاملة التي تتطلب رجالاً مدربين واختصاصيين أكفاء للتدريب واختصاصيين بقيادة الطائرات وآخرين بقيادة البحرية وغيرهم لإدارة المعارك وتموينها وتنظيمها وكفاءات عسكرية مجربة وشجاعة ، ولن يتيسر هذا إلا إذا كان الشعب كله محارباً وعلى استعداد للقتال دائماً ، لذلك خاطب الله المؤمنين بقوله : ] يا ايها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً [ ـ النساء 71ـ وقال عزوجل : ] انفروا خفافاً وثقالاً [ ـ التوبة 41 ـ ومقتضى هذه الآيات أن على المسلمين جميعاً أن يكونوا محاربين رجالاً ونساءً وأطفالاً ، ومن سنن الإسلام أن المرأة تخرج وتحارب بغير إذن زوجها إذا هوجمت بلادها ، ولكن كيف تستطيع أن تقاتل المرأة ويقاتل الرجل الكبير والصغير إذا لم يكونوا مدربين ‍‍‍؟؟([25]) .


الفصل الثاني

وســــــائــل التربيـــة العســــكريـة

إذا قررنا إعـداد الأمــة كلها إعداداُ عســكرياً للجهاد اســـتجابة لأمر ربنا عـزوجـل ] وأعدوا لهم مااستطعتم من قوة .. [ فما الوسائل التي نحقق بها هذا الإعداد ؟ وقبل الإجابة يبين الباحث الخطأ الشائع لدى كثير من المسلمين عندما تعد جيوشها للحرب وتهمل الشعب ، والجيش ليس سوى جزء بسيط من الشعب ، كما أنهم يعدون جيوشهم جسدياً ومهنياً فقط ، ظناً منهم أن المقاتل الناجح صاحب الجسد القوي الذي يتقن استخدام السلاح في التمارين العسكرية ( المناورات ) .

وجواب الباحث أن نربي أبناء الأمة كلهم تربية إسلامية صحيحة ( ومنها التربية العسكرية ) لأن الأمة المسلمة أمة مجاهدة ، كما أن التربية الإسلامية تنمي الإنسان من جميع الجوانب الروحية والعقلية والجسدية والنفسية ... لذلك للتربية العسكرية عدة وسائل منها : التربية الروحية ، والإعداد الفكري ، ثم الإعداد النفسي ، ثم الإعداد الجسدي ، والمالي ، والإعداد السياسي .

وسوف يتناول الباحث كلاً من الإعداد الروحـي ، والإعداد النفسـي ، والإعداد السياسي ، اختصاراً للوقت ، أما الإعداد الفكري والجسدي والمالي فقد شــاع ذكرها بين المسلمين .

التربيــة الروحيـة

الإنسان روح وجسد ، الروح باقية والجسد فان ٍ ، وأكبر انحراف للتربية المعاصرة أنها تعنى بالجسد وتهمل الروح . قال تعالى : ] فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين [ ـ الحجر ـ 29 ـ وأخرج الشيخان يرحمهما الله عن عبد الله بن مسعود قال : حدثنا رسول الله r وهو الصادق المصدوق : [إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمـه أربعين يوماً نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح .... ] ([26]). ( ويعنى الإسلام عناية خاصة بالروح ، وهي نقطة الأساس للإنسان لأنها صلة الإنسان بالله ، ولأنها أكبر طاقاته وأعظمها (محمد قطب ، 41) .

وفي ميدان الجهاد في سبيل الله نتفق على أن الشهيد نموذج المسلم الذي يقدم روحه رخيصة في سبيل الله ، فهل عرفنا لِمَ يفعل الشهيد ذلك ؟ لِمَ يترك أولاده وزوجته وأشياءه ويبيع روحه لله عزوجل ؟؟؟  إن إقدام الشهيد على التضحية بحياته الدنيا عمل درسـه الشهيد مسبقاً واتخذ فيه قراراً ، فقد عرف أن الشهداء أحياء عند الله يرزقون وليسوا أمواتاً ،  قال الله عزوجل ] ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون [ ـ آل عمران 169ـ لقد وصل الشهيد إلى نتيجة أيقن بها خلاصتها أن الشهيد حي في الجنة لذلك أقدم على التضحية ، والمهم في الأمر أن الشهيد عندما يتخذ هذا القرار يصبح شجاعاً لايخاف الموت ، وهذا ما قاله أحد القادة المسلمون : ( لقد جئتكم بقوم يحبون الموت أكثر من حبكم للحياة ) ، فلماذا يحبون الموت ؟ والجواب واضح جداً لأن الموت عندهم هو دخول الجنة ، وهذا مثال من اليرموك حيث حشد المسلمون كل ماعندهم وهو أربعون ألفاً ، بينما حشد الروم (240) ألفاً ، وقبيل المعركة كلف خالد رضي الله عنه أبا سفيان رضي الله عنه أن يعظ المسلمين فنادى أبو سفيان : ( ... يامعشر المسلمين حضر ماترون فهذا رسول الله ، والجنة أمامكم  والشيطان والنوار خلفكم ) ، ثم رجع مكانه في الصف وخرج أبو هريرة رضي الله عنه فقال : ( سارعوا إلى الحور العين وجوار ربكم في جنات النعيم ) ـ محمد السيد الوكيل 65ـ  وبدأ القتال فتسابق أبطال المسلمين إلى ساحة الوغى لا يخافون الموت بل يطلبونه ، لأنهم آمنوا أن الموت في ساحة الوغى يدخلهم الجنة مباشرة ([27]).

وسائل التربية الروحيـة

تنمو الروح وتزدهر عندما تكون على صلة مستمرة بالله عزوجل ، لأنها جاءت من عنده ، وتذبل وتضمر إذا انقطعت عنه ، ويتحقق دوام الصلة بالله عزوجل بمواظبة العبد على العبادة بمعناها الخاص والعام كما يلي :

1 ـ المواظبة على العبادات :

ــ فالصلاة صلة بين العبد وربه ، والمصلون الخاشعون تتصل أرواحهم بالله ، لذا لايشعرون بما حولهم ، ولايحسون بالألم في أجسادهم ( عن جابر رضي الله عنه قال : خرجنا مع رسول الله r في غزوة ذات الرقاع ، فنزل رسول الله r منزلاً وقال : من يكلؤنا ليلتنا هذه ؟ فانتدب رجل من المهاجرين وآخر من الأنصار ، فقال الأنصاري للمهاجري تحب أن أكفيك أوله أم آخره ؟ قال : بل تكفيني أوله فاضطجع المهاجري فنام وقام الأنصاري يصلي ، فأتى العدو فرماه بسهم فنزعه ولم يقطع صلاته ، ثم رماه بسهم ثانٍ فنزعه ، وثالث فنزعه ثم ركع وسجد وأيقظ صاحبه المهاجري ، فهرب الرجل العدو ، فلما رأى المهاجري دماء الأنصاري قال : سبحان الله ، أفلا أيقظتني أول ما رماك ؟ قال الأنصاري : كنت في سورة أقرؤها ، فلم أحب أن أقطعها ، حتى أنفذها ، وأيم الله لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله r بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطع السورة ) ـ سيرة ابن هشام 186 بتصرف .

ـ والصوم يصقل الروح ويقويها من عدة جوانب منها أنه ( قهر لعدو الله عزوجل فإن وسيلة الشيطان هي الشهوات ، ووإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب ، لذلك أخرج الشيخان يرحمهما الله عن صفية رضي الله عنها قالت : قال رسول الله r [ إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم ، فضيقوا مجاريه بالجوع ] ـ السيوطي في الجامع الصغير ـ ويقول الإمام الغزالي يرحمه الله : اعلم أن الصوم ثلاث درجات : صوم العموم وهو كف البطن والفرج ، وصوم الخصوص وهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام ، وصوم خصوص الخصوص وهو صوم القلب عن الأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله عزوجل بالكلية ـ الإحياء 234ـ وفي الصوم تستمر صلة العبد بربه طيلة اليوم ، فكلما أحس بالجوع أو العطش تذكر أنه صام لله عز وجل ، وتنمو الروح بهذه الصلة وتزدهر .

ــ والزكاة لغة مصدر زكا ، أي صلح ، فالزكاة هي البركة والنماء والطهارة والصلاح ( المعجم الوسيط ) وقال ابن تيمية يرحمه الله: ( نفس المتصدق تزكو ، وماله يزكو ، يطهر ويزيد في المعنى ) ـ الفتاوى 25/8 ـ فالنماء والطهارة ليسا مقصورين على المال ، بل يتجاوزانه إلى نفس المزكي كما قال تعالى ] خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها [ ـ التوبة 103 ـ

ــ والحج يقوي الصلة بالله عزوجل لأنه هجر للدنيا ومافيها من مال وبنين وإقبال على الله عزوجل يقول الغزالي يرحمه الله : ( اعلم أنه لا وصول إلى الله سبحانه إلا بالتنزه عن الشهوات والكف عن اللذات والاقتصار على الضروريات منها ، والتجرد لله سبحانه وتعالى في جميع الحركات والسكنات ) ـ الإحياء 1/265ـ ويعيش الحاج أسبوعاً أو أسبوعين أو ثلاثة منقطعاُ عن الدنيا مقبلاً على الله عزوجل ، فتصقل روحه وتنمو نمواً صحيحاً .

ــ وتلاوة القرآن الكريم عبادة تصقل الروح قال تعالى ] فاذكروني أذكركم [ وأفضل الذكر تلاوة القرآن الكريم ، فالقرآن كلام الله تعالى وهو صفة من صفاته قال تعالى : ] لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون [ ـ الحشر 21 ـ وأخرج ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله r [ إن لله أهلين من الناس ، قيل : من هم يارسول الله ؟ قال : أهل القرآن أهل الله وخاصته ]ـ ابن ماجه في المقدمة(215) ـ  وينبغي للمسلم والمسلمة أن يكون له لقاء يومي على الأقل مع القرآن الكريم ـ غير الصلوات الخمس ـ كأن يخصص المسلم وقتاً يومياُ لتلاوة القرآن مع أسرته في بيته ، يلتقي فيه أفراد الأسرة على التلاوة لمدة تتراوح بين ربع ساعة إلى ساعة حسب الوقت المتاح .

ــ والأذكــار تصل العبد بربـه عزوجـــل ، يقول النووي يــــرحمه الله  قال تعالى ] فاذكروني أذكركم [ وقال ايضاً ] وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [ ، فعلم من هذا أن من أفضل حال العبد حال ذكره رب العالمين ، واشتغاله بالأذكار الواردة عن رسول الله r ، وقد جمع النووي يرحمه الله أذكار رسول الله r في عمل اليوم والليلة والدعوات والمناسبات وغيرها ، جمعها من الكتب الخمسة ( البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي يرحمهم الله تعالى  ) وينبغي للمسلم أن يحفظ هذه الأذكار ويتعبد بها أسوة برسول الله r ، كما يحفظها أطفاله وخاصة أذكار الصباح والمساء والنوم والأكل والشرب واللباس والفرح وبعد الصلاة وعند إفطار الصائم ... ويرى بعض العلماء أن القلب الذي لم يعمره الإيمان لايستفيد من القرآن ، فلابد من القلب السليم أولاً ، قال تعالى : ] أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها [ ، محمد 24 ـ وقال تعالى : ] إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد [ ـ ق 37 ـ وقال أيضاً ] يوم لاينفع مال ولابنون ، إلا من أتى الله بقلب سليم [ ـ الشعراء 88 ـ ويرى بعض العلماء أن ملازمة الذكر تصلح القلب ، فقد روى أبو داود يرحمه الله [ من لازم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ، ومن كل ضيق مخرجاً ، ورزقه من حيث لايحتسب ] ـ ذكره النووي في الأذكار ـ وروى مسلم [ إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ] ـ ذكره النووي في الأذكار ـ وهذا مختصر الورد اليومي للمسلم :

1 ـ صلوات الجماعة ، الرواتب ، وأذكارها ، وقيام الليل ، وسنة الضحى .

2 ـ استغفار يومي لايقل عن مائة مرة .

3 ـ لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، مائة مرة يومياً .

4 ـ الصلاة على النبي r مائة مرة يومياً .

5 ـ قراءة قل هو الله أحد ثلاث مرات .

6 ـ تلاوة جزء من القرآن الكريم .

7 ـ أذكار الأوقات والأعمال كأذكار الصباح والمساء والطعام والنوم ... إلخ .

2 ـ ربــط المســلم بالجنة :

ومما ينمي الروح ، ويقويها ويجعلها تستعلي على الأرض ومافيها ربط المسلم بالجنة خاصة وبالآخرة عامة ، فكيف ذلك :

ــ يتحدث الوالدان أمام أطفالهم عن الجنة وما فيها من خيرات كثيرة كأنهار اللبن والعسل والعصير ، كما تكثر الموضوعات في المدرسة التي تتحدث عن الجنة ، ومنها الأناشيد التي تصف الجنة

ــ يتحد ث الوالدان عن النار أمام الأولاد ( بعد السادسة ) ويذكرون بعض أهوالها ، ويركزون على أن الشهيد تغسل ذنوبه كلها ، ويدخل الجنة مباشرة بإذن الله عزوجل .وكذلك تعرض موضوعات في المدرسة عن عذاب جهنم أجارنا الله منها .

3 ـ غرس الإيمان بالقــدر :

يلقن الطفل في البيت والمدرسة أن الأجل مكتوب ، كما هو في الحديث الشريف ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ... ( البخاري 3036 ومسلم 2643) . وعلى المربين في الأمة المسلمة أن يذكروا الناشئة بالجنة والنار ، والقضاء والقدر ، في البيت والمدرسة بالأقصوصة الجميلة والأناشيد العذبة ، ليؤمنوا إيماناً جازماً أن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم وما أخطاهم لم يكن ليصيبهم ، ,انه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، وان الله سبحانه وتعالى هو المحيي والمميت ، بيده مقاليد كل شيء وهو على كل شيء قدير ( عبد الله علوان 1094) . ومن القصص المساعدة في ذلك قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام ، وسيدنا يونس عليه السلام ، ومن المفيد انتقاء حوادث معاصرة وهي كثيرة ([28]).

4 ـ الدورات الروحيــة :

ومن وسائل صقل الروح وتقويتها الدورات الروحية ، التي يكثف من خلالها عدة وسائل تقدم للمسلم كجرعة قوية تقوي روحـه ، ومنها :

ــ إحيـاء ليلة كل شـهر ، وصوم نهارها ، مع تلاوة القرآن الكريم فيها .

ــ صوم التطوع ، كالإثنين والخميس ، والليالي البيض ، وعاشوراء ، وست من شوال ، ويوم عرفة وغير ذلك من صوم التطوع .

ــ الاعتكاف في العشرالأخير من رمضان ، أو غيرها ، والصيام الجماعي للنوافل  ، مع المحافظة على صلاة الجماعة ، مع إحياء الليل ، والمحافظة على الرواتب ، وتلاوة القرآن ، والأذكار اليومية ، والصلاة على النبي r وغير ذلك ، بالإضافة إلى الكف عن مشاغل الدنيا وتعلق القلب بها .

ــ المخيم الإسلامي .

ــ الحج والعمرة .

ــ المرابطـة في الثـغـور ، والمشاركة في قتال الكفار أعداء الله ، كما في أفغانستان ، والبوسنة والهرسك وأمثالها .

5 ـ الأنـاشـــيد :

ومن وسائل صقل الروح وتربيتها سماع الأ ناشيد ، لأنها توافق خطاً فطر عليه الإنسان ( راجع دور البيت في تربية الطفل المسلم للباحث  ) وهي كثيرة في أيامنا ولله الحمد ، ومتوفرة على الأشرطة بأنواعها السمعية والبصرية في المكتبات الصوتية .

التربيـة النفســية

التربية الإسلامية شاملة ، تربي الروح والنفس والجسد ، تربي الفرد وتربي المجتمع ، والإنسان وحدة متكاملة يؤثر عقله في نفسه ، وروحه في جسده ، وقديماً قال الشاعر :

وإذا كانت النفوس كباراً              تعبت في مرادها الأجســام

فالمسلم الذي يعرف من هو ؟ ومادوره ؟ وما رسالته ؟ يصبح لديه استعداد نفسي لتحمل المشاق والمحن ، وعندما تصقل روحه بربطها بالله عزوجل فإنه يستعذب الألم في سبيل الله ؛ لأنه يطمع من ورائه بجنة الخلد التي يهون من أجلها الألم مهما كان في هذه الدنيا .

ربط التربية النفسية بالتربية الروحية :

قال تعالى ] كتب عليكم القتال وهو كره لكم .. [ ـ البقرة 216 ـ فالله عزوجل أعلم بما خلق ، ويعلم أن النفس البشرية تكره القتال ، لأنه سبب من أسباب الموت ، والنفس البشرية ـ بفطرتها ـ مدفوعة إلى الحياة ، والدوافع الفطرية  في الكائنات الحية كلها عناصر في دافع أساسي هو حب البقاء .

لكن !! هل وجد على الأرض أناس يرغبون بالموت ؟ نعم !!

ففي يوم بدر خرج رسول الله r إلى الناس وقال : [ والذي نفس محمد بيده لايقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة ] فقال عمير بن الحمام وفي يده تمرات يأكلها : بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ، ثم قذف التمرات  من يده وأخذ سيفه وقاتل القوم حتى قتل ـ شهداء الإسلام في عهد النبوة للنشار ص13ـ ولم يقتصر ذلك على الصحابة رضوان الله عليهم بل تعداه إلى عصرنا فالمجاهدون الأفغان ، ومن معهم من المسلمين الذين جاءوا متطوعين لمحاربة الكفار الروس ، يتنافسون على تنفيذ المهمات القتالية ، ويحزن أحدهم إذا أعفاه القائد من زجـه في مجموعة الاقتحام ، وجعله في مجموعة الحماية ، والعمليات الاستشهادية في فلسطين وغيرها خير شاهد لما أقول ، إنهم يتسابقون إلى الجنة ، وكأنهم يرون حور العين رأي العين فيها .  فالنفس البشرية تنزع إلى البقاء ، وعندما تفكر ضمن مجال الدنيا والآخرة فإنها ترغب في الشهادة لأنها سبيل الخلد في جنة النعيم ، وهذا غاية النزوع إلى البقاء ، بل هو البقاء الحقيقي . فالإنسان مدفوع إلى البقاء لأنه مفطور عليه ، والمشكلة عندما ينظر الإنسان إلى الدنيا فقط ، فإنه يتعلق بها ، ويريد البقاء فيها ويكره الموت ، وعندما ينظر إلى الدنيا والآخرة معاُ سيعرف الدنيا على حقيقتها ، ويعرف الآخرة على حقيقتها ، وعندئذ سوف يعرف أن الدنيا مزرعة الآخرة ، لأنه يكابد ويبتلى في هذه الدنيا كي ينجو ويفوز بالآخرة ، لذلك عندما يعرض عليه الفوز بالآخرة والنجاة من النار ، بل وزيادة على ذلك القصور ومافيها من حور العين ، وما لاعين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، عندما يعرض عليه ذلك فإنه يتقدم ولا يتأخر بل يسرع كما أسرع الصحابي عندما ألقى التمرات من يده وأسرع إلى الجنة ، نقرأ الآية الآن مرة أخرى ] كتب عليكم القتال وهو كره لكم ، وعسى أن تكرهو ا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ، والله يعلم وأنتم لاتعلمون [ ومن نعم والله ، الجنة والفوز بها ، والنجاة من النار خير لنا . فالتربية الروحية وهي جزء من التربية العسكرية تعالج النفس البشرية وتجعلها تقبل على القتال في سبيل الله عزوجل ، راغبة في جنتـه ورضوانه .

ملاحظة للباحث الدكتور خالد الشنتوت كتاب اسمه المسلمون والتربية العسكرية وقد تجده في  بعض مكتبات المملكة العربية السعودية وخاصة دار المجتمع ...

وهذا عرض لكتاب الباحث ( المسلمون والتربية العسكرية ) :

يقع الكتاب في (328) صفحة من القطع الكبير ، ضمت تقديم الدكتور المستشار علي جريشة يرحمه الله ، وضمت المقدمة ، والباب الأول عرف التربية العسكرية ، وعرض واقع المسلمين المعاصر ، وذكر مكانة الجهاد في الإسلام ، وفي الباب الثاني عرض وسائل التربية العسكرية واولها التربية الروحية ووسائلها وأهمها العبادات ، ثم الإعداد الفكري والنفسي والجسدي والمالي والاجتماعي للجهاد ...ثم عرض الباحث مؤسسات التربية العسكرية واولها البيت المسلم، ثم المسجد والمدرسة ( الابتدائية والمتوسطة والثانوية ، والجامعات ، ووسائل الإعلام ، من اذاعة وصحافة وتلفاز ، وربط الباحث بين الحج والتربية العسكرية ، ثم عرض نماذج من التربية العسكرية عند المسلمين كالحركة السلفية في نجد ودور الملك عبد العزيز رحمه الله في توطيد الأمن في الجزيرة العربية ، وذكر الباحث كيف قامت الحركة السنوسية وربت المسلمين على الجهاد وقاومت المستعمر الايطالي وافرد الباحث بابا عن المجاهد عمر المختار رحمه الله ، ثم بين الباحث دور الإخوان المسلمين في التربية العسكرية ، وبين دورهم في حرب فلسطين ، وذكر نماذج لمعاركهم مع الصهاينة مثل عصلوج ، والتبة 86 ، والمقاومة السرية في قناة السويس ...

وزود الباحث كتابه بملحقين الأول عن مقرر التربية العسكرية في سوريا ( خلال الستينات ) ، والثاني مقرر الدفاع المدني في جامعات العراق خلال الثمانينات من القرن الماضي ...

ومما يأسف له الباحث ان الكتاب كبير ولذلك لم يتمكن من ادخال الكتاب كله في موقع على النت ، حيث للباحث موقعا يشمل جميع كتبه ( حول دور البيت في التربية ) ، وقد أعده ونظمه ولداه مهندسا الكمبيوتر بلال وأحمد جزاهما الله خيرا ...

 



( [1] )انسحبوا يوم 15/2/1989م

[2]) )عن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله r [ يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، قالوا : أو من قلة نحن يومئذ يارسول الله ؟ قال : بل كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم ، وليقذفن في قلوبكم الوهن ، قالوا : وما الوهن يارسول الله ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت .] أخرجه

[3]) ) صحيفة الشرق الأوسط العدد ( 6883) في 28/12/ 1988م . ومع الأسف لم ينفذ شيء من هذا ، بل أنني غامرت وطبعت كتاب المسلمون والتربية العسكرية ، ودفعت قرابة اربعين الف ريال سعودي لطباعته ، وكسد ولم ينفذ ، حتى بيع بثمن الورق بعد ذلك ...وأحجمت المؤسسات الحكومية في العالم العربي شراء بعضا من نسخه ، ولم يؤازرني سوى العميد الفاضل جعفر بالي ( وكان مدير الادارة المعنوية والتوجيه النفسي في الجيش السعودي ) الذي اشترى منه ( حوالي (200) نسخة دفع ثمنها من جيبه الخاص غالباً ...

[4] ) اسحاق الفرحان ، ص 12 ـ 13

[5] ) عبد الغني عبود ص294

[6] ) جودت سعيد   ـ حتى يغيروا ما بأنفسهم ، ص33

[7] ) أخرجه أبو داود (4/484) عن ثوبان رضي الله عنه .

[8] ) سيد قطب ، معالم في الطريق  / 57

[9] ) عبد الرحمن نحلاوي ، التربية الإسلامية والمشكلات المعاصرة  181 .

1 ) اسحاق الفرحان  12 ـ 13

[11] ـ أبو الحسن الندوي 12

[12] ـ علي أحمد باكثير ، المقدمة .

[13] ـ علي أحمد باكثير ، المقدمة

[14] ــ علي أحمد باكثير ، واسلاماه ص 29

[15] ـ ماجد عرسان الكيلاني ، هكذا ظهر جيل صلاح الدين ... ص 70

[16] ـ شوقي أبو خليل ، الزلاقة ، 36

[17] ـ محمد جمال الدين محفوظ ،ص 4

[18] ـ عبد الله عزام ، آيات الرحمن في جهاد الأفغان 18.

[19] ـ الجهاد في الإسلام هو السبب الرئيس للتربية العسكرية ، ولولا أن الجهاد فريضة لما كانت التربية العسكرية .

ـ[20]ـ مسلم كتاب افيمان رقم (135) ، والبخاري (1/77) .

[21] ـ سعيد حوى ، الإسلام / ص 389

[22] ـ سيد قطب ، في ظلال القرآن .

[23] ـ مسلم  ، وأبو داود ( 3/371) وغيرهما

[24] ـ البخاري ، كتاب الجهاد ـ باب الحض على الرمي .

1 ـ سعيد حوى ، الإسلام ، ص 547 .

ـ البخاري في بدء الخلق )3036) ومسلم في أول كتاب القدر (2643) .[26]

[27] ـ أين  معظم جيوش العرب المعاصرة من ذلك ؟؟؟ إن بعضها ينكر الآخرة ، وقد  عقدت ندوة لعدد من الضباط على مستوى اللواء تدور حول ( كيف ندفع الجندي إلى القتال ؟) وتحدث عد من الضباط حول ترفيه الجندي ، واحترامه ليحب وطنه ثم يدافع عنه ، ولما تكلمت   عن  الدار الآخرة وهي ركن من أركان الإيمان ، ومعظم الجنود مسلمون يؤمنون باليوم الآخر والجنة وما أعد الله للشهداء في سبيله ، وبعد أن أتم ذلك الضابط المسلم حديثه ، قال رئيس الندوة ( وهو ضابط أمن اللواء ) قال وهو يضحك : هل تريدنا أن نكذب على الجنود ياملازم خالد ؟؟؟ ونضحك على عقولهم ونقول لهم الجنة وحور العين .. وانفجر معظم الضباط بالضحك . ولاحول ولاقوة إلا بالله .

[28] ـ روى لي من أثق بدينه من قرية حيالين في سوريا وقد عشت فيها سنتين ( 73_1974) أن أحدهم أطلق النار من مسدس على رجل غريم له في رقبته ، وخرجت الطلقات من فمـه ، وأغمي على الرجل المضروب ونقل إلى المستشفى وبإسعافات أولية فقط نجا من الموت ، ليعيش سبع سنوات ، تزوج خلالها الزوجة الرابعة ، وأنجب منا ولدين اعرفهما شخصياً ، وبعد سبع سنوات من ذلك الحادث ، كان ماشياً في الحقل وحده فسقط على الأرض ومات يرحمه الله .

 
RocketTheme Joomla Templates