تصويت

ما تقييمك للموقع ؟
 

المتواجدون الآن

يوجد حاليا 78 زوار 
ياسمين آذار المخضب بالدم

ياسمين آذار المخضب بالدم

(الحلقة الأولى)*

محمد فاروق الإمام

بعد أيام سيطل علينا الثامن من آذار بكل ذكرياته الأليمة السوداوية التي لم تتوقف منذ فجر ذلك اليوم البئيس من عام 1963، الذي أطبق فيه حفنة من ضباط حزب البعث على مبنى الإذاعة والتلفزيون، قادمين على ظهر دبابة أدارت ظهرها للعدو الصهيوني ليعلنوا انقلابهم على الدولة المدنية وحكومتها المنتخبة بأرقى أساليب الديمقراطية الحديثة، وَيُرجعوا عقارب الساعة في سورية المدنية والحضارة إلى عهود الظلام والديكتاتورية والتخلف، تحت شعار (القومية والتقدمية والحرية والاشتراكية والوحدة)، ويدخلوا سورية في دياجير الظلمة والفساد والطائفية والهزائم والانكسارات التي توالت إلى يومنا هذا، حيث يقوم آخر هؤلاء البغاة بقتل الشعب السوري بدم بارد، ويذبحه من الوريد إلى الوريد، ويرتكب من المجازر ما لم يرتكبه غيره عبر التاريخ، ولو قدر لفرعون والنمرود ونيرون وهولاكو وهتلر وستالين أن يقوموا من قبورهم ويروا ما يفعله الباغي بشار بشعبه ووطنه لأخذتهم الشفقة وانتابهم الألم والحزن والخزي والعار!!

بداية نستشهد بما قاله السيد أحمد أبو صالح أحد أهم قيادات حزب البعث ممن تسلموا أرفع المناصب السياسية والحزبية بعد انقلاب الثامن من آذار 1963 (عضو القيادة القومية وعضو القيادة القطرية وعضو المجلس الوطني وحمل عدد من الحقائب الوزارية ورشحه الأسد الأب ليكون رئيساً للجمهورية).

ففي آخر حلقة من برنامج شاهد على العصر الذي يعده ويقدمه الإعلامي البارز أحمد منصور على شاشة قناة الجزيرة الفضائية أجراه مع السيد أحمد أبو صالح وبثت الحلقة الأولى منه يوم: 20/7/2003، وكان آخر سؤال له:

أحمد منصور: تقييمك أيه الآن في نهاية هذه الشهادة ؟

أحمد أبو صالح: يعني أنا في الحقيقة أرجو أن يتاح لي من العمر ما يكفي للتكفير عن الأخطاء التي ارتقت لمستوى خطيئات ارتكبتها بحياتي، لأن أثرها السلبي لم ينعكس علي فقط وإنما انعكس على الشعب المنكوب في سورية الذي أنا، بكل صدق، أطلب منه العفو والغفران على ما بدر مني.

الثامن من آذار 1963

لابد لنا قبل الحديث عن نجاح  البعث بالاستيلاء على السلطة في سورية أن نتعرف على الوضع العسكري الذي يتمتع به هذا الحزب داخل الجيش السوري.

لم يكن لحزب البعث حتى عام 1958م أي جهاز تنظيمي حزبي داخل الجيش. صحيح أن هناك عدد كبير من الضباط البعثيين أو من الضباط المتعاطفين معهم، ينتهجون نهجه ويؤيدونه في نشاطه وتحركاته السياسية على صعيد الحكم والدولة. ولكنهم لا يقومون بذلك من خلال إطار تنظيمي بالمعنى الحقيقي، مرتبط مباشرة بقيادة الحزب. فعلاقة الضباط البعثيين بالحزب بقيت في الغالب علاقة تعاطف شخصي أو عائلي أو إيديولوجي، تتم عن طريق بعض قياديي الحزب، وعلى وجه الخصوص عن طريق أكرم الحوراني بالذات. (كثيرون من البعثيين المثقفين الذين كانوا ينظرون عموماً إلى تحركات العسكريين وتدخلاتهم في الشؤون السياسية بشيء من الاستياء وعدم الارتياح).

وفي هذا السياق لابد أن نذكر حقيقة، وهي أن الضباط البعثيين وحلفاءهم لعبوا دوراً رئيسياً من الجانب السوري في فرض اتفاق الوحدة السورية-المصرية عام 1958م من خلف الدولة والحكومة الشرعية في دمشق، في الشكل الذي تمت فيه.

وبكثير من السذاجة كان هؤلاء يعتقدون بأنهم سيكونون شركاء لعبد الناصر في حكم الجمهورية الوليدة، وسيكون من حصتهم إدارة الإقليم السوري الذي لم يتمكنوا من حكمه من خلال صناديق الاقتراع. ولكن هؤلاء الذين اندفعوا بعواطفهم لم يكونوا ليدركوا آنذاك أن لعبد الناصر مفهومه الخاص للحكم وللدولة.. فهناك حيز كبير بين خطاباته الملتهبة وسياسته الواقعية الحذرة في الميادين المختلفة.. إضافة إلى عدم ثقته بأي حزب سياسي داخل الجمهورية العربية المتحدة، وبين صفوف الجيش على التحديد، حتى ولو كان هذا الحزب يعلن ولاءه وانتسابه إليه وحل نفسه كحزب البعث السوري مثلاً.

بعد قيام الوحدة السورية-المصرية بوقت قليل، أُبعد جميع الضباط المتسيّسين ومن جملتهم البعثيين، عن الجيش السوري مجموعة بعد أخرى. يقول منيف الرزاز في هذا الصدد: (فلئن تحمل الحكم وجود بعض البعثيين في الوزارات أو في أجهزة الحكم، فهو لم يقبل منذ اليوم الأول، وجود البعثيين في الجيش. فتسلّم كبارهم مناصب وزارية، ونقل بعضهم سفراء وموظفين في الخارجية ونقل معظم الباقين إلى مصر بدعوى التدريب والتخصص. فلم يكد يترك أحداً منهم في منصب قيادي مهم في سورية نفسها).

لقد كانت خيبة آمال البعثيين تحمل في طياتها مرارة عميقة، ويتملكهم شعور بالأسى والحزن من عبد الناصر، الذي استخف بهم بل وخانهم (على حد قول بعضهم). فمن القاهرة حيث منفاهم، أخذ الضباط البعثيون يديرون بأنظارهم نحو دمشق. وبالفعل، أنشأوا في القاهرة عام 1959م ما سمي (باللجنة العسكرية). وكانت في البداية تتكون من خمسة ضباط ثلاثة منهم نصيريون – علويون - (محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد) واثنان إسماعيليان (عبد الكريم الجندي وأحمد المير)، ثم وسعت اللجنة وصار عدد أعضائها خمسة عشر عضواً كانوا كالتالي:

(5 نصيريون و2 من الإسماعيلية و2 من الدروز سليم حاطوم وحمد عبيد، وستة من السنة منهم موسى الزعبي، ومصطفى الحاج علي، وأحمد سويداني، وأمين الحافظ، ومحمد رباح الطويل). وأحيط هذا التنظيم بالسرية المطلقة في فترة زمنية طويلة، رافضين ثلاثة أشياء رفضاً قاطعاً أساسها: لا للناصرية كمفهوم سياسي للحكم، لا لصيغة الوحدة السورية-المصرية ومضمونها، وأخيراً لا لقيادة الحزب القومية.

توسعت نواة اللجنة العسكرية بعد الانفصال وثبّتت مواقعها. وبقي التنظيم البعثي الجديد والأول داخل الجيش مستقلاً استقلالاً كلياً بالنسبة إلى التكتلات البعثية المتصارعة. رافضين كل سلطة تمارس عليهم أو أبوة تفرض. ينتابهم شعور بالاعتزاز بأنفسهم. يخامرهم الاعتقاد بأنهم أصبحوا جديرين بأن يقوموا بتحركاتهم السياسية لحسابهم الخاص، وانحصرت نقمتهم داخل الحزب على قادة البعث الثلاث: (ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وأكرم الحوراني)، وألقوا مسؤولية إخفاق الحزب طوال السنوات السابقة عليهم. وجعلوا تنظيمهم العسكري السري الخاص منذ البداية، بعيداً عن التيارات والاتجاهات البعثية من ناحيتي القيادة والهيكلية التنظيمية.

بعد إخفاق اللجنة العسكرية البعثية في الحركة الانقلابية التي شاركوا فيها في آذار 1962م، أبعد معظم الضباط البعثيين عن الجيش أو ألقي القبض على بعضهم. وحسب تأكيدات مصادر مختلفة: لم يبق في الجيش منهم سوى عدد قليل جداً، وفي مقدمتهم: (سليم حاطوم وصلاح جديد وسليمان حداد)، مع عدد من الضباط أقل شأناً ومن صف الضباط.

ومن خارج الجيش، عمل محمد عمران (محرك اللجنة العسكرية) على إعادة تشكيلها وتنظيمها وتوسيع قاعدتها بين الاحتياطيين والضباط المسرحين. وبنى علاقات وطيدة مع التكتلات العسكرية التي كانت تسعى لإسقاط الحكم الانفصالي: (تكتلات المستقلين والناصريين وحتى ضباط 28 أيلول 1961م).

ويذكر سامي الجندي في هذا الموضوع بأن أعضاء اللجنة العسكرية قد اتبعوا (خطة ذكية، فتسربوا إلى كل التنظيمات العسكرية دون استثناء). وهناك (بعض القوائم بأسماء الضباط وتنظيماتهم.. فيها عدد من البعثيين.. قوائم انفصالية فيها أسماء بعثية. كانوا بهذه الطريقة مطلعين على كل شيء يوجهون التنظيمات لمصلحتهم بحذر ودقة).

بالإضافة إلى هذا كله، فهم لم يهملوا أبداً اتجاهات البعث المختلفة، بغض النظر عن أي اعتبار. ومن أجل تحقيق هذا الهدف وزعت الأدوار على الضباط البعثيين كل حسب علاقاته الشخصية أو السياسية. (عبد الكريم الجندي) اتصل بحركة (الوحدويين الاشتراكيين) عن طريق ابن عمه (سامي الجندي)، (أحمد المير ومزهر هنيدي) اتصلا بالقيادة القطرية (لرياض المالكي وبالقطريين).

لقد كان غالبية أعضاء اللجنة العسكرية على اتصال دائم بما يسمى محور حمص، اللاذقية دير الزور.. ويعني هذا بالكتل البعثية لأكرم الحوراني او القطريين عن طريق (عبد البر عيون السود ووهيب الغانم ومصلح سالم) ، و(محمد عمران وسليم حاطوم) بقادة تيار (القيادة القومية)، و(حافظ الأسد) وكذلك (محمد عمران) بالناصريين وبعض المسؤولين في سفارة الجمهورية العربية المتحدة في بيروت.

لم يكشف أعضاء اللجنة العسكرية أبداً عن (أوراقهم)، حتى إلى بعض اتجاهات البعث المقربة إليهم، والتي كانت تجهل تماماً، اسم ووجود هذا التنظيم للضباط البعثيين. لقد كانوا يتحدثون إلى المجموعات والكتل المعادية للحكم الانفصالي، باللغة التي كان كل من هؤلاء يرغب بسماعها. ولكن كل تكتل عسكري من ناحيته كان يفكر بأنه سيستخدم التكتلات الأخرى في الوقت المناسب.

كان الضباط البعثيون يدركون تمام الإدراك بأنهم قليلو العدد، فحاولوا أن يعوضوا عن هذا الضعف بتقوية تلاحمهم التنظيمي وبسريتهم المطلقة وبتحركهم الواسع. وهكذا استطاعوا أن يعطوا انطباعاً عاماً للجميع بأنهم أكثر عدداً وقوة مما هم عليه في الواقع.

بعد إخفاق اللجنة العسكرية البعثية في الحركة الانقلابية التي شاركوا فيها في آذار 1962م، أبعد معظم الضباط البعثيين عن الجيش أو ألقي القبض على بعضهم. وحسب تأكيدات مصادر مختلفة: لم يبق في الجيش منهم سوى عدد قليل جداً، وفي مقدمتهم: (سليم حاطوم وصلاح جديد وسليمان حداد)، مع عدد من الضباط أقل شأناً ومن صف الضباط.

(يتبع)

==========

* اعتمدت في كتابة هذه الحلقات على كتابيَّ: (حزب البعث العربي الاشتراكي – صفحات مجهولة) وكتاب (حقيقة الصراع بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام في سورية).

======

الحلقة الثانية

ياسمين آذار المخضب بالدماء

محمد فاروق الإمام

التنظيمات العسكرية المنافسة لتنظيم حزب البعث داخل الجيش السوري

التنظيمات العسكرية غير البعثية

الضباط الناصريون

يؤلف الناصريون على الصعيد العسكري اتجاهاً عريضاً يضم بين جنباته عدداً كبيراً من الضباط بالنظر إلى التكتلات الأخرى. ولكنه مع ذلك بقي تياراً عاماً، مجزأً، متناقضاً، وله عدة مراكز قوى للتقرير والتوجيه، ولم ينجح بالتالي في تكوين تنظيم موحد ومتماسك ومبني بناء قوياً، ولا في إيجاد خطة عمل تحدد الخطوات العملية وتتلاءم مع ظروف الواقع الجديدة. وكانت التعليمات والتوجيهات تأتيه من القاهرة أو من سفارة الجمهورية العربية المتحدة في بيروت. وكان يضع نصب عينيه هدفاً وحيداً، يتلخص في إزالة حكم الانفصال وإعادة الوحدة الفورية مع مصر.

مجموعات الضباط المستقلين

لقد كانت مجموعات الضباط المستقلين في الواقع، هي الأقوى من الناحية العددية.. ولربما الوحيدة التي يمكنها أن تقوم بعمل فعّال وحاسم ضد نظام الحكم. وإلى جانب الطموحين من كل نوع.. والفئات التي تسير مع التيار العام، فهي تحوي عناصر وحدوية وتقدمية دون أن نعطي إلى كلمة وحدوية وتقدمية معنىً محدداً وواضحاً. وإذا كان الضباط المستقلون وحدويين، ومتعاطفين مع القاهرة غير أنهم لا يفكرون أبداً في أن يتم هذا التعاون والتقارب بنفس طريقة الضباط الناصريين. لذلك فقد كان الاتجاه العام للضباط المستقلين أكثر ميلاً وأقرب للتعاون والتنسيق مع مجموعة الضباط البعثيين.

جماعة المقدم زياد الحريري

في النصف الثاني من عام 1962م، تجمع عدد من الضباط حول المقدم (زياد الحريري) قائد الجبهة السورية-الإسرائيلية، ثم انضم إليه اللواء (عدنان عقيل)، رئيس شعبة المخابرات، واللواء (نامق كمال) رئيس أركان الجيش والقوات المسلحة.

يقول اللواء عبد الكريم زهر الدين في مذكراته: (إن المؤامرة كانت تحاك في وضح النهار وبالعلن، دون أن يكون في استطاعة حكومة خالد العظم العاجزة من أن تضع حداً لتدهور الأوضاع التي ستؤدي حتماً إلى زوالها وزوال عهد الانفصال معها).

في مطلع عام 1962م، اتفقت المجموعات الثلاث داخل الجيش السوري على تنفيذ انقلاب عسكري مشترك، يطيح بالانفصال. ولكن رغم هذا الاتفاق فإن الحذر وسوء النية والشك وعدم الثقة فيما بينها كان طابع العلاقات بين الناصريين والبعثيين.

وقعت في أوائل عام 1963م حادثتان في غاية الأهمية: محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادها (عبد الكريم النحلاوي) في 13 كانون الثاني. واستلام البعث السلطة في العراق في 8 شباط، والذي كان دعماً سياسياً ومعنوياً للضباط البعثيين السوريين.

بعد نجاح حركة البعث العراقي، وجد أعضاء اللجنة العسكرية أنفسهم مرغمين على تحسين صلاتهم بالقيادة القومية، التي من خلالها يحكم البعث في العراق. فقد صرح الحكام الجدد في العراق علناً بانتمائهم إلى اتجاه الأمين العام للحزب (ميشيل عفلق). عند ذلك لعب الضباط البعثيون السوريون بدهاء ورقة المقدم (زياد الحريري) الذي تحدد له بالفعل دور (حصان طروادة) وكان يخضع تحت مراقبة حذرة من قبل ضابطين بعثيين هما: (سليم حاطوم وسليمان حداد) اللذان كانا عضوين في قيادة الجبهة السورية-الإسرائيلية.

الشركاء المتربصون ببعض

وفي منتصف شهر شباط تقريباً، وضع منظمو الحركة الانقلابية لمساتهم الأخيرة على خطتهم الانقلابية: وقبل (48) ساعة من بدء عملية التنفيذ، سمّي (صلاح الدين البيطار) رئيس حكومة (اتحاد وطني)، بغض النظر عن التحفظات التي كان يبديها أعضاء اللجنة العسكرية بالنسبة لشخصه. وقد كانت لهذه التسمية أسبابها الجوهرية، وهي تتلخص في أن البيطار يحوز على ثقة القيادة القومية، ولا يثير كثيراً من مخاوف الناصريين. وقد تحددت ساعة الصفر في (7) آذار لانطلاق التحرك العسكري.

في هذه الأثناء بالذات حصل تعديل في قيادة الأركان العامة للجيش، وعين بعض الضباط الناصريين في مراكز مهمة، خاصة الشخصية القيادية فيهم اللواء (راشد القطيني) الذي سمي رئيساً لشعبة المخابرات، وكذلك اللواء (محمد الصوفي) العائد من الاتحاد السوفييتي، وعين قائداً للواء الخامس في حمص.

هذا التحول الجديد الذي لم يكن يتوقعه الناصريون، دفع القطيني والصوفي، في (6) آذار، إلى تراجعهما وإقناع حلفائهما من البعثيين بالرجوع كذلك عن قرارهم والتخلي عن مشروعهم الانقلابي. وفي حال إصرار البعثيين على تنفيذ خطتهم كما هي موضوعة، فإنهما لن يشتركا معهم في هذا التحرك العسكري. وكانت حجتهما أن الوضع العام في الجيش قد تحسن وأصبح أكثر ملاءمة من السابق للقيام بثورة (بيضاء).

لقد فرض على منظمي الانقلاب بعد تخلي الضباط الناصريين أن يدخلوا بعض التغيير في خطتهم، وأن يؤخروا تنفيذ عمليتهم مدة أخرى، فإن ابتعاد الناصريين وموقفهم السلبي من الحركة، أدى خدمة كبيرة لم يكن يحلم بها أعضاء اللجنة العسكرية، حيث أصبح الطريق ممهداً أمام الضباط البعثيين لكي يلعبوا دورهم كنواة وحيدة ومنظمة تنظيماً دقيقاً، وأن يكونوا محور الحركة الانقلابية، وبالتالي محور النظام الجديد.

لقد كان الضباط الناصريون - كما ذكرنا سابقاً - يشكلون على الصعيد العسكري، اتجاهاً عريضاً يضم عدداً كبيراً بالنظر إلى التكتلات الأخرى، ولكنه اتجاه مجزأ ومفكك وضعيف وغير متجانس ولا متلاحم، جمعتهم العاطفة ونشوة الوحدة، كذلك كان هذا التشكيل مخترق من قبل عناصر مدسوسة دسّتها اللجنة العسكرية البعثية بين أفرادها.. وفوق ذلك لم تكن لهم قيادة موحدة أو مرجعية يلتفون حولها.

أما الضباط المستقلون فقد تبلور موقفهم حول المقدم زياد الحريري، قائد الجبهة السورية مع إسرائيل، وكان معه من الضباط الكبار اللواء عدنان عقيل رئيس شعبة المخابرات، واللواء نامق كمال رئيس الأركان.

في منتصف شهر شباط تقريباً، وضع رجال اللجنة العسكرية لمساتهم الأخيرة على خطتهم الانقلابية. وقبل 48 ساعة من بدء عملية التنفيذ، سمي صلاح الدين البيطار رئيس حكومة (أتحاد وطني) وسبب اختيار اللجنة العسكرية لصلاح الدين البيطار، أنه يحوز على ثقة القيادة القومية، ولا يثير مخاوف الناصريين. وتحددت ساعة الصفر يوم 7 آذار 1963م لانطلاق التحرك العسكري.

أمام تخلي الناصريين عن المشاركة في مشروع الانقلاب، اضطر البعثيون إلى أن يدخلوا بعض التغيير في خطتهم، وأن يؤخروا تنفيذ عمليتهم 24 ساعة. فأصبح التاريخ الجديد لساعة الصفر صباح يوم الثامن من آذار، ومن ناحية أخرى شعر البعثيون بعد ابتعاد الناصريين عنهم وكأنهم أزاحوا كابوساً عن ظهورهم. وهكذا أصبحت الطريق ممهدة للانفراد بالانقلاب.

==========

الحلقة الثالثة

ياسمين آذار المخضب بالدم - (الحلقة الثالثة)

تنفيذ انقلاب 8 آذار 1963م

في ساعات الفجر الأولى من يوم الجمعة 8 آذار 1963م، طوقت الدبابات والسيارات المدرعة الإذاعة ومباني الحكومة، وتركزت في الساحات العامة. وأعلن المقدم سليم حاطوم، الذي احتل مبنى الإذاعة البيان الأول لقيام الانقلاب. وتم القبض عل العديد من السياسيين ورجال الحكومة البارزين، وتمكن رئيس الوزراء خالد العظم من الإفلات واللجوء إلى السفارة التركية بدمشق. وليتسلم حزب البعث السلطة الحقيقية في سورية.

تشكلت حكومة البيطار التي تضم كل القوى التي عارضت حكم الانفصال، واحتل البعثيون نصف حقائبها (منصور الأطرش وجمال الأتاسي وعبد الكريم زهور ووليد طالب وشبلي العيسمي وسامي الدروبي وإبراهيم ماخوس). كما اشترك فيها عن القوميين العرب (هاني الهندي وجهاد ضاحي). وأعضاء من حركة الوحدويين الاشتراكيين (سامي صوفان ثم سامي الجندي). ومن الجبهة العربية (نهاد القاسم وعبد الوهاب حومد).

وتألف المجلس الوطني لقيادة الثورة من عسكريين ومدنيين برئاسة اللواء لؤي الأتاسي، وضم كلاً من: (العسكريون: لؤي الأتاسي وزياد الحريري-غير بعثيين- فهد الشاعر وأمين الحافظ وصلاح جديد ومحمد عمران وأحمد أبو صالح وموسى الزعبي-بعثيون- أما المدنيون وكلهم بعثيون: (ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وشبلي العيسمي ومنصور الأطرش وحمودي الشوفي).

وعلى الصعيد العسكري سمي (لؤي الأتاسي) قائداً أعلى للجيش، واللواء (زياد الحريري) رئيساً للأركان العامة، واللواء (راشد القطيني) نائباً لرئيس الأركان. كما اشترك عسكريان في وزارة البيطار: اللواء أمين الحافظ-بعثي- وزيراً للداخلية، واللواء محمد الصوفي-ناصري- وزيراً للدفاع.

ويلاحظ في هذا المجال، أن أحد مؤسسي هذه اللجنة حافظ الأسد لم يظهر في الواجهة ولم يحتل أي منصب واكتفى بقيادة القوى الجوية ليبقى متابعاً للعبة اللجنة العسكرية من وراء الكواليس، ساعياً لتثبيت أكبر عدد ممكن من الضباط الموالين في صفوف الجيش وخاصة القوى الجوية.

بعد ثلاثة أيام من نجاح البعثيين في انقلابهم، أي بتاريخ 11 آذار تحرك الناصريون داخل الجيش للإطاحة بالبعثيين. ولكن لم يُقدر لمشروعهم النجاح. وأدى إخفاق تحركهم إلى تصفية عدد كبير من ضباطهم، دون إثارة أية ضجة. ولم يصدر النظام البعثي الجديد أي بيان حول هذه الحركة.

قوائم تسريحات الضباط التي أصدرتها

قيادة حركة آذار 1963م

1-بعد وقوع الحركة بخمسة أيام فقط، أي بتاريخ 13 آذار 1963م صدرت نشرة عسكرية أخرجت من الجيش مئة وأربعة ضباط وهم من كبار ضباط الجيش، افتتحت بالفريق عبد الكريم زهر الدين، واختتمت بالمقدم بسام العسلي.

2-وبتاريخ 16 آذار - أي بعد ثمانية أيام من وقوع الحركة - صدرت نشرة أخرى، أخرجت من الجيش 150 ضابطاً، هم الطاقة الفعالة في الجيش (قادة الكتائب ورؤساء عمليات الألوية وقادة سرايا)، وكان المقدم خليل مصطفى - مؤلف كتاب سقوط الجولان - واحداً من الذين شملتهم النشرة.

3-ثم تتابعت النشرات، تسرح، وتحيل على التقاعد، وتنقل إلى الوظائف المدنية، حتى بلغ مجموع الضباط الذين أخرجوا من الجيش حتى أيار 1967م، لا يقل عن ألفي ضابط من خيرة ضباط الجيش المحترفين كفاءة وقدرة وعطاء وحيوية، مع عدد لا يقل عن ضعفه من ضباط الصف القدامى المحترفين للعمل العسكري، والجنود المتطوعين الذين يشكلون الملاك الحقيقي الفعال لمختلف الاختصاصات في الجيش.

4-حتى لا يقال إن قيادة حركة آذار تسرح ضباط الجيش، استبدلت بالذين أخرجوا من الجيش (وخاصة الضباط) أعداداً كبيرة جداً من ضباط الاحتياط (الذين سبق لهم أن أدوا خدمة العلم) وجميعهم تقريباً من البعثيين حتى أصبح معظم ضباط الجيش ممن لا خبرة لهم ولا معرفة ولا لياقة بدنية.

ملاحظة  :

(التحقت بالجيش (خدمة إلزامية) يوم 20 تموز 1963م، وأُخضعت  لدورة عسكرية في مدارس قطنا، وهناك في هذه المدارس لم يكن بين العشرات من الضباط وضباط الصف ما يصل إلى عدد أصابع اليدين من الضباط وضباط الصف العاملين، فقد كان معظم الضباط وضباط الصف ممن التحقوا بخدمة الاحتياط من الضباط وضباط الصف البعثيين، وكانوا في معظمهم من المدرسين سابقاً، المترهلة أجسامهم، وكبيري السن، والذين كانوا لا يعرفون ألف باء العسكرية، وبعد انتهاء الدورة التي دامت لأكثر من أحد عشر شهراً، وتخرجت (ماجور دوره) أي الأول، ورغم ذلك أفرزت للخدمة في الجبهة (الجولان سابقاً) قبل أن يفرّط نظام البعث وجيشه العقائدي به ويسلمه للصهاينة دون دفع أو مدافعة. وفي القطعة التي خدمت بها  - في غير اختصاصي - التقيت أحد الضباط وكان قائداً للنقطة وقد استدعي من وظيفته كمدير مدرسة لقرية الشيخ علي (محافظة طرطوس)، وقد كشف لي سراً - عن غير قصد - أنه عند استدعاء ضباط احتياط للعمل في الجيش، 0نزل من الجبل ألف ضابط، معظمهم انخرطوا في الجيش. في حين صرح لي أحد ضباط الصف، والذي كان - كما قال - يعمل صياداً للسمك في مدينة صيدا اللبنانية، استدعي مع نحو ثلاثة آلاف ضابط صف بعد انقلاب8 آذار 1963م ليلتحقوا بالجيش، وكلهم كما قال لي من الجبل من محافظتي طرطوس واللاذقية).

(وفي هذا السياق تحضرني قصة وقعت لي مع قائد نقطتي الذي كان سابقاً مدير مدرسة في الشيخ بدر وهي نفس بلدته. فقد قام الطيران الإسرائيلي يوم 3/11/1964م بضرب الجبهة لمدة ثلث ساعة متواصلة، وقد ألقى العشرات من قنابل النابالم المحرمة.. وفي بداية قدوم الطائرات الإسرائيلية هرول هذا الضابط مسرعاً وبطريقة ملفتة للنظر نحو (البلوكوس) – الملجأ -  فوقع منه مسدسه فلم يلتقطه، وسارعت أنا بالتقاطه وتقديمه له. وعند اقتراب الطائرات الصهيونية من نقطتنا، طلبت منه إعطائي الأمر بإطلاق النار عليها، وكررت طلبي لمرات عدة.. وكنت أشاهد الطيار الصهيوني الذي كان يقترب بطائرته حتى يكاد يلامس الأشجار الكثيفة التي كانت تغطي نقطتنا.. وكان يؤنبني قائلاً: إياك أن تطلق النار لأنك ستتهم بالخيانة لأنك كشفت النقطة وستعرضنا جميعاً للهلاك. لم أعد احتمل مشاهدتي للطائرة وطيارها.. وبين يدي مجموعة من ثلاثة رشاشات (م/ط 7/12)، فقمت بتوجيه هذه الرشاشات نحو السماء ورشقت أول طائرة اقتربت من النقطة.. وفعلت ذلك ثلاث مرات، وكنت في كل مرة أجبر الطيار على الإقلاع العامودي والفرار من سماء نقطتنا.. وكنت أسمع عويل ذلك الضابط الجبان وصراخه وتفوهه بعبارات الكفر والشتم والتهديد والوعيد، وقد خارت قواه، يهددني ويتوعدني بالويل والثبور.. بعد انتهاء العملية الصهيونية وخروج القائد الهمام من مخبئه، توجه إلي بكلمات نابية قاسية.. أقلها نعتي بالخيانة والعمالة.. في حين انقسم أفراد النقطة بين مؤيد ومندد بما قمت به. وقام القائد برفع تقرير إلى قيادة الجبهة طالباً إيقاع أقصى العقوبة بحقي.. ولكن قائد الجبهة في حينها اللواء فهد الشاعر منحني شهادة تقدير مع إجازة 12 يوماً.. وتبين لي فيما بعد أنه لم تطلق على هذه الطائرات في كل مواقع الجبهة طلقة واحدة إلا ما كنت قد أطلقته أنا).

1-لقد رافق عمليات التسريح حل بعض الوحدات المقاتلة، وتشكيل وحدات غيرها على أسس حزبية بحتة.. وبذلك أصبح الجيش عبئاً ثقيلاً على كاهل الشعب.. بدل أن يكون درعاً يدفع عنه وحصناً يذود عن حياضه.. ويحفظ أمنه وكرامته وحرياته.

2-توجت مرحلة تصفية الجيش بالأحكام الجائرة التي أصدرتها محكمة أمن الدولة التي كان يترأسها المقدم صلاح الضلي.. حيث تم إعدام عدد كبير من الضباط كان في مقدمتهم: (العقيد أركان حرب كمال مقصوصة والعقيد هشام شبيب والنقيب معروف التغلبي والنقيب ممدوح رشيد والملازم نصوح الجابي والمساعد بحري كلش).

3-بالإضافة إلى القتل والإعدام والتسريح غصت السجون بالمئات من الضباط والآلاف من باقي العسكريين.. وكان من أبرز هؤلاء المعتقلين: (اللواء محمد الجراح واللواء راشد قطيني والفريق محمد الصوفي والفريق عبد الكريم زهر الدين واللواء وديع مقعبري والعمداء مصطفى الدواليبي ونزار غزال وأكرم الخطيب وموفق عصاصة ودرويش الزوني وممدوح الحبال والعقداء هيثم المهايني ومحيي الدين حجار وحيدر الكزبري).

القيادة القومية لحزب البعث تجهل تحرك الانقلابيين

حتى ساعة قيام الانقلاب ونجاحه لم تكن القيادة القومية ولا كل الاتجاهات الحزبية الأخرى على علم بتحرك 8 آذار. وهذا ما يؤكده الدكتور منيف الرزاز الأمين العام الثاني للحزب في كتابه (التجربة المرة) حيث يقول: (هذه الحركة محض عسكرية، حضّرت لها ونفذتها مجموعات من الضباط المتحالفين، وعند نجاحها دعي الحزب إلى تبؤ الحكم وتشكيل حكومة برئاسته. ولم يكن لهؤلاء الضباط برنامج محدد المعالم. وإنما وضعوا لهم هدفاً آنياً وحسب، وهو إسقاط النظام الانفصالي في سورية، على ان يبحثوا فيما بعد عن أسس للتفاهم مع الثورتين العراقية والمصرية.

لقد بقيت العلاقات زمناً طويلاً بين حزب البعث والجيش غامضة ومتناقضة إلى أبعد الحدود. يقول الرزاز: (لم يقم حزب البعث هو نفسه بتحقيق الثورة، ولكنه رسمياً هو الذي يحكم سورية).

(يتبع)

======

الحلقة الرابعة

خريف شهر العسل بين البـعث والناصـرية

منذ الساعات الأولى لنجاح حركة البعث في دمشق، أعلنت القاهرة تأييدها لهذه الحركة التي أنهت حكم الانفصال في سورية.. ولكن حكام مصر كان يقلقهم من غير شك أن يروا حزب البعث.. وهو الحزب الذي حاربته القاهرة بجميع الوسائل في السابق.. يمسك بزمام الأمور ويتربع على سدة الحكم في دمشق، بعد شهر فقط من استلامه الحكم في بغداد، وتشكيل جبهة بعثية في كل من سورية والعراق معاً. كذلك فوجئ الضباط الناصريون بنجاح حركة 8 آذار. لأنهم لم يتصوروا أن حلفاء البارحة - بعد نصيحتهم بعدم تنفيذ مخططهم - تجرأوا واستمروا في تحركهم بهذه السرعة، لهذا فإنهم لم يعلنوا تأييدهم للحركة العسكرية إلا بعد مدة من نجاحها.

على أية حال فقد تشكلت حكومة البيطار الأولى في العهد الجديد.. من كل القوى القومية الوحدوية التي قادت المعارضة ضد النظام الانفصالي. فمن البعثيين شارك كل من: (منصور الأطرش وجمال الأتاسي وعبد الكريم زهور ووليد طالب وشبلي العيسمي وسامي دروبي وإبراهيم ماخوس). وعن حركة القوميين العرب: (هاني الهندي وجهاد ضاحي). ومن الوحدويين الاشتراكيين: (سامي صوفان ثم سامي الجندي). ومن الجبهة العربية المتحدة: (نهاد القاسم وعبد الوهاب حومد). وتألف المجلس الوطني لقيادة الثورة من عسكريين ومدنيين برئاسة اللواء لؤي الأتاسي، وضم كل من:

العسكريون: (لؤي الأتاسي وزياد الحريري - غير بعثيين - فهد الشاعر وأمين الحافظ وصلاح جديد ومحمد عمران وأحمد أبو صالح وموسى الزعبي - بعثيون).

المدنيون وكلهم بعثيون: (ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وشبلي العيسمي ومنصور الأطرش وحمودي الشوفي).

وعلى الصعيد العسكري، سمي الأتاسي قائداً أعلى للجيش، واللواء زياد الحريري رئيساً للأركان العامة، واللواء راشد القطيني نائباً لرئيس الأركان. كما اشترك عسكريان في وزارة البيطار هما: اللواء أمين الحافظ - أصبح فيما بعد رئيساً للجنة العسكرية - (بعثي) وزيراً للداخلية واللواء محمد الصوفي (ناصري) وزيراً للدفاع.

يمكننا أن نلاحظ بوضوح، أن المؤسسين والمحركين الأساسيين للجنة العسكرية هم (محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد) لم يحتلوا بادئ الأمر واجهة المسرح السياسي. بل استمروا في متابعة لعبتهم من وراء الكواليس، وسعوا تدريجياً لتثبيت مواقعهم داخل القوة الحقيقية الوحيدة في البلاد (الجيش).

في هذه الظروف الداخلية والعربية.. وجدت حركة البعث نفسها في مواجهة صريحة مع النظام الناصري. ولقد فرض عليها أن تدخل مع الناصرية بمجملها، في معركة مفتوحة كان مسرحها دمشق. فقد كان هدف القاهرة الأساسي.. هو عودة الوحدة السورية-المصرية قبل أي شيء آخر. وعلى هذا الأساس عبأت الجماهير السورية والعربية في سبيل تحقيق هذه الغاية، مع نجاح حركة 8 آذار تشكيل حكومة البيطار.

وهكذا ارتفعت صور الرئيس عبد الناصر ورفرفت أعلام الجمهورية العربية المتحدة في جميع أنحاء البلاد. وعمّت المظاهرات الشعبية والعمالية والطلابية؛ التي كان يقودها القوميون العرب والوحدويون الاشتراكيون العاصمة دمشق وكبرى المدن السورية حلب.. وهي تهتف هتافات واحدة (وحدة، وحدة، عبد الناصر). وبصريح العبارة فقد بات الشارع تسيطر عليه (القوى الناصرية). ومما يزيد (الطين بلة) فإن البعثيين في السلطة لم يكن لهم حتى ذلك الوقت؛ أي تنظيم سياسي أو حزبي يواجهون به الظروف المستجدة ويعدلوا من موازين القوى لصالحهم. لذلك عمدت سلطات البعث منذ الأيام الأولى إلى منع كل تظاهرة مهما كانت طبيعتها أو إلصاق صور أي زعيم عربي كان، وكان يقصد بذلك منع إلصاق صور عبد الناصر.

ومن ناحية أخرى فإن العناصر الناصرية المشاركة في الحكم، والتي تعتمد في قوة وجودها على هذا التيار الشعبي العام، ألحت في طلب الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة، دون قيد أو شرط.

وأخذت الأسئلة تطرح نفسها لمعرفة ما إذا كان النظام الجديد ضد التقارب أو الاتحاد مع الجمهورية العربية المتحدة؟ ألن تطرح حكومة البيطار علناً في بيانها الوزاري الذي نشر بعد ست أيام من نجاح حركة البعث بان مهمتها الأولى هي إقامة (وحدة-اتحادية) بين مصر وسورية والعراق، على أسس ديمقراطية شعبية.. وباعتماد مبدأ القيادة الجماعية، ألم ترسل من أجل ذلك في اليوم نفسه وفداً رسمياً إلى القاهرة لإجراء محادثات من أجل الاشتراك في المحادثات الوحدوية بين مصر وسورية والعراق؟.

في الحقيقة أن الصراع بين البعثيين والناصريين هو صراع على السلطة. يؤكد الدكتور جمال الأتاسي وزير الإعلام في حكومة البيطار الأولى للنظام الجديد: (إن الخلافات لها علاقة بالسيطرة على الحكم وبالنفوذ الذي سيحصل عليه كل طرف في المؤسسات القيادية والرسمية والشعبية لحركة 8 آذار).

وهكذا فإن القوى الناصرية في سورية معتمدة على الحملة الإعلامية التي تبثّها القاهرة، كانت تعمل على عدم ترك أية مهلة للبعثيين وعدم تمكينهم من تثبيت أقدامهم في الحكم وإجبارهم على الدخول في أسرع وقت في المحادثات مع عبد الناصر.. في حين لا يزال فيه البعثيون يعانون من الضعف الشديد من ناحية التأييد الشعبي.

لقد عمل البعثيون دون تطبيل وتزمير منذ الساعات الأولى لتفادي ضعف التأييد الشعبي على تقوية موقعهم وجودهم في الوحدات العسكرية.. وذلك حتى يعوضوا عن ضعفهم العددي.. ويجابهوا الضغوطات الداخلية والخارجية التي يتعرضون لها. فأخذوا بتعاونهم مع الضباط المستقلين.. يبعدون عن الجيش العناصر التي أيدت الانفصال.. وكذلك العناصر الناصرية. وفي نفس الوقت أصدروا قراراً بالعزل المدني.. شمل عدداً كبيراً من السياسيين اليمينيين واليساريين.. بتهمة تأييد النظام الانفصالي وشمل كل من: (ناظم القدسي وخالد العظم ومأمون الكزبري ومعروف الدواليبي وصبري العسلي وسهيل الخوري وأكرم الحوراني وخليل الكلاس وعبد الغني قنوت ومصطفى حمدون وخالد بكداش).

وتسلم الضباط البعثيون بشكل أو بآخر قيادة معظم القطاعات العسكرية.. والتي من خلالها تمت بهم السيطرة الكاملة على الجيش.. الذي بدونه لن يستطيع الناصريون القيام بأية حركة أو انقلاب.

وبالفعل فإننا نجد أن الضباط الناصريين الذين كانوا يحتلون المراكز القيادية في الجيش.. قد سحب البعثيون البساط من تحتهم وتركوهم أشبه ما يكونون بالممثلين.. الذين يقومون بأدوار عسكرية في فلم حربي.. أي كانوا يحملون الرتب الفخرية.

أيضاً يجب أن لا ننسى دعم البعث العراقي للبعث السوري الخارجي.. الذي كانت له أهمية كبرى في مثل الظروف التي مر بها البعث السوري. ففي الأيام الأولى لنجاح حركة آذار.. وصل إلى دمشق وفد عراقي بقيادة علي صالح السعدي.. أمين سر قيادة القطر للحزب.

وعلى أثر المحادثات الرسمية بين البلدين. أعلن البيان المشترك السوري-العراقي في 11 آذار (أن المباحثات بين الطرفين تطرقت إلى الخطوات التي يجب اتباعها للدفاع عن الثورتين السورية والعراقية). وفي مؤتمره الصحفي.. يشير السعدي صراحة بأن القضية ليست قضية إقامة محور بين القاهرة وبغداد ولا بين بغداد ودمشق. ونقول من عندنا ولا محور بين القاهرة ودمشق.

المحــادثات الثلاثيـة

بعد نجاح حركة 8 آذار 1963م بستة أيام.. أي في 14 آذار.. جرت المحادثات في القاهرة بين مصر وسورية.. ثم انضمت العراق إليهما.. من أجل وضع الأسس لوحدة اتحادية. وإذا لم نتتبع هذه المفاوضات بالتفصيل.. أو اقتطاف بعض المقاطع من المناقشات التي تضمنتها.. غير أن هذه المناقشات قد أظهرت بصورة واضحة النوايا الخفية لكل فريق.. وكذلك السرعة الفائقة التي طرحت معها وعولجت بها القضايا الأساسية.

لقد ترأس جلسات المحادثات بين الوفود الثلاثة الرئيس عبد الناصر الذي كان في وضع القوة نسبياً.. وبالتالي نجح ببراعة.. أمام الرأي العام العربي.. في إخفاء ثغرات الضعف في حكمه ونظامه.. ووجد البعثيون أنفسهم في جو مثقل وحالة مشتتة وضع أقرب ما يكون إلى وضع المتهم.

لقد كان كل المشتركين في هذه المناقشات يناورون.. فهم جميعاً يتحدثون عن الوحدة العربية وعن آمال الجماهير العربي.. وفي حقيقة الأمر.. كانوا جميعاً بعيدين كل البعد عن هذه الاهتمامات.. مما جرّهم الحوار إلى ما يشبه (حوار الطرشان).

برز خلال المناقشات موقفان متعارضان: عبد الناصر أبدى عدم استعداده لعقد وحدة مع سورية يحكمها البعث وحده.. حيث ألقى عبد الناصر مسؤولية إخفاق الوحدة السورية-المصرية على البعثيين.. الذين وصل توجيه الاتهام إليهم إلى درجة (الخيانة). ومن الناحية السورية.. فإن البعث السوري.. بعد أن استخلص العبر من أخطائه التي ارتكبها في 1957-1958م عند قيام الجمهورية العربية المتحدة.. كان مصمماً على عدم الخضوع لأي ضغط مهما كانت طبيعته. فهاهو البعث يحكم قبضته على دمشق وبغداد.. بعد عناء كبير تعرض فيها إلى المزيد من العقبات والمحن.. وهو لا يريد أن يترك دمشق وبغداد لعبد الناصر. وإذا كان لابد من وحدة فإنها لن تقوم ضدهم أو بدونهم.

وبالفعل.. فقد رجحت كفة البعثيين في النهاية (ولو كان نظرياً على الأقل).. ففي 17 نيسان وقعت الوفود المصرية والسورية والعراقية ما سمي (ميثاق القاهرة).. والذي أعلن عن قيام دولة اتحادية بقيادة جماعية في مدة لا تزيد عن خمسة أشهر بين مصر وسورية والعراق تحت اسم (الجمهورية العربية المتحدة).. عاصمتها القاهرة. وكل قطر في هذه الدولة الجديدة يبقى محتفظاً بمؤسساته واستقلاله السياسي والداخلي. وتكون السلطة التشريعية والسلطة العليا مناطة بالمجلس القومي في الدولة الاتحادية الجديدة.. وهو مؤلف من مجلسين: مجلس نواب إقليمي منتخب انتخاباً مباشراً عن طريق الاقتراع السري العام.. ويضم في كل قطر عدداً من الممثلين حسب نسبة السكان.. ومجلس اتحادي يضم عدداً متساوياً من الأعضاء في كل إقليم من الأقاليم الثلاثة. والمجلس القومي هو الذي ينتخب رئيس الجمهورية ونوابه الثلاثة. والقوانين والتشريعات لا تصبح سارية المفعول إلا بعد الموافقة والتصديق عليها من قبل المجلس الإقليمي والمجلس الاتحادي. وأخيراً فإن مجلس الوزراء إنما يكون مسؤولاً مسؤولية مباشرة أمام المجلس القومي.

لم يتمالك البعثيون دهشتهم عندما وقع عبد الناصر على (ميثاق 17 نيسان). فهم لم يكونوا ليتصوروا أن رئيس الدولة المصرية سيقبل باتفاق يحد من صلاحياته ويقيم نظاماً اتحادياً مبنياً على أسس من القيادة الجماعية. لذلك فإن مخاوفهم كانت كبيرة لاعتقادهم بأن عبد الناصر عندما وقع هذا الميثاق.. قد أعطى نفسه مهلة خمسة أشهر.. يسعى خلالها لتغيير موازين القوى في دمشق وبغداد لمصلحته.

ومما كان يزيد من هذه المخاوف والشكوك تحركات الناصريين في دمشق ونشاطهم السياسي على الصعيد الداخلي.. المرتبط بتعليمات يتلقوها من القاهرة.. ولم يكن ذلك سراً. فالناصريون منذ الأيام الأولى قد حاولوا أن يثيروا المتاعب والاضطرابات في وجه النظام البعثي.. وطالبوا بإقامة وحدة فورية مع مصر.. ونظموا لهذا الغرض المظاهرات الشعبية في البلاد كلها.. لكي تمارس ضغوطاتها على السلطات الحكومية البعثية.

وفي نفس الوقت فقد كانت التنظيمات الناصرية تطالب بإشراكها في الحكم مناصفة. وهذه المنظمات هي: (حركة القوميين العرب، وحركة الوحدويين الاشتراكيين، والجبهة العربية المتحدة).. وكانت تلح على البعث أن يقبل مبدأ توزيع المناصب في الحكم معه على قدم المساواة. وهذا يعني أن البعث يجب أن يحتل فقط ربع المقاعد في المجلس الوطني لقيادة الثورة.. وأن يحمل ربع الحقائب الوزارية.

وقد صرح بهذا الصدد (نهاد القاسم).. زعيم الجبهة العربية المتحدة قائلاً: (إن القوى الوحدوية لا تضع إلا شرطاً واحداً وهو أن يقبل البعث مبدأ المساواة مع كافة المجموعات الوحدوية التي وقعت ميثاق القاهرة).

ونظراً للأوضاع السياسية والعسكرية التي وصل البعثيون بها إلى الحكم.. فإنهم وجدوا أنفسه معزولين تقريباً.. من ناحية التأييد الشعبي.. وفي كل المناطق السورية سواء في الريف أو المدن.

ورغم التأييد الشعبي الذي كانت تحظى به التنظيمات الناصرية فإنها كانت تدخل في الغالب في معارك جانبية بشكل مبعثر. وفي خضم الصراع الوحدوي الإعلامي الذي وصلت إليه من العنف الهستيري.. فإنها لم تستطع أن توحد صففها وتقيم تنظيماً سياسياً متجانساً أو تحدد برنامجاً موحداً. وهكذا فقد فسحت المجال لخصومها بإزالتها مجموعة بعد أخرى.

في أثناء المحادثات الثلاثية وقبل توقيع (ميثاق 17 نيسان).. وقعت صدامات في سورية بين المتظاهرين الناصريين من جهة وبين رجال الشرطة والجيش من جهة أخرى. وفي أوائل نيسان صدر أمر عسكري بمنع التجول في جميع أنحاء البلاد.. ويمنع التجمعات وحمل السلاح تحت طائلة العقوبات الشديدة.. وقد أحدث منصب جديد وهو نائب الحاكم العرفي.. وعهد به إلى وزير الداخلية (اللواء أمين الحافظ).. يخوله ممارسة كافة السلطات الواردة في نصوص الأحكام حول حالة الطوارئ. وأول عمل قام به هو إغلاق المدارس والجامعات حيث تتمركز التنظيمات الناصرية.

في شهر أيار من نفس السنة.. وصل الجو السياسي إلى درجة عالية من التوتر أصبحت معه القطيعة أمراً لا يمكن تلافيه بين حلفاء الامس: القوى الناصرية والحكم البعثي في سورية.. فقدم الوزراء الناصريون (نهاد القاسم وعبد الوهاب حومد وهاني الهندي وجهاد ضاحي وسامي صوفان وسامي الجندي)(3) استقالاتهم من حكومة البيطار احتجاجاً لرفضها توزيع الحقائب والمناصب في مختلف أجهزة الدولة بالتساوي. وفي نفس الوقت تقدم ثلاثة وزراء بعثيين استقالاتهم وهم (جمال الأتاسي وعبد الكريم زهور وسامي الدروبي).

ولكن في الجيش بلغت التصفية أرقاماً خيالية بحق الضباط الناصريين.. ويأتي في مقدمتهم: (اللواء راشد القطيني نائب رئيس الأركان، واللواء محمد الصوفي وزير الدفاع، والرائد حسين القاضي رئيس الشعبة الثانية، والرائد جميل فياض قائد قوى الأمن الداخلي).

يقول الدكتور سامي الجندي أحد مؤسسي حزب البعث، وكان قد تقلد منصب وزير الإعلام بعد انقلاب آذار: (إنه بعد أن أسندت إليه مسؤولية وزارة الإعلام بثلاثة أيام، زاره (الرفاق) في مكتبه من أبناء طائفته مطالبين بالتخلص من أبناء دمشق وحلب وحماة وتعيين أبناء الطائفة في وظائفهم مكان المسلمين) – يقصد السنة -.

أمام هذه التطورات لم تبق القاهرة مكتوفة الأيدي.. بل شنت حملة إعلامية عنيفة ضد البعث السوري مع تجنب ذكر البعث العراقي. وفي المقابل رد البيطار على تهجمات القاهرة. وتدخل السياسي المغربي (المهدي بن بركة) واتصل بالمسؤولين في سورية والعراق ومصر.. واتفق مع البعثيين السوريين على النقاط الأربعة الأساسية التالية:

1-عودة الضباط الناصريين المسرحين إلى الجيش السوري.

2-تشكيل جبهة قومية موحدة تضم كل القوى الوحدوية.

3-عقد مؤتمر قمة بين مصر وسورية والعراق في 23 تموز.

4-التحضير لاجتماع عام يشترك فيه الاتحاد الوطني للقوى الشعبية في المغرب والاتحاد الاشتراكي العربي في مصر وجبهة التحرير الوطني الجزائرية وحزب البعث العربي الاشتراكي.

ولأجل تحقيق هذا الهدف فقد وصل وفدٌ سوريٌ إلى القاهرة برئاسة اللواء لؤي الأتاسي.. ويضم المقدم محمد عمران والمقدم فهد الشاعر والدكتور سامي الجندي وزير الإعلام. وقد طلب عبد الناصر أثناء محادثاته مع أعضاء الوفد - بالإضافة إلى عودة جميع الضباط الناصريين إلى الجيش - إنشاء حركة سياسية واحدة.. يشترك فيها كل القوى الاشتراكية العربية وتتخلى عن أية تسمية.. سواء كان ذلك اسم الاتحاد الاشتراكي العربي أو البعث أو أي حزب آخر. وبالتالي فإن عبد الناصر طلب بأن تكون هذه الحركة الجديدة تحت قيادته الشخصية.

يتبع

الحلقة الخامسة

المذبحة المبيتة

18 تموز 1963

بينما كانت تجري المحادثات في القاهرة بين عبد الناصر والوفد السوري. كان الناصريون - مدنيون وعسكريون - يعدون العدة للانقضاض على البعثيين مستهدفين حصنهم الحصين.. الجيش.

وكانت سلطات البعث على علم بكل تفاصيل خطط وتحركات الناصريين. (استطاع البعثيون اختراق الناصريين من خلال زرع أحد عناصرهم المقدم محمد نبهان - أحد منظري التحركات الناصرية - ليكون عينهم بين صفوف الناصريين، وكان يقدم المعلومات كاملة وتفصيلية عن خطط وتحركات الناصريين إلى أعضاء اللجنة العسكرية. مما أفشل كل تحركاتهم).

وفي 18 تموز في وضح النهار.. وفي الساعة الحادية عشرة صباحاً.. احتل ما يقرب من ألفين من المسلحين مواقعهم.. في الحدائق العامة المحيطة بمبنى القيادة العامة للأركان.. يقودها من العسكريين كل من: (اللواء راشد القطيني نائب رئيس الأركان السابق، والعقيد جاسم علوان - زعيم الحركة - واللواء محمد الجراح رئيس قوى الأمن الداخلي في عهد الوحدة، والمقدم أدهم مصطفى نائب عبد الحميد السراج رئيس الشعبة الثانية، والعقيد مروان السباعي رئيس الشعبة الثانية بعد السراج، والمقدم رائف المعرّي) ومن المدنيين: (جهاد ضاحي أحد قادة حركة القوميين العرب وزير المواصلات السابق، وعبد الصمد فتيّح أحد مسؤولي الجبهة العربية المتحدة ونائب رئيس المجلس السابق، وعبد الوهاب حومد أحد قادة الجبهة العربية المتحدة ووزير المالية السابق، ويوسف مزاحم أحد الوزراء السابقين في الجمهورية العربية المتحدة). وهاجموا الأركان من جبهتين في نفس الوقت، وكذلك مبنى الإذاعة، وحرس أركان القوات المسلحة. على أن ردّة فعل السلطات البعثية - العالمة مسبقاً بهذا التحرك الناصري - كانت أكثر عنفاً.. وكانت معركة من أكثر المعارك دموية تعرفها دمشق. وكانت نتيجتها مئات من القتلى وإعدام فوري لثمانية عسكريين واثنا عشر مدنياً. واحتل الجيش - الذي بات بعثياً - النقاط الإستراتيجية في العاصمة. وأخذ (الحرس القومي) - ميليشيا حزب البعث - يطارد الناصريين في كل أرجاء البلاد السورية.

فقد توزع هذا الحرس على شكل حواجز ثابتة وطيارة في العاصمة دمشق، وكان في مقدمة المشرفين على هذه الحواجز اللواء أمين الحافظ وزير الداخلية والعديد من القيادات الحزبية المتقدمة، الذين كانوا يستفزون المواطنين ويتعاملون معهم بقسوة وفوقية وينظرون إلى الجميع كأنهم متهمون بالعمالة والخيانة ومتآمرون على الوطن، كما انتشرت فرق من هذا الحرس في كافة المدن السورية لملاحقة الناصريين ومؤيديهم.

وقد يتساءل البعض لماذا لم تقم السلطات البعثية في دمشق بإلقاء القبض على قادة الحركة.. طالما أنها تعرفهم بأسمائهم وتعرف خططهم قبل أن يقدموا على تنفيذ العملية؟ والجواب بسيط: لأن البعث يريد ان يرهب كل معارضيه.. كما كان يريد أن يقضي عسكرياً على تنظيمات الناصريين السرية وعلى عناصرهم الأكثر نشاطاً.. ويزيد بالتالي من شقة الخلاف وقطع الجسور نهائياً ما بين دمشق والقاهرة.

مهما يكن من أمر.. فإن هذه هي المرة الأولى التي تُقمع فيها حركة انقلابية في سورية بكثير من العنف وإسالة الدماء الغزيرة التي لا مبرر لها.. وهي المرة الأولى أيضاً منذ الاستقلال التي يدافع فيها نظام عن بقائه في الحكم بالسلاح وإسالة الدماء. وبذلك يكون البعثيون في سورية أول من استنّوا هذه السنة السيئة.. والتي تشبه إلى حد بعيد السنة التي استنها قابيل عندما قتل أخاه هابيل.

بعد كل هذه الأحداث خرج عبد الناصر عن صمته ليعلن الحرب ضد البعث السوري.. معلناً في نفس الوقت انسحاب القاهرة من (ميثاق 17 نيسان) حول الوحدة الاتحادية الثلاثية بين مصر وسورية والعراق. وأعلن عبد الناصر: (أن السلطات التي تحكم اليوم في سورية لا تمثل الشعب السوري. لهذا فإنني أعلن قطع العلاقات مع الحكومة الفاشية التي تقيم في دمشق).

أما البعث السوري فقد اعتبر أن نقض ميثاق 17 نيسان هو بمثابة جريمة ترتكب ضد الوحدة العربية.. وانعطاف تاريخي خطير لا يختلف في شيء عن 28 أيلول 1961م، عند وقوع الانفصال السوري.. ولكنه بنفس الوقت يعلن (تمسكه) الذي لا يحيد عنه بهذا الاتفاق ويطلب تطبيق بنوده في الوقت المحدد.

لابد أن يتساءل المرء: هل البعثيون جادّون فعلاً ويسعون لعقد وحدة مع مصر؟ ولابد لنا قبل الإجابة أن نذكّر بأن البعثيين لا يؤلفون تكتلاً سياسياً موحداً أو منسجماً. وبالتالي، فليس لديهم برنامج واضح المعالم والخطوات العملية في هذا الميدان. فسياستهم سواء على الصعيد الداخلي أو على الصعيد العربي كانت عبارة عن سلسلة من ردّات الفعل بالنسبة للأحداث التي كانت تجري في سورية منذ 8 آذار. ومن جهة أخرى فإن الحزب كحزب، حتى استلام السلطة في دمشق، لم يكن منظماً بعد، ووجوده هو أقرب إلى الوجود الاسمي منه إلى الوجود الفعلي. أي أنه نوع من (اليافطة السياسية) إذا صحت التسمية أو صح التعبير.

فقيادة الحزب القومية - كما نوهنا سابقاً - لم تكن على علم رسمياً بالتحضير للحركة، ولا باليوم الذي سينفذ فيه الانقلاب. وعلى أية حال، فإن الغالبية العظمى من قادته وعلى رأسهم ميشيل عفلق كانوا في بغداد قبل أسبوعين من وقوع الحركة العسكرية في دمشق في 8 آذار. وكذلك فإن صلاح الدين البيطار لم يكلف بتأليف حكومة (اتحاد وطني) إلا قبل وقت وجيز جداً من بدء عملية التنفيذ.

وبكلمة صريحة ومختصرة.. ليس حزب البعث بقيادته القومية.. ولا قيادتيه القطريتين.. ولا حكومة البيطار.. ولا المجلس الوطني لقياد الثورة.. ولا حتى اللجنة العسكرية من يحكم سورية!! إن الذي يحكم سورية هو الثلاثي (صلاح جديد، ومحمد عمران، وحافظ الاسد). فهم وحدهم هم من يسيطر على الأوضاع السياسية والأمنية والعسكرية بأيد أخطبوطية.. ويمسكون بكل مفاصل الجيش والقوات المسلحة.

المؤتمر القومي السادس لحزب البعث

القيادة القومية

الواقع أن الاتجاه البعثي الذي يوصف بـ(الاتجاه القومي).. أي الاتجاه الذي تقوده القيادة القومية للحزب، كان في حقيقة الأمر يسعى إلى إيجاد جو من التفاهم مع القاهرة.. ويميل أيضاً إلى تحقيق شكل من الوحدة الاتحادية بين مصر وسورية والعراق.. على أن تضمن هذه الوحدة الاستقلال السياسي لكل قطر من الأقطار الثلاثة، وكذلك حرية تشكيل الأحزاب السياسية. وهذا الاتجاه يتمثل عملياً بالأمين العام للحزب ميشيل عفلق وبرئيس الوزراء صلاح الدين البيطار.

بالرغم من اعتدال هذا الاتجاه وصدقه في نواياه الوحدوية.. إلا أن القاهرة كانت تتهم القيادة القومية بالطريقة التي تقدم بها الوزراء البعثيون استقالاتهم من الحكومة سنة 1959م، والتي اعتبرها عبد الناصر من مقدمات الانفصال، بل ذهب إلى أبعد من ذلك باتهامهم بمسؤوليتهم عن حدوث الانفصال. ومن جهة ثانية استياء عبد الناصر من موقف القيادة القومية اللامبالي عند حدوث حركة الانفصال وتوقيع صلاح الدين البيطار على بيان السياسيين السوريين الانفصالي، أضف إلى ذلك الأحداث الأخيرة التي وقعت بين الناصريين والبعثيين، وتصفية البعثيين لكل الناصريين.

هنا وجدت القيادة القومية أنها جرَّت نفسها إلى مواقع الاتهام سواء من الناصريين الذين يتهمونهم بالخيانة، أم من بعض قواعد الحزب والضباط البعثيين الذين يتهمونهم بأنهم باعوا الحزب لعبد الناصر. يقول منيف الرزاز: (إن تهمة الناصرية توجه للبعثيين الوحدويين للتخلص منهم وإبعادهم _ الاتهام كان من قبل القطريين).

ويضيف الرزاز قائلاً: (ويبدو أن خطيئة صلاح الدين البيطار في توقيع وثيقة الانفصال، وفي سعيه حتى يقبل الحزب الاشتراك في وزارة الدكتور بشير العظمة أيام الانفصال، قد جرحته أمام الحزبيين الوحدويين جرحاً لم يسهل عليهم نسيانه، بالرغم من أنه قاد بعد ذلك الحملة الوحدوية في الحزب، وكان له كبير الأثر في الضغط من أجل البدء في مباحثات الوحدة الثلاثية بعد الثورة. ولكن هذه الحملة الوحدوية قد أساءت إليه عند الحزبيين القطريين والعسكريين والحاقدين على عبد الناصر، ففقد بذلك عطف الطرفين معاً).

ويتضح لنا من كل هذا أن علاقة القيادة القومية بحكم البعث السوري، وتحديدا بالعسكريين، بقيت عائمة وغير واضحة. فضعف القيادة القومية وعدم جدارتها منعاها من أن تقيم تنظيماً قوياً وأن تفرض سلطتها على الضباط البعثيين، وبالتالي من أن تمسك بيدها زمام الحكم، كذلك لم تستفد القيادة القومية من الدعم غير المحدود الذي منحتها إياه القيادة البعثية في العراق. مما دفع العديد من كادرات الحزب وأكثرية أعضائه تستنكر أبوتها، وترفض وصايتها.

ويقول منيف الرزاز حول هذا الموضوع: (فقد كان من عادة القيادة القومية أن تترك الأمور تسير، ثم تشكو من أنها سارت في طريق خاطئ. وتحاول أن تبادر إلى الإصلاح حين يكون وقت الإصلاح قد فات، تركت للجنة فرعية منها زمن الانفصال، أن تعيد تنظيم الحزب. ثم شكت من أن اللجنة قد أساءت استعمال صلاحياتها.. أشركت العسكريين في قيادة الحزب دون أن تعطي نفسها حق الإشراف على الحزب في الجيش، ثم شكت من أن العسكريين قد استولوا على الحزب. ولكن أكبر خطيئة ارتكبتها قيادة الحزب في هذه المرحلة، انقطاعها التام عن قواعد الحزب.. فلا اتصال ولا اجتماعات ولا نشرات. حتى جريدة الحزب لم يكتب فيها أحد من قيادة الحزب.. وتركوها جريدة لا تمثل رأي الحزب في شيء).

وفي تقرير حزبي، وصف أمين المكتب التنظيمي العسكري لحزب البعث الحالة التي وصل إليها الحزب فقال: (لقد وصل التنظيم إلى حالة من التشويه، لم يعد من الممكن تحملها من قبل الرفاق، وحل الولاء الشخصي والتكتلي محل الولاء الحزبي).

يتبع

======

 

 
RocketTheme Joomla Templates