تصويت

ما تقييمك للموقع ؟
 

المتواجدون الآن

يوجد حاليا 6 زوار 
فقــه الواقـــع
   

في العمل الإسلامي  ( عرض كتاب من سلسلة كتاب الأمة )

فقه الواقع ..أصول وضوابط

إن الاستطاعة هي مناط التكليف فقد قال تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) البقرة 286. وقال تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) التغابن16.وفي نطاق الاستطاعة التي هي مناط التكليف-كما سلف- نشأ وتولد الفقه الإسلامي،الذي يمكن وصفه بمجموعه بأنه فقه الاستطاعة أو فقه الممكن،فالشريعة الإسلامية في مقاصدها النهائية إنما جاءت لتهذيب الإنسان وليس لتعذيبه، فالضرورات تبيح المحظورات ، و المشقة تجلب التيسير،وما جعل الله علينا في الدين من حرج،قال تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) الحج78.o        والتكليف الشرعي بعمومه ومراحله ومراتبه إنما يقع ضمن الوسع والإمكان البشري،إذ لا يمكن عقلاً ولا واقعاً تكليف الإنسان بما لا يطيق وأن الله الذي خلق الإنسان والظروف والزمان أعلم بقدرات الإنسان وحاجاته الأصلية، وبذلك لا يمكن أن يكلفه فوق طاقته، فالإسلام دين الفطرة: ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) الملك14.

الفصل الأول  : فـقـه الواقـع

مفهومه..عناصره..أهميته

هذا الفصل يتكلم عن فقه الواقع: معناه، و تعريفات بعض المفكرين، وذلك لوضع عناصره الأساسية والتي تتمثل في: إدراك البيئة الطبيعية في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وفي فقه الحركة الاجتماعية، وفي سبر أغوار النفس البشرية، وبعد ذلك يشرح الفصل أهمية فقه الواقع وضرورته ومدى الحاجة إليه، وكيف تتعامل معه التيارات الفكرية في العالم الإسلامي.

·         المبحث الأول :   ما المقصود بفقه الواقع؟

الواقع هو معرفة ماعليه الناس، ومعرفة مشكلاتهم ومعاناتهم واستطاعاتهم وما يعرض لهم، وما هي النصوص التي يقول الأستاذ عمر عبيد حسنة: "فالنزول إلى الميدان وإبصار الواقع الذي تتنزل عليهم في واقعهم في مرحلة معينة، وما يؤجل من التكاليف لتوفير الاستطاعة- إنما هو فقه الواقع، وفهم الواقع إلى جانب فقه النص" ويرى الدكتور القرضاوي أن فقه الواقع "مبني على دراسة الواقع المعيش، دراسة دقيقة مستوعبة لكل جوانب الموضوع معتمدة على أصح المعلومات وأدق البيانات والإحصاءات".إذن فقه الواقع يمكن أن يعرف كالتالي:"هو الفهم العميق لما تدور عليه حياة الناس وما يعترضها وما يواجهها".

·         المبحث الثاني:  العناصر الأساسية لفقه الواقع

يحتوي هذا المبحث على: الشروط والعوامل الفكرية المؤثرة على فقه الواقع وهي:1-إدراك التأثيرات البيئية الطبيعية – باعتبارها- محدداً أساساً وموجهاً رئيساً لحياة الناس.2-فقه الحركة الاجتماعيه ، على اختلاف أنواعها، باعتبارها الروابط التي تربط بين الناس.3-سبر أغوار النفس البشرية باعتبار الإنسان المحور والأساس في هذا الوجود.1-إدراك التأثيرات البيئية الطبيعية:يرى ابن خلدون ومونيسكيو وغيرهما من علماء الاجتماع أن البيئة الطبيعية أو الجغرافية هي التي تكسب الجماعات البشرية خصائصها ومقوماتها الذاتية، إلا ان هناك فريقاً من العلماء يرى أن هذا التقدير مبالغ فيه، غير أن لا أحد من الفريقين ينكر تأثيرات البيئية الطبيعية على الحياة الاجتماعية والاجتماعية والاقتصادية وكذلك السياسية.·         2- فقه الحركة الاجتماعية:أولاً- إن الاجتماع الإنساني إنما جعله الله-سبحانه وتعالى- لعمارة الأرض وعبادته سبحانه: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) .ثانيا-إن فقه الحركة الاجتماعية هو رصد للعلاقات الاجتماعية على مختلف الأصعدة التي تضطلع فيها التنشئة الاجتماعية بدور أساس، وذلك لأن المعايير الاجتماعية تتكون من خلال تفاعل الجماعة حيث يكتسبها الفرد ويتعلمها من خلال التنشئة الاجتماعية وتتحكم في التنشئة الاجتماعية عوامل أربعة: الوراثة، التراث الاجتماعي، الدين، البيئة.·         3- سبر أغوار النفس البشرية:رغم التباين الشديد بين طبيعة النفوس البشرية إلا أن هناك ما هو مشترك بين جميع البشر، وإن اختلفت نسبته من إنسان لآخر، وذلك ما اصطلح على تسميته بـ"طبيعة الإنسان"، وقد حددها الدكتور زويد المطيري في أربع: (أ) الإنسان في أصله مخلوق من طين ونفخ الله فيه من روحه.(ب) إن وجود نزعات الخير والشر في الإنسان، يعني وجود شيء آخر، وهو وجود الإرادة الحرة فيه، والقدرة على اتخاذ القرار.(ج) منح الله الإنسان القدرة على التعلم وطلب المعرفة، حيث ميزه بحواسه لتعينه على تكوين خاصية العقل والتفكير التي تمكنه من العلم وإدراك الحقائق الخارجية.(د) لقد كرم الله الإنسان وفضله على كثير ممن خلق.

·         المبحث الثالث:   لماذا فقه الواقع؟

إن الإنسان إذا غفل عن واقعه وأعمى بصره وبصيرته عنه فإنه لا يعبد الله-عز وجل- حق عبادته كما أمره، ومن لا يتصفح مع نصوص القرآن الكريم وصحيح الحديث حقيقة الواقع المتغير الذي جعل الله تغيره بلاءً-يعجز عن عبادة الله وعن الاجتهاد.إذن يمكن لفقه الواقع أن يدلنا على منهج الاجتهاد ونوعه المطلوب كما يفتح لنا باب التجديد،ويضع معالم التغيير، كل هذا طبعاً تحت ضوء المنهاج الشرعي واستمداداً من أصوله.ولذلك يؤكد الدكتور يوسف القرضاوي أن على المجتهد أن يكون ملماً بثقافة عصره، حتى لا يعيش منعزلاً عن المجتمع الذي يعيش فيه ويجتهد له ويتعامل مع أهله.ولا يرتبط فقه الواقع بالاجتهاد فقط، وإنما يرتبط بالتجديد أيضاً، وفرق بين الاجتهاد والتجديد، لأن الأول يطلق في مجال الأحكام الشرعية وتطبيق النصوص، وأما الثاني فمدلوله أوسع وشامل لكل قضايا الفكر والثقافة والدين والمجتمع.والحركة الإسلامية اليوم مطالبة بالاجتهاد وكذلك التغيير لهذا الواقع وهذا لايمكن بدون فهمه والإحاطة بمكوناته و مؤثراته.ويرى الأستاذ محمد بن جبرة أن مدى نجاح أي حركة تغيير في مقولاتها ومنهجها يرتبط أشد الارتباط بمدى فهم العاملين فيها للواقع المراد تغييره، لأن التغيير يبتدئ بنقد الواقع نقداً يفضي إلى الحكم عليه كلياً أو جزئياً بالبطلان، وينتهي بإلغائه وإحلال صور أخرى محله فهو بهذا المعنى يتنزل منزل السبب بالنسبة للعمل التغييري ، ولابد لفهم المسبب من فهم عميق للسبب.

الفصل الثاني

الدعوة الإسلامية وفقه الواقع..أصول العلاقة

يتحدث هذا الفصل عن علاقة الدعوة بفقه الواقع، وكيف كانت مصادرنا الأساسية تعتبر الواقع، وكيف كانت تقومه وترشده،فيحتوي الفصل على مكانة الواقع في القرآن الكريم ، وفي السنة الشريفة، وفي هدى الصحابة (رضوان الله عليهم).

·         المبحث الأول : مكانة الواقع في القرآن الكريم

إن القرآن الكريم المكي والمدني هما أول ما يسترعي انتباهنا عند قراءة كتاب الله-عز وجل- وكلنا يعرف الفرق بين الوحي الذي كان ينزل بمكة، وبين الذي كان ينزل بالمدينة اختلافاً في الواقع الزماني والمكاني، ومن ذلك ان القتال لم يفرض على المسلمين إلا بعد الهجرة، وعلى الرغم من الحاح المسلمين وطلبهم الإذن بالقتال وهم في مكة فإن القتال كان محظوراً.في القرآن الكريم جزء عظيم للقصص، تتنوع من قصص الأنبياء، وقصص الأمم السالفة، وحوادث مواكبة للدعوة الإسلامية ولم يقصها علينا القرآن من أجل التسلي ولكن من أجل التفكر وأخذ العبر {فاقصص القصص لعلهم يتفكرون}(الأعراف:176).وللقصص أثر بالغ في النفوس ، تعوض عن الكثير من الكلام، إذ هي واقع حي مماثل يستعرضه علينا القرآن وكأننا نشاهده،ثم إن أحكام القرآن نزلت بأسبابها ولم تنزل ابتداءً، إلا القليل جداً، وفي هذا دليل على أن القرآن الكريم كان ينزل بحسب حاجات الناس ومتطلباتهم، أي بحسب واقعهم ، لذا تجد كثيرا من الآيات تبدأ بعبارات مثل{يسألونك} أو {ويستفتونك}… وهي إجابات عن أسئلة كان يطرحها الناس ، وكانت تشغلهم، فينزل القرآن مجيباً ومقوماً ومصلحاً وموجهاً، ومن ذلك قوله-عز وجل-:{يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما}(البقرة219). وسبب نزول هذه الآية أن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفراً من الأنصار أتوا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر ، فإنهما مذهبة للعقل ، ومسلبة للمال، فأنزل الله-عز وجل- هذه الآية.والقرآن عندما يعطينا حكماً ما فإنه مجالاً للحالات الإستثنائية التي تعرض للإنسان .. فالإنسان في حالة الاضطرار يباح له أكل الميتة وتناول المحرم، يقول تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون. إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم}(البقرة172-173).ويتجلى فقه الواقع في (ضرب الأمثال) ، وضرب الأمثال في القرآن غرضه تقريب السامع من الحقيقة وإيقاظ ضميره، وتصوير المراد بصورة محسوسة فتتقبلها الأذهان دون عناء، ومن ذلك قوله-عز وجل-:{مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم}(البقرة 261).والأمثال دائما تكون نابعة من واقع الإنسان حتى يستطيع استيعابها واستيعاب العبر التي تحملها، لأنه قد يصعب على الإنسان أن يدرك المغزى والمقصد من حكم ما أو توجيه ما أو غير ذلك، لذا فالقرآن الكريم يقربها إلى الأذهان والمدارك بتصوير واقعي عبر الأمثال.

·         المبحث الثاني : مكانة الواقع في المنهاج النبوي

وسيرة النبي(صلى الله عليه وسلم) خصبة بمظاهر التعامل مع الواقع واعتباره، ذلك أنها التطبيق الفعلي للقرآن الكريم، ويبين الفصل وجهين لمظاهر الواقع : يتمثل الأول في الإجابات المختلفة عن السؤال الواحد الذي كان يوجه للنبي(صلى الله عليه وسلم) من سائلين مختلفين، ويتمثل الوجه الثاني في صور التعامل مع الواقع في السيرة النبوية الشريفة.1-أجوبة متعددة وسؤال واحد:إن المتتبع لكلام النبي (صلى الله عليه وسلم) يجد أجوبة متعددة للسؤال الواحد، نظراً لتعدد السائلين واختلاف أحوالهم ، فقد كان الرسول(صلى الله عليه وسلم) أفقه الدعاة بواقع الناس وأحوالهم.ومن أمثلة ذلك:سئل النبي (صلى الله عليه وسلم) مرات عن أي المسلمين خير؟ وأي المؤمنين أفضل فاختلفت الأجوبة باختلاف السائلين فنجده مرة يقول: "خير المسلمين من سلم المسلمون من لسانه ويده" ومرة أخرى يقول: "رجل يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه…".2-صور من تقدير الواقع في الهدى النبوي:ومن هذه الصور:(أ) مخاطبة الناس حسب الأفهام ودرجات الوعي:فقد كان (صلى الله عيه وسلم) يقول: "حدثوا الناس بما يفهمون ، أتريدون أن يكذب الله ورسوله".(ب) مخاطبة الناس حسب قدراتهم:عن أم هانئ (رضي الله عنها) قالت: أتيت رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فقلت : يا رسول الله دلني على عمل فإني كبرت وضعفت: فقال: " كبري الله مائة مرة، واحمدي الله مائة مرة، وسبحي الله مائة مرة، خير من مائة فرس ملجم مسرج في سبيل الله ، وخير من مائة بدنة ، وخير من مائة رقبة".ولعل هذا الحديث غنى عن كل التعليق ، امرأة كبيرة وضعيفة لم تعد تقوى على أعمال البر والرسول (صلى الله عليه وسلم ) يصف لها ما يناسب كبرها وضعفها .(ج) مراعاة أحوال الناس في المنشط والمكره:ومن ذلك أنه احتلم على عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) رجل فأمر بالاغتسال فاغتسل وكان مصاباً بجرح، فمات، وبلغ ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) فقال: "قتلوه قتلهم الله، ألم يكن شفاء العي السؤال!".(د) اعتبار حاجات الناس والرأفة بهم:فقد قال (صلى الله عليه وسلم) : "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما يشاء".(هـ) التيسير ورفع الحرج:عن أبي هريرة(رضي الله عنه) أن أعرابياً بال في المسجد فثار إليه الناس ليقعوا به ، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :"دعوه وأهريقوا على بوله ذنوباً من ماء أو سجلاً من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".

·         المبحث الثالث : مكانة الواقع في سنن الراشدين

فهذا معاذ بن جبل (رضي الله عنه) أخذ الثياب اليمنية بدل العين من زكاة الحبوب والثمار ، وقال:"ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة". فيبدو مدى اعتبار الواقع وظروف الناس ، فالثياب أهون على أهل اليمن، لأنهم بها اشتهروا ، وهي خير للمهاجرين بالمدينة لأنهم في حاجة إليها.خرج عمر (رضي الله عنه) من الليل فسمع امرأة تقول:تطاول هذا الليل واسود جانبه          فأرقني ألا خليل ألاعبهفوالله لولا الله أني أراقبه                لحرك من هذا السرير جوانبهفسأل عمر ابنته حفصة: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت:ستة أشهر أو أربع أشهر، فقال: لا أحبس أحدا في الجيش أكثر من ذلك.

الفصل الثالث

·         الدعوة الإسلامية وفقه الواقع..ضوابط العلاقة

رأينا فيما سبق كيف اهتم القرآن الكريم والسنة النبوية بالواقع، فكانت التوجيهات متناسقة ومنسجمة معه، وكذلك كانت اجتهادات الصحابة (رضي الله عنهم) ولكن ذلك لم يكن اعتباطاً، وإنما خاضعاً لقواعد وأصول ، تكون منها فيما بعد القدر المهم من مصادر التشريع الإسلامي هذه المصادر-القياس، الاستصلاح، الاستحسان، العرف، الاستصحاب- على اختلاف العلماء في اعتبارها والأخذ بها، يرتبط بها الواقع ارتباطاً وثيقاُ وتمثل الباب الواسع لاجتهاد معاصر ودعوة راشدة تناسب الزمان والمكان وبها تنضبط العلاقة بين الدعوة الإسلامية وفقه الواقع.وبمقدار فقه الواقع وبحجم استيعابه ينجح الفقيه والداعية في تحقيق أغراض الدين ومقاصده ، فالدين ليس كما يتوهم بعضهم قيداً يمنع الناس من حرياتهم ، ولكنه إخراج لهم من الظلمات إلى النور ، وأي تعامل مع الواقع ، ينبغي أن يؤطر بمقصد من هذه المقاصد، وهذا ما يوضحه هذا الفصل:

·         المبحث الأول :  ضابط المقصد

ومن تعريفات المقصد:"المقصد العام من التشريع حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو الإنسان"، فيمكن القول بشكل عام : " إن مقاصد الشريعة هي الغايات التي وضعت الشريعة من لأجل تحقيقها لمصلحة العباد". وقسم العلماء المقاصد إلى مراتب: ضرورية، وحاجية، وتحسينية.فالمقاصد الضرورية لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، وهذه الضروريات خمس: الدين والنفس والنسل والعقل والمال، وهي الأصول المحققة للاستخلاف ، وأما المقاصد الحاجية: فهي ما يحتاج إليه الناس من أجل التوسعة ورفع الحرج، وسير الأمور على أحسن وجه" فإذا لم تراع دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة".ولهذا شرعت الرخص، حيث أبيح الفطر للمسافر، والتيمم عند عدم وجود الماء، ويمثل هذا قوله عز وجل:{ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج}(المائدة 6). أما المقاصد التحسينية فمعناها: الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات.إن ترتيب هذه المقاصد يعني أولوية إحداها على الأخرى، ومن ذلك كان الضروري مقدماً على الحاجي، والحاجي مقدماً على التحسيني وبفهم الواقع تتبين لنا هذه المقاصد عند كل قضية، ومن ثم تقديمها على الأخرى، وكيفية العمل عند التعارض.

·         المبحث الثاني:  ضوابط من مصادر التشريع

1-  ضابط القياس  :القياس: هو إلحاق صورة مجهولة الحكم بصورة معلومة الحكم لأجل أمر جامع بينهما يقتضي ذلك الحكم، والأمر الجامع بينهما هو العلة، والمثال على ذلك:قال تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون}(المائدة92).فالصورة المعلومة هي شرب الخمر، وحكمها التحريم والعلة : الإسكار ، وإذا أردنا أن نعرف حكم شرب النبيذ نبحث عن العلة هل هي أمر جامع بين الصورتين علماً بأن الصورة المجهولة الحكم هي شرب النبيذ، فالعلة هي الإسكار، ويكون الحكم التحريم قياساً على شرب الخمر.2-ضابط الاستصلاح:هو استنباط الحكم في واقعه لا نص فيها ولا إجماع، بناءً على مصلحة دليل من الشارع على اعتبارها ولا على إلغائها ، وتسمى: مصلحة مرسلة.وضرورة الأخذ بالاستصلاح والعمل به تتضح أكثر عندما نرى الدواعي التي تدعو إلى هذا سلوك هذا الطريق وهي:-جلب المصالح ودرء المفاسد.   -تغيير الزمان.   -   سد الذرائع.3- ضابط الاستحسان:وهو إيثار ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخيص لمعارضة ما يعارض به في بعض مقتضياته .. وهذا الترك يكون إما للعرف، أو للمصلحة ، أو لدفع الحرج.4-ضابط العرف:هو ما يتعارفه الناس ويسيرون عليه غالباً من قول أو فعل يقول الأستاذ علال الفاسي(رحمه الله) :"ويطلق العرف في العصر الحديث على مجموعة القواعد التي تنشأ من مضى الناس عليها، يتوارثونها خلفاً عن سلف، بشرط أن يكون لها جزاء قانوني كالتشريع سواء بسواء".5-ضابط الاستصحاب:هو الحكم على الشيء بالحالة التي كان عليها من قبل حتى يقوم دليل على تغير تلك الحال، أو هو جعل الحكم الذي كان ثابتاً في الماضي باقياً في الحال حتى يقوم دليل على تغييره.وفي هذا المعنى يقول الدكتور يوسف القرضاوي:"لا ينبغي أن نجعل أكبر همنا مقاومة كل شيء جديد وإن كان نافعاً، ولا مطاردة كل غريب وإن كان صالحاً ، وإنما يجب أن نفرق بين ما يحسن اقتباسه وما لا يحسن، وما يجب مقاومته وما لا يجب، وأن نميز بين ما يلزم فيه الثبات والتشدد، وما تقبل فيه المرونة والتطور".

·         المبحث الثالث:   مهمـة الترجيح

سبق للأئمة أن ذكروا شروط الاجتهاد حتى يحق للمجتهد أن يقول في كذا بكذا، وتلك الشروط-جلها متعلق بالعلم-ضرورية، ولكنها غير كافية، فأيضاً العدالة والتقوى من شروط قبول اجتهاد المجتهد وفتواه عند المسلمين، ولا يقبل الاجتهاد من عاص، بل كيف يكون الاجتهاد من عاص والاجتهاد نور ، ونور الله لا يهدى لعاصي؟.وبما أننا نتكلم عن الاجتهاد وفقه الواقع، فإنه لا مناص من اجتهاد جماعي شوري، يجمع إلى المجتهدين الفقهاء جماعة من العدول أولى علم بشؤون الدنيا في مجالاتها المختلفة ، اجتماعية، اقتصادية…وهذا مطابق لما قاله رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فيما أخرجه الطبراني في الأوسط عن علي (رضي الله عنه) قال: قلت: يا رسول الله إن عرض لي أمر لم ينزل فيه قضاء في أمر ولا سنة كيف تأمرني؟ قال:" تجعلونه شورى بين أهل الفقه والعابدين من المؤمنين، ولا تقضي فيه برأيك خاصة،". هذا وسلطة تنفيذ الشكاوى والأحكام في الأمور العامة للمسلمين إنما يمتلكها الحاكم أو الوالي أو من ينوب عنهما. والحمد لله رب العالمين .
 
 
RocketTheme Joomla Templates