تصويت

ما تقييمك للموقع ؟
 

المتواجدون الآن

يوجد حاليا 28 زوار 
رواية دماء على القناة

دمــاء على القنـــاة

د. خالد أحمد الشنتوت

ـــ  1 ــــ

لبست ( سوسن ) جلبابها وخرجت من بيتها إلى كلية الطب في جامعة الأزهر، وتذكرت عندما رأت الحارس على الباب يمنع السافرات من دخول الحرم الجامعي، تذكرت كيف كانت تجبر على السفور في سنوات الكلية الأولى، قبل أن يموت عبد الناصر، حيث يشهد التاريخ أنه عندما مات عبد الناصرلم يترك طالبة محجبة في جامعات مصر كلها، وترك الفكر والثقافة الماركسيين قويين في البلد، ومن ثقافتهم نبذ الحجاب ومعاداته حتى أن عبد الناصر يهرج في أحد خطاباته ويقول : ( أجيب عشــرة مليون طرحة منين ؟ ) وكان سكان مصر يومها عشرين مليوناً   ...

وتسلم ( السادات ) الحكم، بعد أن ترك عبد الناصر الشيوعيين أقوياء، ولما رأوا السادات يميل إلى الغرب، ليكون أقل استبداداً من الماركسيين ومن عبد الناصر؛ أرادوا أن ينقلبوا عليه، وفي ( مايو 1971م) قام عليهم السادات بما سـمي ثـورة التصحيح، فاعتقل الشــيوعيـين،وقال جملته المشـهـورة : ( اللي يعتدي على الثورة ح أفرمـه )، وهداه الله ، أو نصح ؛ أن يطلق سراح ( الإخوان المسلمين ) من السجون والمعتقلات، وكانوا بالآلاف، كي يكنـسوا آثارالفكر والثقافة الشيوعيين التي ملأت الجامعات ومؤسسات الصحافة والثقافة ، وقل ملأت البلد كله .

وفتحت المعتقلات ليخرج منها الآلاف من الإخوان الذين ظن أهلهم أنهم ماتوا، ومنهم الشيخ محمد قطب،  بعد أن تناقل الأخوة خبراً يفيد بوفاته، لانقطاع أخباره في غياهب السجون، لأن المعتقل في البلدان العربية الثورية يغيب عن العالم ، فلا أحد يعرف مكانه ولا أحواله ، مع العلم أن الشيخ محمد قطب لا صلة تنظيمية له بالإخوان المسلمين، وكل ذنبـه أنه شـقيق للكاتب الإسلامي الكبير سيد قطب يرحمه الله، الذي اتخذ عبد الناصر قرار إعدامه وهو في موســكو. وقد اعتقل عبد الناصر أقارب الأخ المسلم أو من يتهم بأنه من الإخوان المسلمين، أقاربه من الدرجة الأولى، وأودعهم في السجون والمعتقلات، وكل أصحابهم، وربما زملائهم في العمل، وسرح من الجيش أقارب الإخوان من الدرجة الثانية ... وشهادة للتاريخ فتح عبد الناصر الباب أمام غيره من الحكام العرب وعلمهم كيف يكون الحكم بوليسياً، يستند إلى المخابرات العسكرية التي تنشغل بالشعب من أجل الحفاظ على كرسي الحاكم، بدلاً من مهمتها الأصلية وهي مكافحة التجسس من قبل العدو، وأسس أقساماً في المخابرات العسكرية متخصصة في محاربة الحركة الإسلامية، و ملاحقة الإسلاميين وذوي الاتجاهات الدينية، تطورت هذه الأقسام وعممت في العالم فيما بعد وعرفت بقسم مكافحة الإرهاب .

وخرج الإخوان من الزجاجة التي ضغطهم فيها عبد الناصر، فانتشروا بفكرهم وثقافتهم في مصر كلها، بسهولة وسرعة عجيبين، مما يدلل على أنهم من رحم المجتمع المصري، وأنهم مقبولون في الشارع من جميع المواطنين ؛ حتى بعض الأقباط، وهكذا سيكون مصير الحركة الإسلامية عندما تعطى هامش الحرية، ولو كان هامشاً محدوداً .  وكتبت الصحافة عن شهر عسل بين الإخوان المسلمين والسادات، وقرأت هذه الجملة على غلاف مجلة المجلة وكنت في الجزائر يومذاك . والمهم بعد أن استفاد الإخوان من المحنة، وتعلموا الأهم من المهم، وتأكد لهم أن الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة هي الطريق الصحيح، وأن التربية والإعلام والعمل السياسي  هي الأساليب الثلاثة السليمة للدعوة في زماننا، ونضجت الدعوة في مصر، وسلكت طريقها الصحيح، وهو طريقهم المعتمد من الإمام المؤسس يرحمه الله،الذي ما سلكوا غيره في يوم من الأيام ، رغم دعاوى أعداء الحركة الإسلامية .

لذلك انتشر فكر الإخوان المسلمين في الشارع المصري، وانتشرالحجاب في مصر، وخاصة في الجامعات، وفي كليات الطب والصيدلة والهندسة، الكليات التي يدخلها الطلبة المتفوقون، الذين يعرفون الحقيقة قبل غيرهم، وكثرت الإعلانات في الشوارع عن محلات الخياطة التي تبيع الحجاب الإسلامي بألوانه المتعددة بأسعار زهيدة  ... وازدانت شوارع مصر بالمحجبات ، يملأن الشوارع بألوان هادئة غير زاهية ، ويكثر فيها اللون الرصاصي الفاتح والبني الفاتح ، وتنافست تلميذات المدارس بالحجاب الإسلامي الذي صار حديث كل بيت وشارع ومؤسسة ...

*     *    *

ـــ  2 ـــ

في طريقها إلى الجامعة كانت سوسن تتأمل الإعلانات التي ملأت الشوارع عن الزي الإسلامي، بأسعار زهيدة جداً، وأشكال محببة للطالبات، بألوان فاتحـة، وغير زاهية، ولم يقف الحجاب عند اللون الأسود فقط، فصارت منه ألـوان متعددة، كلها تلتقي حول الغاية من الحجاب وهي ستر جسد المرأة، مع غطاء الرأس الذي يترك الوجـه سافراً، ثم اجتهدت بعض الطـالبــات والـداعيــات في تغطية الوجـه، فظهر(النقاب) وانتشر بين المسلمات .

كانت سوسن في السنة الخامسة من كلية الطب، وبقيت لها سنة واحدة فقط، وأكثر أوقاتها تتدرب في مستشفى القوات المسلحة في العجوزة، حيث يكثر فيه المرضى من العسكريين، وفيه رأت ( المقدم حسين عبد التواب ) الذي أحضر إلى المستشفى بعد إصابـة خـلال التدريـب، فهو ضـابـط في وحــدات المظليين ذات المهمات الصعبة ...

كان مستلقياً على سريره، يتذكر كيف رتب عناصر وحدته حسب أوزانهم، الخفيف أولاً لأنه يأخذ وقتاً أطول للوصول إلى الأرض، أما الأثقل فيأتي دوره في القفز آخر الوحدة لأنه يصل الأرض بسرعة، وقد قفز من الطائرة بدوره، وفتحت المظلة في اللحظة التي أرادها، ومشت الأمور على ما يرام، وهو معلق بمظلته بين السماء والأرض، حتى هبت عاصفة مفاجئة، جعلت المظلة تضطرب، وسببت له هبوطاً غير صحيح، مما سبب له كسراً في ذراعه اليمنى، وكدمات أخرى في جسمه ...

وكان يحمد الله على هذا المصاب، ويدعو الله أن يجعله في صحائف أعماله يوم القيامة، وقد زاره أمس ( إمام مسجد الكتيبة )، ودعا له بالشفاء العاجل، وقال له :

- إن المسلم يؤجر بالشوكة إذا وخزته في سبيل الله، وأنت تتدرب وتستعد لملاقاة الصهاينة أعداء الله، وهذا المصاب لك فيه أجر عظيم في الآخرة إن شاء الله ..

- وفي الدنيا أيضاً يا سيدي الشيخ !!! قالها المقدم حسين .

- إن شاء الله، يرزقك الأجر في الدنيا والآخرة ....

*     *    *

ــ 3 ـــ

- منذ أن تسلم السادات الحكم قرر أن يوظف في كل كتيبة ( إماماً للصلاة )، وهذا يعني تأسيس مصلى في الكتيبة، وألحق ذلك بإدارة التوجيه المعنوي في القوات المسلحة، وكلف ضابط كبير على مستوى الجيش بقيادة هذا السلاح الهام الذي زهـد فيه بعض العرب، واعتبروه من أساطير الأولين ... بل حاربوه بقصد وعمد وإصرار.

وقدم هؤلاء الأئمة دروساً وخطب جمعة تدور حول الشهادة في سبيل الله عزوجل، ومكانة الشهيد عند ربــه، وما أعـد له من النعيم في الجنة ... وقد استفاد الجيش المصري من هذه الخصلة الموروثة لدى الشعب المصري المسلم، فالجهاد في سبيل الله، والدفاع عن الأرض والعرض والأمة شـرف عظيم يناله المسلم في الدنيا والآخرة ... وهذا من بدهيات التوجيه المعنوي والحرب النفسية وهي أن تزرع عند العسكري الدافعية نحو قتال العدو والاستبسال في المعركة، وتستفيد من كل ما يوجد لدى المقاتلين من ثقافة وقيم تستثمرها في المعركة من أجل النصر، في الوقت الذي كانت الثقافة الماركسية أيام عبد الناصر، والثقافة العلمانية لدى غيره من الدول العربية تهزأ بهذه القيم الموروثة من دين الأمـة([1])، وترسخ الفجور والخمر بين الضباط والجنود ...  وكان لهذا القرار الذي اتخذه السادات ومعاونوه  دور إيجابي في معركة العبور في اكتوبر (1973م) .

وأكثر من استفاد من هذا القرار ( المقدم حسين عبد التواب ) الذي ورث من أسرته تديناً فطرياً سليماً، خالياً من البدع والتشنج، فكان يحافظ على صلاته بشكل سري زمن عبد الناصر، وجهري في زمن السادات، وكان له دور كبير في التزام الجنود وضباط الصف بدينهم، وتمسكهم بآداء الصلاة والصوم، والبعد عن المحرمات، بعد أن رأوا قائدهم الشجاع، الذي حصل على عدة أوسـمة من قيادة الجيش لشجاعته، وبسالته، في القفز المظلي، يواظب على مسجد الكتيبة، ولا يفارقه إلا إذا خرج للتدريب أو مهمات عمله الأخرى ....

كان المقدم حسين عبد التواب نعم الداعية إلى الله بعمله وسلوكه وأخلاقه الحسنة مع العسكريين وزملائه الضباط ..

كان يختلف عن غيره من الضباط، فيخالط الجنود وضباط الصف، في حين يرسخون في الجيوش العربية أن الضابط لا يجوز أن يخالط ضباط الصف والجنود، ويربون الضباط على طبقية عسكرية مقيتـة([2]) ... تخلص المقدم حسين من هذه الطبقية بسبب تدينـه وميلـه إلى دعـوة الآخرين، وإنقاذهم من جحيم الدنيا والآخرة ...لذلك كان يجلس مع الجنود ويسمر معهم، سمراً نظيفاً، يختلف عن سمر الضباط الماجنين ...

*    *    *

ــ 4 ـــ

مرت الدكتورة الصغيرة ( ســوســـن ) على المرضى في قسم الضباط بمستشفى العجوزة، وفي تلك الغرفة حيث المقدم ( حسين عبد التواب ) تناولت الملف المرفق بالسرير وقرأت فيه :

اسم المريض : المقدم حسين عبد التواب، العمر ( 36) عاماً، الحالة الاجتماعية عزب،  المرض : كسر في ذراعه اليمنى نتيجة هبوط اضطراري بالمظلة .... وتابعت قراءة الملف، وقد انتابها شعور جديد، لم تألفه سابقاً، إنها أمام بطل يقذف نفسه بالمظلة، إنه شجاع، ثم قالت :

- ألف حمد لله على السلامة أفندم .

- الله يسلمك يادكتورة، ورأى على صدرها بطاقة كتب عليها ( سوسن عبد الحميد ) طالبة طب كلية الأزهر، سنة خامسة ...

- هل تسمح أقيس لكم الضغط ؟

- تفضلي، أهلاً وسهلاً ...

- الضغط ممتاز، الحمد لله، ثم لمست جبينه وقالت : وحرارتك عادية ولله الحمد، هل تشكو من ألم في يدك ؟

- لا، الحمد لله ...

ثم خرجت ( سوسن ) وكادت أن تسقط على الأرض، فقد شعرت أن قدميها لا تريد الخروج من الغرفة التي يقطنها المقدم حسين عبد التواب ... لكنها دفعت جسمها بقوة إلى مريض آخر، و صورة المريض ( حسين ) علقت في ذهنها ... وراحت تحدث نفسها : مقدم، (36) سنة، شجاع، عزب، تبدو عليه علامات الرجولة، هل هذا هو فارس الأحلام !!!؟

وصارت تسرق النظر كلما مرت من قرب غرفته، وذات مرة تأكد لها أنه يسرق النظر إليها أيضاً ...وقد لفت نظره ( السنة الخامسة ) طب الأزهر، فهي قربية من التخرج، وبعده الزواج، وفي الأزهر لابد أنها ذات ثقافة إسلامية، كما يبدو من التزامها بالحجاب، وتأكد عندما لاحظ أنها تخفي شعرها كاملاً، ولا يـرى منه شعرة واحدة ... وكان منظرها جميلاً جداً، بالجلباب الفاتح وفوقه صدارة الطبيبة البيضاء، ولاشك أن اللون الأبيض يبعث الراحة والطمأنينة في النفس، خاصة والسماعة الطبية معلقة في رقبتها، وبطاقة الطبيبة جوار السماعة، وقال في نفسه هل هذه هي فتاتي التي أبحث عنها ...

نأن هذه ذات الدين والجمال والمال، بقي أن أتأكد من سلوكها وشخصيتها ....

*     *    *

لم تكن ( سوسن ) الطبيبة الوحيدة المتدربة في مستشفى القوات المسلحة بالعجوزة، بل معها عدد من زميلاتها، وبعضهن سافرات، وأكثرهن يبحثن عن فارس الأحلام والضابط في العالم العربي ( قيصر ) زمانه، له من الميزات ما لا يحصل عليها بعض وكلاء الوزارة، وكل فتاة عربية تتمنى أن يكون فارس الأحلام ضابطاً، وكلما مرت واحدة منهن على المقـدم حســين عبـد التــواب كانت تطيل قـراءة الملــف، وتشـــدها كلمة (عزب)، وينظر بعضهن إليه بنظرات مكشوفة صريحة، كأنها تقول له : اخطبني فأنا أنتظرك .... وكان ذلك يظهر في مخاطبتهن له، وتكسر الحروف عند النطق بها، وحركة الجسـم المتموجـة عند كلامهـن، وكان المقـدم حسـين يقـارن ( ســوســن ) مع زميــلاتها فيجد الفرق الواضح بين الحياء الذي يغمر(ســوســـن)، والجرأة عند زميلاتها، وتذكر أن الحياء لا يأتي إلا بخيـر ... وأن حياء الفتاة جمالها وسترها ....

لذلك وجدها أكثر جمالاً، وأقوى شخصية من الأخريات ...وقرر في نفسـه أنه يتمنى أن تكون شريكة حياته ...

كذلك لم يكن المقدم حسين عبد التواب الضابط الوحيد في المستشفى، بل كان فيه عدد من الضباط الشباب والكهول، وكانت الدكتورة (سوسن) تلاحظ الفرق الكبير بين المقدم حسين والضباط الآخرين الذين كانوا يسارعون إلى تسميعها كلمات الغزل بمناسبة وبدون مناسبة، حتى الكهول منهم ( المتزوجين ) كانوا يلقون على مسامعها كلمات الغزل والإعجاب بالجمال ورشاقة القوام ....

*        *     *

ـــ 5 ـــ

الفريق سعد الدين الشاذلي.. اسم من ذهب في تاريخ العسكرية العربية.. في الوقت الذي كانت فيه الخدمة في "الحرس الملكي" المصري في أربعينيات القرن الماضي قمة الأحلام وسدرة المنتهى لضباط الجيش، وبعد أن أمضى فيها بعض الوقت تركها مختاراً مفضلاً الحياة في التشكيلات المرابطة في الصحاري المصرية، حيث حياة الصبر والجلد. حيث حياة الضابط المقاتل ، الذي أعد نفسه للقاء العدو ، ولم يعد نفسه لاستعراضات الشوارع بالزينة الكاملة ....

وفي الوقت الذي كانت تسارع فيه القوات المصرية بالانسحاب في اتجاه الشط الغربي لقناة السويس في حرب يونيو 1967، كان الشاذلي قد اتجه شرقًا هو ورجاله واحتل موقعًا في صحراء النقب الفلسطينية ، ثم انسحب بشكل منتظم كما درس في الكليات العسكرية ، ولم يخسر جندياً واحداً من قواته ....

وفي الوقت الذي كانت فيه الغالبية تخطب ودّ الرئيس السادات عارضه في غرفة العمليات حول تصفية ثغرة "الدفرسوار" في حرب أكتوبر 1973، حيث كان رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة المصرية بوازع من ضميره وشرفه العسكري.

وهو مهندس عملية عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف الذي لا يزال يدرس في كبريات الأكاديميات العسكرية العالمية إلى اليوم كمعجزة عسكرية بكل المقاييس.

على الرغم من المرارة التي تجرعتها العسكرية المصرية والعربية في حرب يونيو 1967، فإن الشاذلي أظهر تميزًا نادرًا وقدرة كبيرة على القيادة والسيطرة والمناورة بقواته؛ فقبل بدء المعركة شكّل الجيش المصري مجموعة من القوات الخاصة (الكوماندوز) لحراسة منطقة وسط سيناء (بين المحور الأوسط والمحور الجنوبي) أسندت قيادتها للشاذلي، وعرفت فيما بعد في التاريخ العسكري المصري باسم "مجموعة الشاذلي".

مع بدء المعركة صبيحة ( 5 يونيو 1967م)  ضرب سلاح الجو المصري، واتخذت القيادة العامة المصرية قرارها بالانسحاب، فقد الشاذلي الاتصال مع قيادة الجيش في سيناء، وهنا اتخذ القرار الأصعب بعد أن شاهد الطيران الإسرائيلي يسيطر تمامًا على سماء سيناء، فقام بعملية من أروع عمليات المناورة في التاريخ العسكري العربي، حيث عبر بقواته شرقًا وتخطى الحدود الدولية قبل غروب يوم 5( يونيو)، وتمركز بقواته داخل صحراء النقب الفلسطينية، وعندها ظنه الطيران الإسرائيلي وحدة تابعة لهم فلم يهاجمه على الإطلاق.

وبقي الشاذلي في النقب يومين إلى أن تمكن من تحقيق اتصال بالقيادة العامة بالقاهرة التي أصدرت إليه الأوامر بالانسحاب فورًا.

فاستجاب لتلك الأوامر وقام بعملية انسحاب في ظروف غاية في الصعوبة على أي قائد في مثل ظروفه، ورغم هذه الظروف لم ينفرط عقد قواته، كما حدث مع وحدات أخرى، لكنه ظل مسيطرًا عليها بمنتهى الكفاءة، واستطاع بحرفية نادرة أن يقطع أراضي سيناء كاملة من الشرق إلى الشط الغربي لقناة السويس (حوالي 200 كم) في عملية انسحاب لا تقل عظمة عن انسحاب القائد الألماني فيلد مارشال "روميل" في الحرب العالمية الثانية، باعتبار أن الشاذلي كان يسير في أرض يسيطر العدو تمامًا عليها، ومن دون أي دعم جوي، وبالحدود الدنيا من المؤن، إلى أن وصل قبل غروب يوم (8 يونيو) بكامل قواته ومعداته غرب القناة.

بعد عودة الشاذلي إلى غرب القناة اكتسب سمعة كبيرة في صفوف الجيش المصري كله، فتم تعيينه قائدًا للقوات الخاصة (الصاعقة والمظلات) في الفترة (1967 - 1969)، ثم قائدًا لمنطقة البحر الأحمر العسكرية (1970 - 1971).

*     *     *

ــ 6 ــ

قال المقدم حسين عبد التواب في نفسه كيف أعرف عنوان بيت الدكتورة سوسن، كي أذهب مع أمي لخطبتها، هل أطلب منها ذلك صراحة ؟ وماذا أقول لها ؟ وكان يتدرب في ســره على أن يقول لها : ممكن أعـرف عنـوان البيت يا دكتـورة ؟ وأجـرى عـدة ( بروفات ) على هذه الجملة،ويحمس نفسه حتى إذا مرت عليه تتابع حالته وتكتب المعلومات في الملف، ينعقد لســانه، ويجف ريقه، ويعجز عن الكلام، ويكتفي بملاحقتها في نظراته لعلها تفهم ما يريد، بدون كلام، لأن الكلام صعب جداً ... وكان يحسب في نفسـه ماذا لو قالت : لا، أو لم تـرد عليّ !!؟ وبقي تفكيره معلقاً بهذه الجملة حتى وجد الحل، وهو أن تزوره أمـه في الوقت الذي تـمر عليه الدكتورة سـوسـن فتتعرف عليها وتكمل المهمة التي عجـز مقدم الوحدات الخاصة عنها، الشــجاع الذي يقفز بنفســه من الطائرة ، ويقود وحدته وهو معلق بين السماء والأرض ، فينتبه إلى عناصره ويطمئن على مظلاتهم ونزولهم السليم ، وإذا لزمت ملاحظة قدمها في اللحظة المناسبة ... هذا الضابط الشجاع ...عجز أن يقول جملة واحدة أمام الدكتـورة  ( سوسن ) ...

وأمام والدته التي جاءت تزوره قال المقدم حسين عبد التواب : بعد قليل تمـر الدكتورة  سوسن التي تتابع حالتي الصحية، وأرى أن تعرفي عنوان بيتها إذا سمحت ... فهي مؤدبة وتتميز عن سائر زميلاتها بالحشمة والحياء، ويبدو أنها ذات دين، وفي السنة الخامسة، أي تتخرج العام القادم، ومن الأفضل أن أخطبها قبل أن يخطبها غيري ...

وبعد دقائق معدودة وصلت الدكتورة سوسن فاعتدل المقدم حسين وقال :

ماما، الدكتورة سوسن، تتابع حالتي الصحية وتهتم بي، ومن ذوات الدين والخلق....

فنظرت أم حسين إليها ومدت يدها وقالت : أهلاً وسهلاً بالدكتورة الأمورة، ذات الدين والخلق والجمال،  أتشرف بهذه المعرفة يا بنتي ....

- أهلاً  خالــة ( قالت سوسن والخجل يكاد يسقطها على الأرض )، كيف صحتك ؟

- المهم صحة ولدي يا دكتورة، إن شاء الله هو بخير ؟

- نعم، هو بصحة جيدة، وأظن يخرج من المشفي غداً أو بعد غـد إن شاء الله . ولما مشت الدكتورة لحقت بها أم المقدم حسين وقالت :

- يا دكتورة، ممكن تسمحي تعطيني عنوان البيت، عشان أخذت ِ عقل ولدي المقدم حسين، الذي لا يخاف من القفـز بالمظلة، وقد قفـز بضعة وثلاثين مرة ولله الحمد، ويخاف أن يتكلم أمامك ويصارحك ويطلب منك العنوان، ويريد أن نعجل بالخطبة قبل أن تضيعي منه ...

- يحصل لنا الشرف يا خالة، والأمر بيد الوالد والوالدة طبعاً، وهذا العنوان ورقم هاتف البيت وأهلاً وسهلاً بكم ... ثم توارت عن نظر المقدم حسين قبل أن تسقط على الأرض خجلاً ....

وفي اليوم التالي خرج المقدم حسين من المشفى، ولم ينس أن يشكر الدكتورة سوسن على عنايتها بـه، وزاد على ذلك أن حملها سلاماً منه لأبيها وأمها ... وبعد يوم واحد، وكان المقدم في النقاهة قبل أن يلتحق بالكتيبة، وصل مع أمه حسب العنوان بعد أن اتصل هاتفياً وسلم على والد الدكتورة سوسن، وطلب إذناً بزيارتهم مع والدته فرحب بهم ...

ودق جرس الباب ....

- مـَــن ( قالت سوسن بعد طول انتظار ) .

- المقدم حسين عبد التواب وأمـه معـه .

- أهلاً وسهلاً وفتحت الباب، بلباسها المحتشم ..

- والدي الحاج عطية ...

- أهلاً وسهلاً، ومـد المقدم حسين يـده فصافحه، ورحب الحاج عطية بـه ...

- أهلاً وسهلاً بالأبطال، متى تحررون سيناء يا ولدي، نفسي أزورها قبل الموت .

- قريباً إن شاء الله ياعـــــم، كل شيء يجري نحو المعركة الفاصلة التي سنحرر فيها سيناء بإذن الله ...

- آه ياولدي لقد مرغوا كرامتنا بالتراب، عام (1967) عندما انتصرت دويلة الصهاينة على ثلاث دول عربية مجتمعة، واحتلت سيناء، والضفة الغربية والقدس الشرقية، والجولان ...

- ياعم، تلك كانت مسرحية، ولم تكن حرباً، جاء عبد الناصر بقواتنا من اليمن متعبـة منهكة جائعة، وزجها في المعركة بدون غطاء جوي، بعد أن دمر الصهاينة سلاحنا الجوي خلال الساعات الست الأولى من الحرب، بسبب البعد عن شريعة الله عزوجل ، استطاع جاسوس واحد خبيث أن يضحك على عشرات القادة ، وحتى عبد الناصر والمشير  ...

- هل صحيح يا بني أن الطيارين كانوا في حفلة سكر وعربدة ليلة الخامس من يونيو، وفرقت الحفلة قبيل الهجوم الصهيوني بثلاث ساعات أو ساعتين !!؟

- نعم، ياعم، كان الجاسوس الصهيوني الذي جعله عبد الناصر مفتشاً عاماً لسلاح الجو المصري ( آرام نوير ) يملك السلاح الجوي المصري، وقد عود الطيـارين على حفلات السكر والمجون، وكان ( 400) طيار في تلك الحفلة ليلة الخامس من يونيو ...مائتان منهم في قاعدة ( انشاص ) والباقون في قاعدة ( بير ثمادة ) ، وفعلاً فرقت الشرطة العسكرية الحفلة الماجنة بالقوة الساعة الخامسة ، قبل ساعتين فقط من الهجوم الصهيوني ...

- وأين بقية القادة !!؟

- أما الفريق صدقي قائد سلاح الجو المصري فكان ظلاً للجاسوس(آرام نوير)،  وكان الجاسوس هو القائد الفعلي للطيران المصري ...وهكذا أغارت الطائرات الصهيونية على مطارات مصر والطيارون قد انصرفوا من الحفلة منذ ساعتين فقط، وقد شربوا نوعين من الخمر حتى تتبلد حواسهم، وكانت الطائرات مصفوفة على المدارج، مما سهل تدميرها من قبل طائرات العدو الصهيوني، في ست ساعات فقط، من السابعة صباحاً وحتى الواحدة ظهراً، لذلك تسميها إسرائيل حرب الساعات الستة، لأن الطيران الصهيوني سيطر على سماء المعركة، وصار الطيارون يتسلون باصطياد الدبابات والتجمعات البشرية من الجنود المصريين والسوريين ...

- وسوريا ماذا فعلت، وهي التي دقت طبول الحرب، وطرحت حرب التحرير الشعبية طويلة المدى  !!؟

- على الرغم من أن سلاح الجو الإسرائيلي بدأ هجومه على مصر في الصباح،(في السابعة والربع صباحاً )، ولم يترك لحماية سماء الأرض المحتلة ومطاراته سوى اثنتي عشرة طائرة فقط،ولوشُـن هجومٌ جوي عربي(سوري عراقي أردني)؛على مطارات العدو بعيد السابعة صباحاً وحتى الثانية عشرة لدمر مطارات العدو، واعترض طائراته عند عودتها من سماء مصر بدون وقود وذخيرة، ومن السهل إسقاطها عندئذ . ولكن الطائرات السورية - وسوريا هي الداعية إلى الحرب - نفذت أول وآخرهجوم في الثانية عشرة ظهراً، أي بعد أن فرغ الطيران الإسرائيلي من تدمير السلاح الجوي المصري وهي ست ساعات!!!!ولم نسمع عن غارة سورية ثانية بعد تلك الغارة على مصافي حيفا. ونجد الجواب في كتاب ( حربنا مع إسرائيل ) للملك حسين إذ يقول :

كنا ننتظرالسوريين فبدون طائرات الميغ لايمكن قصف مطارات إسرائيل الجوية، ومنذالتاسعة والنصف اتصلت قيادة العمليات الجوية بالسوريين، فكان جوابهم أنهم بوغتوا بالأحداث !!! وأن طائراتهم ليست مستعدة !!! وأن مطاراتهم تقوم برحلة تدريبة !!! وطلبواإمهالهم نصف ساعة، ثم عادواوطلبوا إمهالهم ساعة، وفي العاشرة والخامسة والأربعين كرروا الطلب نفسه فوافقنا، وفي الحادية عشرة (أي بعد فراغ العدو تقريباً من القضاء على سلاح الجو المصري) لم يعد بالإمكان الانتظار!!، فأقلعت الطائرات العراقية وانضمت إلى سلاحنا الجوي لتساهم في المهمة، ولذلك لم تبدأ عملياتنا الجوية إلا بعدالحادية عشرة ( أي بعد فراغ الطيران الصهيوني من تدمير الطيران المصري ) .

يقول الملك حسين: (فوت علينا تأخر الطيران السوري فرصة ذهبية كان يمكن أن ننتهزها لمصلحة العرب، فلولا تردد السوريين!!! لكنا قدبدأنا عمليات القصف الجوي في وقت مبكر،ولاستطعنا اعتراض القاذفات المعادية، وهي في طريق عودتها إلى قواعدها بعد قصفها للقواعد المصرية، وقد فرغت خزاناتها من الوقود ونفذت ذخيرتها، وكان بإمكاننا حتى مفاجأتها وهي جاثمة على الأرض تملأ خزاناتها استعداداً لشن هجمة جديدة، فلو قيض لنا ذلك لتبدل سير المعركة وتبدلت نتائجها، وتغير مجرى التاريخ العربي، كل ذلك الأمل فوته علينا البعثيون السوريون  ، فوته علينا حافظ الأسد الذي تبين فيما بعد أنه باع الجولان للعدو ، وسلمه لهم خلال مسرحية حرب الخامس من حزيران .....

الزمن وحده سيكشف تفسيراً لأمورعديدة، لكن ماتأكدت منه أن الطيران السوري لم يكن جاهزاً للحرب يوم(5) حزيران، وكانت حسابات الإسرئيليين صحيحة، عندما لم يتركوا سوى اثنتي عشرة طائرة لحماية سمائهم، بينما استخدموا كل سلاحهم الجوي لضرب مصر. (انتهى كلام الملك حسين) .

- قبل الحرب بقليل لاحق عبد الناصر العلماء والدعاة وأفراد حركة الإخوان المسلمين، وزج بهم في السجون، لتنهش الكلاب لحمهم، فأهان الدعاة إلى الله واضطهدهم ونكل بهم، وفرغ الجيش من ضباطه الأكفاء، ورجاله الشجعان، وترك المطبلين والمزمرين للرئيس الأوحد .... لذلك جاءت هزيمة يونيو (1967) أو نكسة (1967) كما سماها عبد الناصر نفسـه ؛ جاءت عقاباً ربانياً على سفاهة عبد الناصر وجريمة حافظ الأسد ، وسيكشف التاريخ يومأ بعد يوم هذه الجريمة الكبرى ، وهي أن حافظ الأسد هو الذي ورط عبد الناصر في المعركة ، ليذله ويكسر شوكته ، وقد فعل ذلك ....

*    *    *

ـــ 7 ـــ

دخلت أم المقدم حسين في الغرفة الثانية، حيث أم سوسن تنتظرها، فعانقتها مــرحبة بها وهي تردد أهلاً وسهلاً زارتنا البركة والشرف ...

وجلست أم حسين مع أم سوسن، تتجاذبان أطراف الحديث بينما ذهبت الدكتورة سوسن تعد ( الشربات ) وعادت بعد قليل، لتنادي والدها فيدخل الشربات للضيف، وتدخل على أمها وأم حسين مع الشربات فتقول أم حسين هذه شربات الفرح إن شاء الله ...ما شاء الله، الصلاة على النبي، ماهذا الجمال ما شاء الله ...!!!!

يا أم سوسن جئت أخطب الدكتورة الأمورة، اللي أخذت عقل المقدم المظلي، أعجبه دينها وحياؤها وحشمتها وجمالها، فنحن أسرة محافظة متمسكة بدينها إن شاء الله، وولدي يبحث عن أمثال الدكتورة سوسن منذ زمن طويل ...

- أهلاً وسهلاً بكم، وسيكون ذلك إن شاء الله، والزواج قسمة ونصيب ...

ويحصل لنا الشرف يا أم حسين، وسأحدث والدها الذي يجلس الآن مع المقدم حســين، وغالباً سيعجبه لأنه ملتزم بدينه كما تقولين، وقد عرفته (سوسن) من المشفى ولاحظت الفرق الكبير بينه وبين الضباط الآخرين الذين كانوا يسمعونها كلمات غير ملتزمة ...وأعجبت بـه، والمهم أن ترضى بـه ويرضى بها ...

وبعد أسبوع واحد فقط تم عقد الزواج بين المقدم  حسين عبد التواب والدكتورة سوسن، وصار يتكلم معها في الهاتف كلما سنحت له الفرصة؛ لأنها صارت زوجته شرعاً، وهم في أحلى فترات الزواج ، فترة ما بعد العقد ، وقبل الزفاف  ...

*       *        *

ــ 8 ــ

جرت العادة أن تكون الساعة ( س) التي تبدأ فيها المعركة مع الفجر أو قبيل الفجر بقليل،أو بعيد الغروب، وسبب ذلك أن وهج الشمس الساطع في ساعات الصباح يعيق الطائرات المتوجهة شرقاً، لذلك كانت مصر تريد الساعة (س) عند الغروب، بينما تريدها سوريا مع الفجر، وحسماً للخلاف اقترح أحدهم أن تكون الساعة الثانية ظهراً، كحل وسط، ثم أعجبوا بالاقتراح لأنه يحقق المباغتة، إذ لم يسبق في تاريخ الحروب القريبة أن بدأ الهجوم بهذه الساعة، وتم الاتفاق على ذلك بين مصر وسوريا . وتمت المباغتة العربية  فعلاً لأول مرة في تاريخ الحروب العربية الصهيونية ...

*     *     *

في أوائل (اكتوبر 1973) كان قرار الســـادات مكتملاً، وحددت الســـاعة (س) بالثانية ظهراً على خلاف ماجرت به العادة، وهو أن تكون الساعة     (س) قبيل الفجر، كان ذلك اليوم العاشر من رمضان،والسادس من اكتوبر، وكان الثالث من أيام عيد الغفران عند اليهود، ومن طقوس اليهود في هذا العيد :

-  الامتناع عن تناول أي شي مخبوز أو مصنوع من العجين المتخمر، حيث يتناول اليهود الخبز الفطير غير المتخمر ويعود ذلك لان بنو إسرائيل في يوم خروجهم الذي يحيون ذكراه في عيد الفصح أعدوا مؤنهم من الفطير غير المتخمر لاستعجالهم يومئذ للخروج .


- ويعد عشاء العيد من أهم طقوس عيد الفصح اليهودي، حيث تجتمع العائلات والأهالي للعشاء ويتناولون فيه حَمَل الفصح وهو حَمَل عمره سنة واحدة، وراج من القرون الوسطى أن اليهود تقدم أضاحي بشرية كطقس من طقوس عيد الفصح حيث يذبحونها ويقومون بمص دمائها  أو مزجها في الفطائر، كما في رواية (دم لفطيــر صهيون ) لنجيب الكيلاني يرحمه الله . وقد أشارت دراسات عديدة إلى أن اليهود في القديم كانوا يستخدمون دم الإنسان من أجل إتمام طقوسهم، وقد أشارت العديد من المصادر التاريخية إلى عدة حوداث اختطاف وقتل للأطفال المسيحيين من أجل تقديمهم كقرابين في احتفالات عيد الفصح اليهودي . وهو ما كان عامل من عوامل كراهية الأوربيين لليهود وطردهم من أوربا، ناهيك أن اليهود كانوا منعزلين عن أهل البلد .


_ ومن طقوسهم توقف الإذاعة، والمواصلات في البلد . ويحرم العمل في اليوم الأول والأخير، ويستمر العيد أسبوعاً، ويمتنعون عن الانتقال بالسيارات .

أمضت إسرائيل السنوات الست التي تلت حرب يونيو(1967) في تحصين مراكزها في الجولان وسيناء، وأنفقت مبالغ ضخمة لدعم سلسلة من التحصينات على مواقعها في مناطق مرتفعات الجولان وفي قناة السويس، فيما عرف بخط بارليف.

وقد أمن الصهاينة في خط بارليف الذي بنوه على ضفة قناة السويس الشرقية، وجعلوه عدة طوابق، ناموا بعمق في الطابق السفلي من الحصن الذي تغطيه جبال من الرمال ...

كان خط بارليف وهو أقوى خط دفاعي في التاريخ الحديث يبدأ من قناة السويس وحتى عمق 12 كم داخل شبه جزيرة سيناء على امتداد الضفة الشرقية للقناة وهو من خطين: يتكون من تجهيزات هندسية ومرابض للدبابات والمدفعية وتحتله احتياطيات من المدرعات ووحدات مدفعية ميكانيكية، بطول 170 كم على طول قناة السويس. بعد عام 1967 قامت إسرائيل ببناء خط بارليف، والذي اقترحه حاييم بارليف رئيس الأركان الإسرائيلي في الفترة ما بعد حرب 1967 من أجل تأمين الجيش الإسرائيلي المحتل لشبه جزيرة سيناء.

ضم خط بارليف (22 ) موقعاً دفاعياً، (26) نقطة حصينة، و تم تحصين مبانيها بالإسمنت المسلح والكتل الخرسانية و قضبان السكك الحديدية للوقاية ضد كل أعمال القصف، كما كانت كل نقطة تضم(26) دشمة للرشاشات ,(24) ملجأ للأفراد، بالإضافة إلى مجموعة من الدشم الخاصة بالأسلحة المضادة للدبابات ومرابض للدبابات والهاونات،و(15) نطاقاً من الأسلاك الشائكة وحقول الألغام وكل نقطة حصينة عبارة عن منشأة هندسية معقدة وتتكون من عدة طوابق وتغوص في باطن الأرض ومساحتها تبلغ(4000 ) متراً مربعاً، وزودت كل نقطة بعدد من الملاجئ و الدشم التي تتحمل القصف الجوي وضرب المدفعية الثقيلة، وكل دشمة لها عدة فتحات لأسلحة المدفعية والدبابات، وتتصل الدشم ببعضها البعض عن طريق خنادق عميقة، وكل نقطة مجهزة بما يمكنها من تحقيق الدفاع الدائري إذا ما سقط أي جزء من الأجزاء المجاورة، ويتصل كل موقع بالمواقع الأخرى سلكياً ولاسلكياً بالإضافة إلى اتصاله بالقيادات المحلية مع ربط الخطوط التليفونية بشبكة الخطوط المدنية في إسرائيل ليستطيع الجندي الإسرائيلي في خط بارليف محادثة منزله في إسرائيل .

تميز خط برليف بساتر ترابي ذي ارتفاع كبير (من 70 الي 77 متر) وانحدار بزاوية(70) درجة علي الجانب المواجه للقناة، كما تميز بوجود (20) نقطة حصينة تسمى دشم علي مسافات تتراوح من (10 الي 12 كم)  وفي كل نقطة حوالي (15) جندياً تنحصر مسؤوليتهم في الإبلاغ عن أي محاولة لعبور القناة وتوجيه المدفعية إلى مكان القوات التي تحاول العبور. كما كانت عليه مصاطب ثابتة للدبابات، بحيث تكون لها نقاط ثابتة للقصف في حالة استدعائها في حالات الطوارئ. كما كان في قاعدته أنابيب تصب في قناة السويس لإشعال سطح القناة بالنابالم في حال حاولت القوات العبور، ولكن قبل العبور قامت الضفادع البشرية المصرية وهي قوات بحرية خاصة، بسد تلك الأنابيت بنوع من الإسمنت الذي يتصلب داخل الماء،تمهيداً لعبور القوات المصرية في اليوم التالي.

روجت إسرائيل طويلاً لهذا الخط على أنة مستحيل العبور وأنه يستطيع إبادة الجيش المصري إذا ما حاول عبور قناة السويس، كما أدعت أنه أقوى من خط ماجينوه الذي بناه الفرنسيون في الحرب العالمية. وصدق ضباط النظام الأسدي أن خط بارليف لايمكن تجاوزه ، بل كانوا يحقرون الذات الإلهية ويقولون ( حتى ( .....) لايستطيع تجاوز خط بارليف ) ....وقد سمعتها عدة مرات من ضباطهم ... خلال خدمتي في الجيش ( 70 – 72) ، وقد سرحت من خدمتي الإلزامية في (20/5/1972) أي قبل الحرب بسنة ونصف ، وكنت أحفظ معالم الخط الأول للفرقة الخامسة ، حيث كانت وظيفتي العسكرية تتطلب ذلك ...

*    *    *

وفي ليلة العاشر من رمضان قام رجال الضفادع المصريون بصب الإسمنت في فوهات خط ( النابالم ) الذي وضعه الصهاينة تحت الماء على الشاطئ الشرقي لقناة السويس، وكانت خطتهم إشعال النار في القناة إذا فكر المصريون باجتيازها، لذلك كان ضباط النظام الأسدي يؤكدون أنه من الناحية العسكرية يستحيل اجتياز قناة السويس، وخط بارليف، وكانوا يتلفظون بكلمات الكفر ويؤكدون أنه حتى ( ......) لايستطيع اجتيازها لأن النابالم سيحرقه([3])... واجتازها الجنود المصريون أبطال العبور، وهم يرددون ( الله أكبر ) كما نعلم ...

وفي الواحدة والنصف  من يوم العاشر من رمضان وزع أمر القتال على الكتائب والسرايا، وطار الجنود من الفرح، وصاروا يهنئون بعضهم بالنصر أو الشهادة، بهذا اليوم الذي انتظروه كثيراً ... حيث يسترجعون الكرامة المصرية التي أهدرها حكامهم عام (1967) عندما زجوهم عراة تحت قصف الطيران الصهيوني الذي دمر طائراتهم بعد الحفلة الماجنة ليلة الخامس من حزيران ( يوينو ) .

*    *   *

وفي الواحدة والخامسة وخمسين أقلعت طائــرات الســلاح الجــوي  المصري والسوري، تقصف تحصينات العدو الصهيوني على الجبهتين في لحظة واحدة،

افتتحت مصر حرب 1973 بضربة جوية عبر مطار بلبيس الجوي الحربي (يقع في محافظة الشرقية - حوالي 60 كم شمال شرق القاهرة) وتشكلت من نحو 222 طائرة مقاتلة عبرت قناة السويس وخط الكشف الراداري للجيش الإسرائيلي مجتمعة في وقت واحد في تمام الساعة الثانية بعد الظهر على ارتفاع منخفض للغاية. وقد استهدفت محطات الشوشرة والإعاقة في أم خشيب وأم مرجم ومطار المليز ومطارات أخرى ومحطات الرادار وبطاريات الدفاع الجوي وتجمعات الأفراد والمدرعات والدبابات والمدفعية والنقاط الحصينة في خط بارليف ومصافي البترول ومخازن الذخيرة. ولقد كانت عبارة عن ضربتين متتاليتين قدر الخبراء الروس نجاح الأولى ــ قبل المعركة ــ  بنحو 30% و خسائرها بنحو 40%، ولكنها كانت ناجحة للغاية، ونظرا للنجاح الهائل للضربة الأولى والبالغ نحو 95% وبخسائر نحو 2.5% فقط تم إلغاء الضربة الثانية.

وبنفس التوقيت شنت الطائرات السورية هجوما كبيراً على المواقع والتحصينات الإسرائيلية في عمق الجولان وهاجمت التجمعات العسكرية والدبابات ومرابض المدفعية الإسرائيلية ومحطات الرادارات وخطوط الإمداد، وحقق الجيش السوري نجاحاً كبيراً وحسب الخطة المعدة بحيث انكشفت أرض المعركة أمام القوات والدبابات السورية التي تقدمت عدة كيلو مترات في اليوم الأول من الحرب مما أربك وشتت الجيش الإسرائيلي الذي كان يتلقى الضربات في كل مكان من الجولان .

وفي الواحدة والخامسة والخمسين دقيقة بدأت مدفعية الميدان الثقيلة بالتمهيد المدفعي، فألقت بأطنان القنابل على تحصينات العدو ...

وفي الثانية تماماً نزلت القوارب المطاطية قناة السويس، في كل قارب جماعة من المشاة، وتحت قصف المدفعية الصديقة الذي ينصب على خط بارليف، والمدفعية المعادية الذي ينصب في قناة السويس، وسط التكبير والتهليل، كانت دقائق العبور لحناً خالداً لن ينساه من شارك فيه، أو رآه ولو على الشاشة، حيث امتزج التكبير بأصوات انفجارات قذائف المدفعية الصديقة والمعادية، وامتزجت دماء أبطال العبور بمياه القناة، واجتازت كثير من القوارب المطاطية القناة، وبد أبطال الكنانة يهدمون مارسخ لدى العسكريين بمقاييس الأرض، عندما بدأوا يهدمون خط بارليف، الذي قالوا عنه  لايمكن اجتيازه، وسلطوا خراطيم المياه ذات الضغط العالي على جبال الرمال، فتجرفها إلى القناة، هذه الخراطيم التي صنعت في ألمانيا لمصلحة الدفاع المدني وإطفاء الحرائق، وكان الألمان يضحكون عندما طلب المهندسون المصريون أن تكون ذات ضغط عال جداً، كي تجرف جبل الرمال فوق خط بارليف، وكان ذلك، وفي دقائق بني رأس الجسر العائم الذي مدتـه وحدات الهندسة فوق القناة في مدة قياسية عالمية، تحت قصف مدفعية العدو، وهدير طائرات الميج التي تغير على وحدات مدفعية العدو، ووسط ذلك كله كان هتاف الجنود ( الله أكبر ) يتناغم مع قصف المدفعية وهدير الطائرات، والأمواج التي تحدثها قذائف مدفعية العدو في مياه القناة، وسط ذلك كله وبمدة قياسية عالمياً مـد الجسر الهندسي العائم فوق القناة ؛  فعبرت عليه الدبابات والآليات الثقيلة شرق قناة السويس ....

في أعقاب وقف إطلاق النار عام (1967م) أقامت إسرائيل مجموعة من المراكز الدفاعية الخفيفة على طول قناة السويس، ولكن لما بدأت المدفعية المصرية عام (1968م) بالدفاع الايجابي ضد العدو أقامت إسرائيل خط بارليف وهو رئيس الأركان الصهيوني يومئذ، وأقيمت الدشم القوية التي دمر أغلبها عام (1969) في حرب الاستنزاف، لذلك عمقت الدشم، تحت طبقات من الاسمنت والحديد، والرمال، وجهزت الملاجئ تحته بشكل يوفر الراحة للجنود تحت خط بارليف، بحيث يوفر له الاتصال بأهله بالهاتف يومياَ لمن أحب، وأقيم حاجز يبلغ ارتفاعه (20) م، عن سطح الماء، لإعاقة الآليات البرمائية المصرية إذا حاولت عبور القناة، وقدرت نفقات خط بارليف ب ( 238) مليون دولار .

وفي الموجة الأولى  من الحرب عبر القناة (8000 ) من الجنود المصريين، ثم توالت موجات العبور الثانية والثالثة ليصل عدد القوات المصرية على الضفة الشرقية بحلول الليل إلى (60000 ) جندي، في الوقت الذي كان فيه سلاح المهندسين المصري يفتح ثغرات في الساتر الترابي باستخدام خراطيم مياه شديدة الدفع، صنعت في ألمانيا لصالح الدفاع المدني المصري، وقد تعجب الألمان من قوة الضغط الهائلة التي طلبها المصريون  .

*      *    *

تسلم المقدم حسين عبد التواب مهمة كتيبته في الواحدة والربع من يوم العاشر من رمضان السادس من اكتوبر (1973م)، فبادر إلى جمع كتيبته وتفهيمهم المهمة التي سيقومون بها، بعد أن تدربوا عليها أياماً طويلة، وكانت عيون الجميع ترقص فرحاً لساعة الخلاص من عار (1967)، وفي الواحدة وخمس وأربعين  كان أفراد الكتيبة بأسلحة المشاة الفردية على متن الطائرات التي ستسقطهم بالمظلات شرق خط بارليف ببضعة أكيال، يقطعون خطوط الاتصال الهاتفية، ويزرعون الألغام في طريق تحرك العدو الصهيوني نحو القناة ....

وكانت الفرحـة تغمرهم عندما صعدوا إلى الطائرات بعد طول انتظار، فكانوا يباركون لبعضهم بعبارات الفرح والنصر، وكان كل منهم قد فهم مهمته وتدرب عليها طيلة أشهر، حتى حفظها عن ظهر قلب، وكانوا يهنئون بعضهم أن رزقهم الله المشاركة في الحرب التي ستعيد لمصر وللعرب والمسلمين كرامتهم التي أزهقت عام ( 1967م) ... عندما لم يسمح للجندي العربي أن يقاتل، بل زج في مسرحية معركة فاشلة، تحت رحمة الطيران الصهيوني الذي كان يتسلى طياروه بقصف الجنود ومطاردتهم في صحراء سيناء ...

وفي الثانية تماماً بدأ القفز المظلي في المنطقة المحددة، ويرتب القفز حسب الوزن، الخفيف أولاً، والثقيل في الأخير، ليكون وصول الأرض متقارباً، ويتجمع أفراد الوحدة فور هبوطهم على الأرض، للبدء في تنفيذ المهمة، وبدأ القفز من مسافات قريبة ــ وهو من أخطر أنواع القفز ــ فوصلوا الأرض بســرعة، ونفذوا أهدافهم وسط ذهول العدو الصهيوني، وقبل أن يستعيد الصهاينة تفكيرهم، تجمعت الكتيبة خلف خطوط العدو، شرق خط بارليف بحوالي(5) كلم، ونفذت مهامها على أتم وجه، فقطعت خطوط الهاتف، وزرعت حقول ألغام في طريق العدو نحو القناة، ومع الغروب أفطر الصائمون على الماء وحمدوا الله ودعوه أن يتقبل صيامهم، وأن يعينهم على صيام بقية الشهر ويتقبله منهم، ثم عادوا فوق الجسرالذي نصب على القناة، يتقدمهم المقدم حسين عبد التواب ولسانه يلهج بذكر الله وشكره على تنفيذ مهمة اليوم الأول بنجاح، وعودة الكتيبة سالمة غانمة إلى غرب القناة، عادت إلى قاعدتها غـرب القنـاة، لتنفيذ مهمتها الأصلية وهي حراســة منصات صواريــخ (سـام) التي نصبت غرب القناة، والتي منعت طيران الصهاينة من السيطرة على سماء المعركة، لأول مرة في تاريخ الحروب بين العرب والصهاينة، حيث تسقط طائرات الصهاينة كلما اقتربت من قناة السويس،  وقد اختارت قيادة القوات المسلحة المقدم حسين عبد التواب وآخرين من شكله من الضباط الأكفاء لحماية منصات الصواريــخ، المنطقة الأكثر استراتيجية في حرب العاشر من رمضان  (اكتوبر1973م) . لأنهم أقدر على الحركة، والتنقل براً أو جواً حسب الطلب ... وقد تميزت الأيام الأولى من المعركة بتساقط الطائرات الصهيونية كلما اقتربت من منطقة القتال حول قناة السـويـــس ــ على غير العادة ــ، لأن قواعد صواريخ ( سام ) نجحت وللمرة الأولى في صـد الطيران الصهيوني، ومنعـه من الاقتراب من ميدان المعركة، بعدما كان متفوقاً في المعارك السابقة وخاصة (1967م) . ولأول مرة يجبن الطيارون الصهاينة عن التحليق فوق ميدان المعركة ، خوفاً من صواريخ سام المحكمة في قواعدها غرب القناة ...

*     *     *

في الثامنة من  صباح يوم السابع من اكتوبر قال المذيع من صوت العرب بصوت يملؤه الفخر والإعجاب، قال :

في الساعة الثانية من يوم أمس أسقطت كتيبة مظليين من وحداتنا الخاصة خلف قوات العدو، وتجمع رجالها البواسل شرق خط بارليف ببضعة كيلومترات، ونفذت مهمامها الموكلة لها من قطع خطوط الهاتف للعدو، مما زاد في إرباك العدو، وعجزه عن الرد في بداية المعركة، وزرعوا الألغام في طريق هجومه المعاكس، وقد كمنت الكتيبة بعد إتمام مهمتها حتى الليل في أرض العدو، ثم عادت تحت جنح الليل، واجتازت القناة فوق أحد الجسور التي وضعتها وحدات الهندسة فوق قناة السويس، وعادت إلى مقر تواجدها غرب القناة سالمة غانمة، وقد وجه رئيس الأركان التحية والشكر لكافة أفراد الكتيبة، وخص منهم قائد الكتيبة، العقيد حسين عبد التواب، ومنحهم جميعاً الرتبة الأقدم مكافأة على شجاعتهم وتنفيذ مهمتهم على الوجه الأكمل ....

كانت الدكتورة ( سوسن ) تسمع النبأ، فأسرعت إلى أمها تزف لها البشرى :

- ماما، رفع المقدم حسين إلى رتبة عقيد، مكافأة له على حسن تنفيذ المهمة في اليوم الأول .... بعد أن قطعوا خطوط الهاتف للعدو، وزادوا ارتباك العدو، مما أعجزه عن الرد في بداية المعركة، وزرعوا الألغام شرق خط بارليف، وعادوا سالمين ولله الحمد ...

- مبروك يابنتي، وأسأل الله أن يتمم بخير ....

وفي الليل حاول العقيد حسين عبد التواب أن ينام بعد يوم شاق من التعب، ولكن النوم هرب من عينيه، فأمسك الهاتف وطلب من ( السنترال ) أن يحاول الوصول إلى هاتف الدكتورة (سوسن)، وكان الجنود وخاصة عمال مقسم الهاتف يحبون العقيد حسين، ويعرفون أنه خاطب وعلى أبواب الزواج، فبذل ذلك الجندي جهوداً جبارة حتى وصل الدكتورة ( سوسن ) فقال :

- دكتورة هانم، لو سمحت تكلمي مع العقيد حسين عبد التواب  ... وفتح الخط للعقيد حسين ...

- ألـو .... مبروك يا عقيد، الحمد لله على السلامة لك ولجميع أفراد الكتيبة، أنا عرفت الرتبة الجديدة من إذاعة صوت العرب، لقد أذاعوا نبأ نجاح الكتيبة في تنفيذ مهمتها، وما قامت به من بطولة في اليوم الأول،ومنح أفرادها الرتبة الأقدم، وأخبرت أمي وأمك في الحال، ألف مبروك، وتعودون لنا بخير إن شاء الله ...

- كيف أحوالكم، وحال ( مامتي ومامتك )، طمنيهم عني أنا بخير ولله الحمد ،  ومع السلامة . وبات ليلته يحلم بالمستقبل القريب، مع الزفاف وشهر العسل والرحلات داخل مصر ...

*     *    *

ــ 9ــ

كانت سوريا تحشد ثلاث فرق على الخط الأول ( 5،7،9)، وخلف كل فرقة  لواء مدرع مســتقل يشكل النســق الثاني للفــرقــة . وتلي ذلك بعد الخط الأول الفرقتان المدرعتـان ( 1،3) في  كل منهما (250) دبابة، وهكذا كان مجموع الدبابات المشاركة في الهجوم (1500) دبابة، و (1000) مدفع ميدان .

ويواجه ذلك لواءان صهيونيان وهما اللواء (7) في القطاع الشمالي، واللواء (188) في الجنوب، ومجموعهما (170) دبابة، وتساندها (17) موقعاً حصيناً مثل موقع تل الفرس ... ونذكر بأن خطة الصهاينة أن يتركوا قواتهم الضاربة ومعظمها من الاحتياط في وسط الأرض المحتلة لتوجه غرباً نحو مصر أو شمالاً نحو سوريا حسب الحاجة ....

وكانت خطة سوريا أن تخترق الفرق الثلاث (5،7،9) خندق الميم دال بعمق (10) كلم، الذي حفره الصهاينة خلال خدمتي العسكرية ، حفروه ونحن نتفرج ، ونهدد من قادتنا بالإعدام الميداني إذا حركنا ساكناً وحاولنا إعاقتهم عن إتمام خندق ال (م/د) ... ثم تقــوم الفرقتان (1،3) بتطويــر الهجــوم حتى تصــل نهر الأردن ( نهاية الجولان ) .

*     *     *

في الواحدة والخامسة والخمسين من يوم السادس من اكتوبر ؛ شنت الطائرات السورية هجوماً كبيراً على المواقع والتحصينات الإسرائيلية في عمق الجولان وهاجمت التجمعات العسكرية والدبابات ومرابض المدفعية الإسرائيلية ومحطات الرادارات وخطوط الإمداد وحقق الجيش السوري نجاحا كبيراً، وحسب الخطة المعدة بحيث انكشفت أرض المعركة أمام القوات والدبابات السورية التي تقدمت عدة كيلو مترات في اليوم الأول من الحرب مما أربك وشتت الجيش الإسرائيلي الذي كان يتلقى الضربات في كل مكان من الجولان .

حدثني المقدم ( فائز ) يرحمه الله قائد كتيبة المدفعية، عن تلك الساعة على الجبهة السورية فقال :

في الواحدة والخامسة وأربعين  دقيقة تسـلمت أمر القتال، وساعة ( س) وهي الثانية ظهراً تماماً، فوزعت الجنود على المدافع، كل في مكان عمله المخصص له، وفي الواحدة والخمسين أمرت الرماة أن يتأكدوا من تسديد مدافعهم حسب الإحداثيات المعطاة مسبقاً والتي تدرب عليها الجنود أياماً طويلة، وفي الواحدة والخامسة والخمسين أمرت بتلقيم المدافع فتم ذلك، وفي تمام الثانية صرخت قائلاً ( نار ) ولكن الجنود نظروا إلي وقالوا : عن جــد يا سيدي !!؟ وقد استغربوا ذلك، فصرخت فيهم مكـرراً ( نــــار)، وفي تلك الثانيــــة مـــرت من فـوقنا طائــرات  (السوخوي) راجعة من قصف مراكز قيادة العدو، عندها صدق الجنود وتكلمت المدافع، وغطت سمفونية المدافع كل صوت ، وقطعت كل حلم ، وفرضت صوتها وضجيجها على مسامع الجميع ....

*     *     *

كان الصهاينــة قد حفروا خندقاً على أطـــراف الجولان الشـــمالية، يسمى خندق ( م/د) أي ضد تقدم الدبابات، وفي قعر الخندق ألغام ثقيلة ضد الدبابات، وقد حفر هذا الخندق خلال خدمتي العسكرية، وكنت مواجهاً لتل الفرس المشهور، وكان بعض الجنود يتفلتون ليفتحوا النار ضد آليات الصهاينة وهم يحفرون الخنـــدق، ولكن الأوامــر كانت مشــددة بعــدم التعــرض لهم، حتى قال الرائــد ( أحمد الحسين ) قائد كتيبة المشاة المرابطة أمام تل الفرس يومها : هذه أرضهم احتلوها ويفعلون فيها ما يشاءون . وهدد العساكر وضباط الصف بأن من يفتح النار سيحاكم ميدانياً ويقتل في هذا المكان ...

وبالطبع لم يكن الخندق متصلاً في كل الأماكن، هناك ثغرات، لكن هذه الثغرات نسجت بحقول الألغام، ومحمية بنيران العدو من التحصينات المواجهة في أرض الجولان ...

لذلك سمعت من بعض العسكريين المشاركين في الحرب أن هذا الخندق اللعين دمـر نصف القوات التي بدأت الهجوم ، وخاصة الدبابات والسيارات الكبيرة ... وتمكـن النصف الآخر من تجاوز الخندق ووصل إلى الساحل الشمالي لمياه طبريا، وحدثني أحد ضباط الصف أنه ملأ وعاء من ماء طبريا ...

لكن القوات السورية التي تجاوزت الخندق ودخلت الجولان، لم تقض ِ على القلاع الحصينة التي بناها العدو الصهيوني في الجولان، وقد خطط العدو الصهيوني دفاعه على أســـاس هذه ( الـدشــم ) الحصينة، { لايقاتلونكم إلا من وراء جـدر }، كالتي داخل تل الفرس، وتل القلع، وغيرهما، بحيث فرغوا جوف التل وملأوه بالأسلحة، وصبوا فوقها الاسمنت المسلح، ومن ثم أعادوا التراب فوقها، وكانت هذه القلاع الحصينة شبيهة بخط بارليف، إلا أنها متفرقة، وفيها من المؤن والذخيرة والأدوية ما يكفي بضعة أيام ريثما تأتي القوات من داخل الأرض المحتلة، وكانت العقيدة الصهيونية تقوم على تمركز القوات في وسط الأرض المحتلة، والاكتفاء بهذه النقاط الحصينة، مثل خط بارليف مع مصر، وهذه الدشـم مع سوريا، التي تستطيع أن تشغل العدو بضعة أيام ريثما تتحرك القوات من وسط الأرض المحتلة إلى الغرب مع مصر أو الشمال مع سوريا، أو الشرق مع الأردن ...ولاغرابة أن تجد مظلياً صهيونياً يقول أنه قاتل في حرب الأيام الستة في حزيران (1967م) على الجبهات الثلاث، مصر والأردن وأخيراً سوريا ....

*    *    *

جاء الهجوم في (6) تشرين الأول‌/أكتوبر الواقع في(10) رمضان 1973 الذي وافق في تلك السنة عيد يوم الغفران اليهودي. في هذا اليوم تعطل أغلب الخدمات الجماهيرية، بما في ذلك وسائل الإعلام والنقل الجوي والبحري، بمناسبة العيد. وقد وافق عيد الغفران يوم العاشر من رمضان.

تلقت الحكومة الإسرائيلية المعلومات الأولى عن الهجوم المقرر في الخامس من أكتوبر ( تشرين ) فدعت رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير بعض وزرائها لجلسة طارئة في تل أبيب عشية العيد، ولكن لم يكف الوقت لتجنيد قوات الاحتياط التي يعتمد الجيش الإسرائيلي عليها.

في الساعة الثانية من يوم (6) اكتوبر تم تشغيل صافرات الإنذار في جميع أنحاء إسرائيل لإعلان حالة الطوارئ، واستأنف الراديو الإسرائيلي الإرسال رغم العيد، وكان متوقفاً لأجل العيد . وبدأ تجنيد قوات الاحتياط بضع ساعات قبل ذلك مما أدى إلى استئناف حركة السير في المدن مما أثار التساؤلات في الجمهور الإسرائيلي . ماذا جرى !!؟ لماذا قطعوا العيد !!؟ وبالرغم من توقعات المصريين والسوريين، كان التجنيد الإسرائيلي سهلاً نسبياً إذ بقي أغلبية الناس في بيوتهم أو احتشدوا في الكنائس لأداء صلوات العيد. ولكن الوقت القصير الذي كان متوفراً للتجنيد وعدم تجهيز الجيش لحرب منع الجيش الإسرائيلي  من الرد على الهجوم المصري السوري المشترك في الحال .

في يوم (6) اكتوبر استسلمت حامية جبل الشيخ الصهيونية، وقد احتلوا هذا الموقع الحصين والاستراتيجي عام (1967)، وواصل السوريون هجومهم ليلاً مستفيدين من الأشعة تحت الحمراء التي زودت بها دباباتهم وسائر آلياتهم . وفي يوم (7) قرر موشي دايان تخفيف الاهتمام بالجبهة المصرية، وتركيز الاهتمام على الجبهة السورية، خلاف عادة الصهاينة حيث ركزوا على مصر في حرب (1967) حتى انتهوا منها ثم توجهوا إلى الأردن، ومن بعده سوريا، لكنهم في هذه المرة ونتيجة للضغط الذي شكلته الجبهة السورية، أعطى موشي دايان الأفضلية للجبهة السورية وكان ذلك .

وحتى يوم (9) ويوم (10) كانت الأفضلية للجبهة السورية، وركز الصهاينة ضغطهم على القطاع الشمالي من الجبهة لأنه مواجه لدمشق العاصمة ..حيث الفرقة التاسعة وغيرها ...

*    *    *

ونتيجة للموقف السيئ الذي تعرضت له القوات السورية في اليوم العاشر من اكتوبر،الخامس للقتال، أرسلت القيادة العسكرية السورية مندوبًا عن العماد مصطفى طلاس وزير الدفاع السوري، للقيادة الموحدة للجبهتين بقيادة المشير أحمد إسماعيل تطلب زيادة الضغط على القوات الإسرائيلية على جبهة قناة السويس لتخفيف الضغط على جبهة الجولان، فطلب السادات من إسماعيل تطوير الهجوم شرقًا لتخفيف الضغط على سوريا، فأصدر إسماعيل أوامره بذلك على أن يتم التطوير صباح 12 أكتوبر، وهو ما عارضه الشاذلي بشدة، معتبرًا أن أي تطوير خارج نطاق الـ12 كيلو التي تقف القوات فيها بحماية مظلة الدفاع الجوي، معناه أننا نقدم قواتنا هدية للطيران الإسرائيلي.

وبناء على أوامر تطوير الهجوم شرقًا هاجمت القوات المصرية في قطاع الجيش الثالث الميداني، واللواء الثالث المدرع .

وفي قطاع الجيش الثاني الميداني هاجمت الفرقة 21 المدرعة،وعلى المحور الشمالي لسيناء هاجم اللواء 15 مدرع في اتجاه الشرق .

وكان الهجوم غير موفق بالمرة كما توقع الشاذلي، وانتهى بفشل التطوير، وخسرت القوات المصرية ( 250 ) دبابة من قوتها الضاربة الرئيسية في ساعات معدودات من بدء التطوير للتفوق الجوي الإسرائيلي.

وبنهاية التطوير الفاشل أصبحت المبادأة في جانب القوات الإسرائيلية التي استعدت لتنفيذ خطتها المعدة من قبل والمعروفة باسم " الغـزالــة " للعبور غرب القناة، وحصار القوات المصرية الموجودة شرقها.

*     *    *

ونظراً للدعم الأمريكي اللامحدود الذي تلقته إسرائيل، ومنه الجسر الجوي الذي نقل الأسلحة الأميركية من مستودعات حلف الأطلسي في أوربا إلى ميدان المعركة مباشرة، وربما جاءت الدبابات بطواقمها لتنزل من الطائرة إلى الهجوم مباشرة .

وبدأت قوات الصهاينة تركز مجهودها لإحداث اختراق على الجبهة المصرية اعتباراً من يوم 15 أكتوبر ودفعت بـ1200 دبابة في المنطقة الفاصلة بين الجيشين الثاني والثالث اعتماداً على صور الأقمار الصناعية وطائرات الاستطلاع الأمريكية الني أمدتها بأوضاع مفصلة لقواتنا.


-
خلال ليلة 15/16 أكتوبر تمكنت قوة برمائية إسرائيلية من العبور للغرب شمال البحيرات المرة عند نقطة الدفرسوارمستغلة انتشار الأشجار والمباني بتلك المنطقة بدأت مهاجمة قواعد الصواريخ المصرية لتحدث ثغرة في حائط الصواريخ لصالح الطيران الإسرائيلي

- وعلى مدى ثلاثة أيام تمكن العدو من دفع أكثر من أربعة ألوية خلال ثغرة الدفرسوار؛في محاولة للاستيلاء على إحدى المدن الرئيسية على القناة فبدأ بالإسماعيلية ولكن الطريق إليها لم يكن مفروشا بالورود بل كان قطعة من جحيم نيران المدفعية والطائرات المصرية بالإضافة لكمائن الصاعقة وحقول الألغام.

وثغرة الدفرسوار، أو الثغرة، هو المصطلح الذي أطلق على حادثة أدت لتغيير مسار الأحداث في حرب أكتوبر، كانت في نهاية الحرب، حينما تمكن الجيش الإسرائيلي من تطويق الجيش الثالث الميداني من خلال ما عرف بثغرة الدفرسوار، وكانت بين الجيشين الثاني والثالث الميداني .

وكانت الثغرة كنتيجة مباشرة لأوامر الرئيس السادات بتطوير الهجوم شرقاً نحو المضائق، استجابة لإلحاح القيادة السورية التي ضغطت عليها القوات الصهوينة وركزت جهودها القتالية عليها، وخالف السادات تحذيرات القادة وأخرج القوات خارج مظلة الدفاع الجوي المصرية، فأصبحت هدفاً سهلاً للطيران الإسرائيلي، وبالفعل صباح يوم 14 أكتوبر 1973 تم سحب الفرقتين الرابعة والواحدة والعشرين وتم دفعهما شرقاً نحو المضائق، وكانت أول النتائج المباشرة هي تدمير 250 دبابة مصرية بكامل أطقمها في أول ثلاث ساعات من بدء التطوير، وهو ما تم اعتباره ضربة موجعة للمدرعات المصرية

*    *    *

كان قائد الجيش الثاني الميداني، اللواء سعد الدين مأمون، قد أصيب بنوبة قلبية، ظهر يوم 14 أكتوبر، ونقل إلى مستشفى القصاصين العسكري، ومنها إلى مستشفى المعادي العسكري بالقاهرة، ووضع تحت الرعاية الطبية المكثفة. ولم يكن بالطبع من الممكن ترك قيادة الجيش بدون قائد، خاصة في وقت حرج، لذلك عينت القيادة العامة بدلاً منه قائد المنطقة المركزية العسكرية، اللواء عبدالمنعم خليل، وكان قد ترك قيادة الجيش الثاني الميداني منذ أقل من عامين.

وصل اللواء عبد المنعم خليل، إلى مركز قيادة الجيش الثاني، في الإسماعيلية، مساء يوم 16 أكتوبر، وكانت القوات الإسرائيلية، قد بدأت ضغطها، على اللواء 16 المشاة، في الشرق، لفتح طريق الطاسة ـ الدفرسوار، وقد نجح اللواء الصهيوني المظلي، ومعه 30 دبابة إسرائيلية من مجموعة عمليات شارون، في العبور غرباً، بالمعديات والقوارب المطاطية. وقبل أن يستوعب قائد الجيش الثاني الجديد موقف وحداته، كانت القوات الإسرائيلية غرب القناة قد بدأت في مهاجمة قواعد صواريخ الدفاع الجوي المصرية وتدميرها، وكانت تعمل في مجموعات صغيرة، تتجول بحرية، متخذة من الأشجار الكثيرة في المنطقة المزروعة، غرب القناة ستاراً لها، وتظهر فجأة خارجها لتدمر هدفها ثم تختفي داخل الأشجار مرة أخرى، مما صعب معه تحديد حجم الدبابات في الغرب ومكان تمركزها.

ظهر يوم 16 أكتوبر كلفت كتيبة صاعقة، من المجموعة 129 صاعقة، احتياطي الجيش الثاني الميداني، بالتقدم في اتجاه الدفرسوار وأبو سلطان، لتدمير الدبابات الإسرائيلية السبع التي نجحت في التسلل إلى غرب القناة (كما كان يظن حتى هذا الوقت)، وقد تمكنت إحدى سرايا الكتيبة من تدمير 5 دبابات رغم خسائرها الكبيرة في الأفراد والضباط.

كانت مجموعة شارون قد انتشرت شمال الدفرسوار، في مجموعات قتال بالكتائب، وبدأت في الضغط في اتجاه الإسماعيلية، مدمرة كل ما تجده أمامها، كانت أوامر شارون، يوم 18 أكتوبر، لقائد اللواء المظلي التابع له، ضرورة الاستيلاء على سرابيوم، حتى يمكن أن يدفع قواته شمالاً للوصول إلى الإسماعيلية، هدفه الرئيسي. كلف قائد اللواء المظلي، إحدى كتائبه بمهاجمة الدفاعات حول سرابيوم والاستيلاء عليها، إلا أن كمائن قوات الصاعقة المصرية، من المجموعة 129 صاعقة تصدت لها. وكبدتها خسائر جسيمة، فانسحبت جنوباً، بعد فشلها في المحاولة الثانية .

*     *      *

ـ 10 ـ

استلم العقيد حسين عبد التواب المهمة من قائد الجيش الثاني الذي قال له :

نحن كما ترى في حالة لانحسد عليها، وقد اخترتك بناء على معرفتي بتاريخك البطولي ؛ لتقوم بمهمة مقدسة، سيسجلها التاريخ بماء من ذهب .

ـــ  نسأل الله أن يكتب ذلك في صحائف أعمالنا يوم القيامة، وأن يرزقنا الشهادة بعد أن نؤدي المهمة وننفذها على أتم وجه .

ـــ المهمة هي التصدي للدبابات الصهيونية المتوجهة نحو الإسماعيلية، وتدميرها وعدم السماح لها بدخول الإسماعيلية، وجرت العادة أن الدبابة تقابلها دبابة مثلها، وعندما لاتتوفر الدبابة فإن قواذف ( آربجي ) وصواريخ ( مالوتكا ) بالإضافة إلى شجاعة المقاتل واستبساله، فإنها تواجه الدبابات وتصدها ... ويبدو أن شارون مصمم على دخول الإسماعيلية ... فلنرده خاسئاً وهو حسير .

وخرج العقـيد حســــين متوجهـاً إلى كتيبته، التي ألحق عليها ســريــة الصــواريـــخ ( مالوتكا )  المضادة للدبابات، وتنقسم سرية المالوتكا إلى ثلاث فصائل، في كل فصيلة ثلاث جماعات، وتتكون الجماعة من عنصرين أحدهما يحمل قاعدة الإطلاق، والآخر يحمل صاروخين، يبلغ طول الصاروخ الواحد نصف متر تقريباً .

ويتميز هذا الصاروخ بدقة إصابة الدبابة لأنه مربوط بسلك طوله ( كيلومتر واحد ) كما أذكر، ويستطيع الرامي التحكم باتجاه الصاروخ بعد انطلاقه، ولذلك إصابته محققة تقريباًَ ...

وقـف العقــيد حسين أمام ســـرية صواريخ المالــوتكا، وســـرية المشـــاة  (الصاعقة) ، ورماة ( الآربجي ) فحمد الله،وذكر الجنود بالجهاد في سبيل الله، وما أعد الله في الجنة للشهداء من نعيم مقيم، وقال :

سأكون معكم، وسأقذف بعض الصواريخ بنفسي أحتسب فيها الأجر عند الله عــزوجـل، ســـوف نكمن في تلك الغابــة، حيث أن دبــابات الصهــاينة التي يقودها( شارون ) ستمر من هنا، متجهة نحو الإسماعيلية، وإن شاء الله لن يـمروا مادامت فينا حياة ... الثبات والهدوء، والتسديد بدقة، ومسافة الألف متر تنتهي عند تلك الأشـــــجار أمامكم، فلا ترموا قبل ذلك، ارمـوا على مئات الأمتار ...والأبطال رماة ( الأربجي ) سيكونون خلفنا، يقنصون الدبابة التي تفلت منا، والأبطال المشاة سيصبون نيران رشاشاتهم على الدبابة التي أصيبت لقتل سدنتها وهم يخرجون منها  ...

هل من سؤال ؟ كل بطل عرف مهمته ؟ سيروا على بركة الله ...ومشت هذه المفرزة الصغيرة والعقيد حسين يردد { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } ... حتى دخلت في غابات النخيل جنوب الإسماعيلية وانتظرت دبابات العدو ...

*     *    *

كان الجنرال شارون متهيئاً منذ بداية الحرب التي بوغتت فيها إسرائيل لأول مرة، وتلقت ضربات موجعة من الجبهتين السورية والمصرية، كان متهيئاً ليسجل فوزاً تاريخياً ينقله من السلك العسكري حيث التراب والحجارة وشظف العيش إلى السلك السياسي حيث الفنادق ذات النجوم الخمسة، والسكرتيرات الجميلات يملأن صالات الانتظار قبل الدخول إلى مكاتب كبار المسؤولين، لذلك خطط لاجتياز القناة منذ أيام المعركة الأولى، ومع أن دايان وجه ثقل الجيش الصهيوني نحو الجبهة السورية في الأيام الأولى للحرب، إلا أن شارون بقي يخطط لاختراق الجبهة المصرية، وقرأ خرائط الأقمار الصناعية الأمريكية، ورأى الثغرة بين الجيشين الثالث والثاني المصريين، عند البحيرات المـرة، ومنها يستطيع الدخول بدبابات برمائية إلى الدفرسوار .

قام شارون بنفسه يستطلع الطريق وسط صحراء سيناء، واصطحب معه شاحنة فيها لبنات من الطوب الأحمر، كان يضعها علامات على أقصر طريق يوصله إلى البحيرات المـرة، كما اصطحب معه كبار ضباط فرقتـه التي غيرت مجرى الحرب بعد أن ركب السادات رأسـه وخالف العسكريين وحرك وحدات الدبابات غرب القناة التي كانت تحمي منصات الصواريخ، صواريخ سام التي منعت الطيران الصهيوني لأول مرة من السيطرة على سماء المعركة، حركها السادات لتطور الهجوم شرق القناة، وتخفف الضغط عن السوريين بناء على إلحاح حافظ الأسد ، ويجب أن يسجل التاريخ أن إلحاح حافظ الأسد على السادات من أجل تطوير الهجوم على الجبهة المصرية؛ لتخفيف الضغط على الجبهة السورية ، فاستجاب السادات وركب رأسه وخالف العسكريين ونفذ ماطلبه حافظ الأسد ؛ فانقلب النصر في حرب اكتوبر إلى هزيمة بعد ثغرة الدفرسوار ... وقرر شارون أن يدخل بدباباته إلى منصات الصواريخ غرب القناة ويدمرها ...

ونفذ شارون ما رسمه في ذهنه وعلى خريطة المعركة مع كبار ضباط فرقته، ووصل بدباباته إلى الدفرسوار ... وهاهو على بعد بضعة عشر كيلومترات عن مدينة الإسماعيلية، وحلم احتلال الإسماعيلية يداعب شارون منذ سنين، فهي من أقدم وأكبر مدن قناة السويس، وتاريخها حافل بمقاومة الغـزاة لذلك اتخذ قراره بالهجوم على الإسماعيلية ...

ـــ يجب أن نحتل الإسماعيلية اليوم وننام فيها هذه الليلة، قال شارون مخاطباً ضباطه وقد اصطفوا أمام دباباتهم ينتظرون الأوامر. وتابع شارون : سوف نتحرك شمالاً، لنمر بالقرب من غابة النخيل، ونحذر من الكمائن فيها، ونسير بسرعة عالية، كي يصعب عليهم قنصنا ... ثم لوح بيديـه في الهواء وصعد دبابته وتحرك الصهاينة نحو الإسماعيلية .. وكان العقيد حسين عبد التواب يتنصت عليه بجهاز اللاسلكي ...وقد درب هو وآخرون على فهم اللغة العبرية ....

*      * *

ـــ  تحركوا الآن وهم على مسافة خمسة كيلومترات ، ويتوقع أن يصلوا خلال ربع ساعة، استعدوا وهيأوا الصواريخ، واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون . قال العقيد حسين من خلال جهاز اللاسكلكي .

وتهيأ أبطال المالوتكا يرصدون الأفق الذي ينتظرون منه ظهور دبابات الصهاينة، وبعد دقائق ظهرت بضع دبابات كأنها تتسابق في سرعتها، والغبار يملأ الجـو، فسدد رماة ( المالوتكا ) وأطلقوا صواريخهم، وتابعوها بأعينهم حتى أسكنوها دبابات العدو فاحترقت تلك المجموعة كاملة، وفتح الجنود أبوابها ليهربوا منها ؛ فانهالت عليهم زخات الرصاص من رشاشات المشاة، وأردتهم مضرجين بدمائهم حول دباباتهم التي هربوا منها ...

ـــ قفوا ...قفوا .... قفوا ... صرخ شارون مذعوراً، وتأخر عن مكانه حيث كان في منتصف الرتل، عاد إلى الوراء لما رأى الموت يحصد الصهاينة الأنذال ....

ـــ العدو كامن في هذا البستان أمامكم، ويجب أن نهجم عليهم مباشرة، فندوسهم بدباباتنا وهم أحياء ... إلى الأمــــام .... يجب أن نسير بأقصى سرعة، وزمجرت دبابات الصهاينة متوجهة نحو الكمائن،،،، وهذه خطة انتحارية تقضي على العدو غالباً ، لكن تقضي على المهاجم أيضأً ، وإذا تبقى بعض المهاجمين يحصدون النصر ...

اسـتعد رماة الأربجي، ليقذفوا دبــابات العـدو على مسافات قـربية جداً، وأبــلى رماة ( المالوتكا ) بلاء حسناً، ودمروا عشرات الدبابات، كما استبسل قواذف الأربجي ودمروا عشرات الأهداف ، واستلم العقيد حسين قاذف الأربجي بيده ورمى عدة دبابات على مسافة (300) م فقط، كانت تحترق، ويهرب منها الجنود، والعقيد حسين يصيح : مشاة أيها الأبطال احصدوهم، وكوموهم أمام دباباتهم التي نزلوا منها، واستبسل المشاة، كما استبسل قواذف الأربجي، كما استبسل رماة المالوتكا ورموا كل عدو  يأتي على مسافة بضع مئات من الأمتار ....

ـــ دمـر نصف اللواء سيدي الجنرال شارون ، ولم نعد قادرين على التقدم ....

ـــ ارجع يا شارون، ارجع لا نريد الاسماعيلية، ارجع خسارتنا كبيرة جداً، من أجل طموحك السياسي يا شارون، خسرنا نصف اللواء ....

ـــ لن أرجع قبل أن أرى طائرات الفانتوم تقصف هذا البستان وتحرقه، وتحرق من فيه من جنود العدو الذين دمروا نصف لوائنا، ,وأوقفوا هجومنا على الإسماعيلية

ـــ سنطلب الطيران حالاً من أجلك ...

وبعد دقائق كانت ثلاث من طائرات الفانتوم، ترمي حمم النابالم والقذائف العنقودية على البستان، فأصيب العقيد حسين إصابة بالغة، وطلب من نائبه الرائد أن يسحب ما تبقى من الكتيبة حفاظاً على حياتها، إلى بستان آخر قريب من الإسماعيلية ....

كما طلب شارون من قواته التراجع عن الإسماعيلية، وطلب طائرات عمودية ، ليجمع الجرحى وجثث القتلى المتناثرة ، بعد أن انسحبت كتيبة الصاعقة المصرية من المكان ...

وبعد أن حلقت الطائرات العمودية الصهيونية تحمل القتلى والجرحى الصهاينة، وصلت سيارة الإسعاف الميداني، لتنقل الجرحى المصريين، وعلى رأسهم العقيد حسين عبد التواب ...

*       *        *

ارتفعت معنويات الجيش المصري، بعد أن شاع الخبر بأن كتيبة الصاعقة المصرية بقيادة العقيد حسين عبد التواب، صدت هجوم شارون، وكبدته خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، حتى رجع عن أحلامه في احتلال الإسماعيلية .

*     *    *

وصل العقيد حسين إلى مشفى العجوزة العسكري، بعد ساعات طويلة، نزف فيها كثير من دمـه، فقاموا على الفور بنقل كمية من الدم له، ومازال ممدداً على سرير غرفة العمليات، وحوله الجراحون يخرجون من جسمه شظايا القنابل العنقودية السامة والمحرمة دولياً ....

وعلى إثر الخسائر الكبيرة لكتيبة الصاعقة بقيادة العقيد حسين عبد التواب، والتي انسحبت من المعركة، استدعيت كتيبة مظلية، من قاعدتها شرق القاهرة، وكلفت بالعمل تحت قيادة الفرقة 23 المشاة الآلية في المنطقة غرب أبو سلطان. وقد كلفها قائد الفرقة، بمهاجمة دبابات العدو في الدفرسوار وتدميرها، واحتلال وتأمين مرسى أبو سلطان ومطار الدفرسوار، ودعمت ببعض الدبابات، التي لم تستطع التقدم مع القوة المظلية المترجلة، واضطرت للالتفاف من الممرات التي تسمح لها بالحركة على اتفاق بالتقابل غرب المطار، ولكن كليهما اضطر للاشتباك مع قوة إسرائيلية قابلته، وحدث بهما خسائر كبيرة، واضطرت للانسحاب غرباً تحت ستر نيران مدفعية الجيش الثاني الميداني، التي كانت تعاونهما في ذلك الوقت.

كان قائد الجيش الثاني، والقيادة العامة كذلك، قلقاً من أعمال قتال مفارز الدبابات الإسرائيلية، التي تهاجم قواعد الصواريخ ( أرض ــ جو) غرب القناة وتدمرها، مع عدم وجود وحدات مضادة للدروع في الغرب.

كان الهدف الرئيسي للعمليات الإسرائيلية في الغرب، فتح ثغرة في نظام الدفاع الجوي، تسمح للطائرات الإسرائيلية العمل بحرية أكثر، وحصار قوات الجيش الثالث الميداني في الشرق، والاستيلاء على مدينة السويس، الذي يرتبط اسمها بقناة السويس، مما يمكن استغلاله عالمياً، إعلامياً.

وكان شارون يسابق الزمن، ليستولي على مدينة الإسماعيلية، قبل وقف إطلاق النار، والذي أصبح وشيكاً، وكان يريد تحقيق شهرة، باحتلاله مدينة مصرية غرب القناة، لذلك، أمر قادة وحداته المدرعة، ضرورة تحطيم المقاومات المصرية أمامهم بسرعة.

ظن شارون أن طريقه إلى الإسماعيلية، أصبح خالياً من أي قوات أو مقاومة مصرية، بعد انتهاء وحداته من الاستيلاء على مواقع المظليين المصريين، إلا أن الوحدات المدرعة الأمامية، اصطدمت فجأة بكمائن عديدة في المناطق الشجرية، جنوب الإسماعيلية، صباح يوم 22 أكتوبر، وكانت الكمائن المصرية منتشرة على مواجهة كبيرة وبعمق، ولم ينج من الدبابات الأمامية أحد، كان يحتل المنطقة مجموعة من الصاعقة الرقم 129 التابعة للجيش الثاني الميداني، وقد نظمت أعمال قتالها وفقاً لتكتيكات الصاعقة التي دربوا عليها، مستغلين طبيعة الأرض الشجرية وكثرة القنوات المائية التي تحد من مناورة وسرعة الدبابات.

أدى عنف قتال مجموعات الصاعقة، إلى توقف قوات شارون، جنوب الترعة الحلوة، ولم تتمكن من العبور شرقها، واستمرت وحدات شارون تحاول الاقتراب من جنوب ترعة الإسماعيلية لعبورها والاستيلاء على المدينة، وعاونته الطائرات الإسرائيلية بهجمات عنيفة على المدينة، وأعطبت كل كتائب صواريخ الدفاع الجوي في قطاع الجيش الثاني الميداني .


بعد الغروب بقليل، وفي الساعة السادسة والدقيقة الثانية والخمسين يوم 22 أكتوبر، كان موعد سريان وقف إطلاق النار، طبقاً لقرار مجلس الأمن الرقم 338. لكن إسرائيل لم تتقيد بالقرار كعادتها ....

انشغلت وحدات شارون في جمع قتلاها وجرحاها، حيث تعذر إرسال طائرات عمودية لإخلائهم للخلف، لخطورة الموقف في المنطقة، ولم يتمكن شارون من تحقيق حلمه بالشهرة، على حساب مدينة الإسماعيلية .

*     *    *

وعلى الجبهة السورية التي ركز عليها موشي ديان، حتى جعل الأسد يصيح ويستغيث، ويلح على السادات بتطوير الهجوم شرق القناة، كي يخففوا الضغط عن الجبهة السورية، وفي تلك اللحظات الحرجة وصل الجيش العراقي البطل .

فمنذ السابع من تشرين الأول قررت القيادة العراقية دفع القطعات العراقية إلى جبهة الجولان وكانت أولى الفرق هي الفرقة المدرعة الثالثة .. وكانت هذه الفرقة تشكل جزءا من القبضة الفولاذية الضاربة للقوات المسلحة العراقية، ويعتبر اللواء المدرع الثاني عشر أوفر القطعات حظاً، فلقد تم اختياره ليكون أول الألوية المدرعة يصل الجبهة السورية فمنح بذلك الشرف ليكون أول لواء مدرع عراقي يصطدم مع القوات الإسرائيلية على ارض الجولان العربية ، وهذا يعني أن العراق زج بأفضل قواته في المعركة ، أما حافظ الأسد فدائماً يزج القوات الاحتياطية أولاً ، ويترك القوات الضاربة للنسق الثاني ، وبعضها مثل سرايا الدفاع يبعدها عن المعركة ليوفرها لحماية النظام والكرسي ، وهو أهم عنده من الأرض العربية  ..

وفي يوم 8/ 10 بدأت حركة جحفل هذا اللواء الذي وصل إلى جبهة القتال بعد أن قطع مسافة 1350 كم في يوم واحد .. أما اللواء المدرع السادس مع اللواء المشاة الآلي المنقول على عجلات آلية فقد قطعا مسـافة 1100 كم في يوم واحد أيضا ..وفي يوم /10 بدأت طلائع هذه القوات بالوصول إلى دمشق و توجهت إلى الجبهة مباشرة، بعدها توالى وصول باقي القطعات وإشراكها فورا في العمليات القتالية ....

بعد لقاء القادة العراقيين والسوريين وبدء عمليات الاستطلاع وتنسيق الجهود وتوزيع المهام والواجبات حسب الخطط التي أعدتها القيادة السورية بدأت المعارك في مواجهة القوات الإسرائيلية وكانت أولى معارك الجيش العراقي هي معركة اللواء المدرع 12، فقد كان الإسرائيليون قد خططوا لاحتلال مجموعة التلال المتممة لهضبة الجولان والقيام بعملية التفاف حول دمشق .. وكانت الفترة الحرجة قد بدأت يوم 11/ 10 ( وهو يوم تكامل جحفل اللواء المدرع 12 ) وفي 12 /10 شرع اللواء بعملياته العسكرية ونجح في إيقاف اندفاع الإسرائيليين نحو دمشق.

وهكذا منع أبطال العراق الصهاينة من دخول دمشق، أو الالتفاف عليها من الشرق .... بينما وقف حافظ الأسد مع القوات الأمريكية والامبريالية ضد الجيش العراقي الذي أنقذ كرامة سوريا في حرب (1973) ،وقف مع الامبريالية ضد العراق العربي عام (1991) في معركة عاصفة الصحراء ....
وفي صباح 13 / 10 انسحب العدو الصهيوني باتجاه ( ماعص ) واستأنفت مجموعات اللواء تقدمها رغم شدة نيران المدفعية والصواريخ الموجهة والهاونات الإسرائيلية التي كانت تطلق من سفوح  تل الشعار ..
حشد العدو دباباته ومدافعه، واستمر القتال ثلاثة أيام تكبد فيها الإسرائيليون خسائر في الدبابات والتجهيزات والأشخاص

وبلغت حشود الإسرائيليين استعدادا لمعركة كفر ناسج، و تمكنت القوات العراقية من مهاجمة القوات الإسرائيلية قبل أن تنهي استحضاراتها للهجوم على طريق ( دمشق – الشيخ مسكين وقطعه لعزل سوريا عن الأردن( ..
وانتهت المعركة بوقوع إصابات كبيرة بالقوات الإسرائيلية واستنزفت طاقتها الهجومية وأحبطت مـساعيها في الوصول إلى طريق ( دمشق – الشيخ مسكين .(

وفي 12/ 10 / 1973 كلف أحد الأفواج الجبلية العراقية باحتلال موضع دفاعي في قاطع الحدود السورية – اللبنانية ثم في الساعة 1900 صدر الأمر بتخصيص فوج جبلي آخر لتعزيز القوات الخاصة السورية ..في جبل الشـــيخ ...
وفي نفس اليوم بدأ العدو بالتركيز على القوات السورية في ( جبل الشيخ ) وانزل قوات خاصة بالهليوكوبتر ثم قدم رتلا ارضيا في منطقة ( العقبات ) كما قامت القوات السورية من جانبها بإنزال قوات خاصة في ( جبل الشيخ )...

وقامت القوات الجبلية  العراقية باحتلال منطقة ( عرنة – ريما ( وتغلبت على      ( العقبات ).. واشتركت في عملية دفع العدو بالتعاون مع القوات السورية ..
ولما أكملت الوحدات انفتاحها بالساعة 0430 من يوم 23/ 10 / 1973 ركز العدو قوته النارية على القوات العراقية في الوقت الذي ظلت بقية الجبهة هادئة بسبب وقف اطلاق النار الذي أعلن عنه يوم 22 / 10 / 1973 ..

وما إن تكاملت تشكيلات الفيلق المدرع العراقي حتى قررت القيادة العراقية القيام بالهجوم الشامل يوم 23/ 10 / 1973 ولكن في هذا اليوم طلبت القيادة السورية من القوات العراقية بإرجاء تنفيذ الهجـــوم يوما واحدا، ولما حل يوم 24 / 10 /1973 أعلنت القيادة السورية قبولها وقف إطلاق النار اعتبارا من نفس اليوم المذكور ..

أرسل العراق (60000 ) مقاتل و(700 ) دبابة و(500 ) مدرعة و(73) طائرة.

و قد وعدت بإرسال الآتى : سربي هوكر هنتر إلى مصر، وسربي ميج 21 إلى سوريا، وسربي ميج 17 إلى سوريا.

ووصلت مصر طائرات الهوكر هنتر و لكن سرب واحد قبل الحرب أما ال4 أسراب الأخرى فوصلت لسوريا بعد نشوب الحرب بأيام .


وبقبول سوريا قرار وقف إطلاق النار أصبح موقف القوات العراقية محرجاً لعدم إقرار العراق للهدنة، كما فعل في حرب 1948، وعلى هذا الأساس قرر العراق سحب القوات البرية والجوية بعد أن أدت واجبها القومي على أفضل ما يكون.

.. و لا ننسى ذلك الاستقبال الرائع الذي كان يستقبل به أهلنا في سوريا إخوانهم وأبناءهم من أبطال الجيش العراقي وهم يتوجهون إلى جبهات القتال وبالزغاريد بعد عودتهم منها وهم يحملون أكاليل الغار والنصر .
ولاننس أن حافظ الأسد رد الجميل !!! للأخوة العراقيين مرتين الأولى خلال الحرب العراقية الإيرانية، فقد وقف علناً مع إيران الفرس ضد العراق العربي و( البعثي ) أيضاً، وسمح للطائرات الإيرانية التي تقلع من إيران فتقصف العراق، ثم تهبط في سوريا لتتزود بالوقود والصواريخ لتقذف ثانية في طريق عودتها ....

والمرة الثانية عندما وقف جيش حافظ الأسد مع القوات الأمريكية والإمبريالية في حفر الباطن ضد الجيش العراقي العربي و( البعثي ) أيضاً ...وقف حافظ الأسد مع أمريكا التي ربانا على كرهها، وأنها مصاصة دماء الشعوب، وقف معها ضد رفاقه البعثيين في العراق الشقيق ....

مرتان يقف حافظ الأسد علناً ضد العراق الذي حمى دمشق من دخول الصهاينة في حرب تشرين (1973) ....وهكذا يرد حافظ الأسد الجميل!!! ....

*     *         *

وعلى الساحة المصرية ، اكتشفت طائرات الاستطلاع الإسرائيلية وجود ثغرة بين الجيش الثالث في السويس والجيش الثانى في الإسماعيلية ، وتم الاختراق من قبل القوات الإسرائيلية عند الدفرسوار ، وطالب الفريق سعد الدين الشاذلي أن يتم سحب الفرقة الرابعة واللواء 25 المدرع من نطاق الجيش الثالث ودفعهما لتصفية الثغرة في بداياتها ، ولكن الرئيس السادات عارض الفكرة بشدة . مما يجعل المـرء يشكك في نزاهة السادات الوطنية ، أو لوثة في عقله ، تجعله يظن نفسه أكثر معرفة بالحرب من جنرالات الحرب ....

ازداد تدفق القوات الإسرائيلية ، وتطور الموقف سريعاً ، إلى أن تم تطويق الجيش الثالث بالكامل في السويس ، ووصلت القوات الإسرائيلية إلى طريق السويس القاهرة ، ولكنها توقفت بعد أن هدد الاتحاد السوفيتي بالتدخل المباشر في الحرب ، وبعد ذلك تقرر وقف إطلاق النار .

كانت هناك إنجازات ملموسة في الأيام الأولى بعد شن الحرب ، حيث توغلت القوات المصرية (20 كم) شرق قناة السويس، وتمكنت القوات السورية من الدخول في عمق هضبة الجولان. أما في نهاية الحرب فانتعش الجيش الإسرائيلي وتمكن من تطويق الجيش الثالث الميداني مما أدى إلى انكشاف حائط الصواريخ التي كانت تمنع الطيران الإسرائيلي عن سماء المعركة، فعاد الطيران الصهيوني , وعادت حليمة إلى عادتها القديمة ، حيث الغلبة لطائرات الصهاينة ؛ مما أدى إلى نجاح القوات الإسرائيلية في تدمير هذا الحائط من خلال ما عرف بثغرة الدفرسوار ، وكانت بين الجيشين الثاني والثالث الميداني امتدادا بالضفة الشرقية لقناة السويس.

وانتعش الجيش الإسرائيلي في نهاية الحرب بعد أن ألح حافظ الأسد على أنور السادات ليطور الهجوم شرق القناة ، لتخفيف الضغط عن الجبهة السورية التي ركز عليها ديان في بداية المعركة على غير عادة ، فسحب السادات الوحدات المكلفة بحماية بطاريات الصواريخ ( سام ) غرب القناة ، والتي منعت الطيران الصهيوني لأول مـرة من الســـيطرة على ســـماء المعركة ....

*     *     *

كان إيقاف إطلاق النار يوم 28 أكتوبر 1973، نتيجة تصاعد المواجهة بين الدولتين العظميين، وتهديد كل منهما بالتدخل في الشرق الأوسط عسكرياً، فقد هدد الاتحاد السوفيتي بإرسال قواته إلى مصر لإجبار إسرائيل على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة الثلاث، وشفع تهديده برفع درجات الاستعداد لقواته المنقولة جواً. وقدر الخبراء الأمريكيون، أن الاتحاد السوفيتي لديه الإمكانات والقدرة على نقل 5 آلاف جندي بمعداتهم يومياً. وعلى الفور، هدد الرئيس الأمريكي، بالتدخل عسكرياً ضد الاتحاد السوفيتي، وأتبع ذلك التهديد، بتحريك الأسطول السادس الأمريكي في البحر المتوسط، ليقترب من مسرح الأحداث، ودعمه بعدة حاملات طائرات وسفن سطح أخرى، كما رفع درجة استعداد القواعد الأمريكية في كل أنحاء العالم للدرجة القصوى، وأنذرت الفرقة 82 المحمولة جواً للتحرك الفوري. وأصبح العالم على حافة مواجهة نووية، بسبب عدم تنفيذ إسرائيل لقرارات الأمم المتحدة في وقف إطلاق النار ، واستمرارها في أعمالها القتالية، ومساندة الولايات المتحدة الأمريكية لها.

· فجر يوم 27 أكتوبر، أرسل كيسنجر، رسالة جديدة، يخطر فيها مستشار الرئيس للأمن الوطني، بموافقة إسرائيل على إجراء محادثات مباشرة مع مصر لحل مشكلتي وقف إطلاق النار، وإمداد المحاصرين، على أن تحدد مصر المكان والموعد وممثلها في المباحثات. وبعد مشاورات أخطر كيسنجر باقتراح مصر مساء يوم 27 أكتوبر كموعد للقاء، وأن يتم عند علامة كم (101) طريق القاهرة ـ السويس، تحت إشراف الأمم المتحدة، والسماح لرتل واحد بالمرور بإمدادات غير عسكرية إلى الجيش الثالث، تحت إشراف الأمم المتحدة كذلك، وتعيين اللواء محمد عبدالغني الجمسي ممثلاً لمصر. وقد وافقت إسرائيل بعد ظهر اليوم نفسه على المقترحات المصرية.

بناء على مقترحات الجمسي، عند إخطاره بالمهمة التي كلف بها، تشكل وفد برئاسته، وعضوية العميد فؤاد هويدي من الاستخبارات العسكرية، والمستشار عمر سري من وزارة الخارجية (بصفته مستشاراً فقط). وقد تم الاجتماع الأول، متأخراً عدة ساعات، لمشاكل في التبليغ بين الطرفين، عن طريق الولايات المتحدة الأمريكية، والتي يختلف توقيتها عن توقيت المنطقة.

كان ممثل إسرائيل، الجنرال أهارون ياريف، كما أرسل قائد قوات الطوارئ الدولية، مندوباً عنه ليشرف على المباحثات. وقد حدد ممثل مصر الهدف من الاجتماع، بتنفيذ قراري مجلس الأمن الرقم 338، 339 لذلك فإن النقاط المطلوب الاتفاق عليها هي:

1.
- الفصل بين القوات، حتى تتمكن قوات الطوارئ الدولية من العمل بكفاءة لتثبيت وقف إطلاق النار.

- 2. إمداد مدينة السويس، وقوات الجيش الثالث بإمدادات غير عسكرية، وقد تم الاتفاق على هذه النقطة على المستوى السياسي.

*     *      *

ـــ 11 ـــ

أدخل العقيد حسين عبد التواب العناية المركزة، ومازال في غيبوبة مذ نقل من ميدان المعركة .. وقد أصيب بشظايا القنبلة الضخمة التي قصفتها الفانتوم على كتيبته . وإحدى الشظايا في صدره ، وأخرى في رأسه ....واجتمع حوله عدد من الاستشاريين من تخصصات مختلفة ، عاينوا ووقفوا محتارين ...وكأنهم يقولون حالة ميئوس منها ...

وقع الخبر وقوع الصاعقة على الدكتورة ( سوسن ) ، فأسرعت تبحث عن خطيبها العقيد البطل ....ووصلت قسم العناية المركزة ، وحاول حراس من الجنود منعها من الدخول ، لكنها دفعت الجندي وهالها المنظر ،العقيد حسين عبد التواب مغمى عليه يتنفس فقط ...وبسرعة تناولت الملف لتقرأ فيه بضع ثوان ثم يصعب عليها الوقوف فتسقط على الأرض مغمى عليها ...وتسرع الممرضات فتحملها على السرير المجاور للعقيد حسين ريثما نقلت إلى قسم النساء ...

- مسكينة هذه خطيبته ، عقدوا القران قبل أسابيع ، ويستعدون للزواج ، أعانها الله على تحمل المصيبة  ....

- لما رأت تقرير استشاري المخ والأعصاب سقطت على الأرض ، لأنه يقول بالانجليزية ( حالة ميئوس منها غالباً ) ، لأن شظية دخلت في رأسه ، وغالباً وصلت الدماغ ....

بعد دقائق حمل العقيد حسين إلى غرفة العمليات ، واستعد استشاري المخ والأعصاب ليبدأ عمله ، فإذا وجد خيراً يتبعه استشاري الصدر ...وبعد ساعة واحدة خرج الجراحون كلهم ، بوجوه حزينة ، حتى قال أحدهم : يرحم الله العميد حسين عبد التواب ، كان مسلماً بطلاً ، لايخاف في الله لومة لائم ...بطلاً صد شارون عن دخول الإسماعيلية ، ودمر له نصف اللواء الذي جعله رأس حربة الهجوم  ...

- أجابه زميله هو عقيد أم عميد ؟

- سوف يرفع غداً إلى رتبة العميد ، لأن كل ضابط يستشهد في الميدان يرفع إلى الرتبة الأقدم ...

وبعد يوم واحد ، خرجت الدكتورة ( سوسن ) من المستشفى إلى بيتها ، فلبست الأسود واحتضنتها أمها وهي تبكي :

- مسكينة أمه ، مسكينة أم حسين ، أعانك الله وصبرك ...يا أم العميد حسين عبد التواب ...بدلاً من فرح الزفاف ، هاهو عزاء الموت ...

- العميد حسين شهيد ، لقد قبله الله شهيداً ، وتتسابق عليه حور العين ، اللاتي كبر عليهن أن يتزوج في الدنيا ، فالعميد حسين زوج للحور العين... قال والد الدكتورة (سوسن) ...مواسياً ابنته المفجوعة ....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



 



[1] - خلال خدمتي العسكرية، كنا في ندوة نتحدث فيها عن كيفية زرع الدافعية إلى القتال عند العسكري فقلت لهم : عندنا رصيد كبير جداً، وهو الإيمان بالآخرة والجنة والشهادة في سبيل الله، ومن مات دون أرضه فهو شهيد، وما أعد الله للشهيد في الجنة من الجوائز .....فقاطعني قائد الكتيبة وقال ضاحكاً : هل تريد أن نكذب على العساكر ياملازم خالد ....وضحك الآخرون ...

[2] - خلال خدمتي العسكرية ، تلقيت عدة تحذيرات من قائدالكتيبة لأنني أسهر مع ضباط الصف ، ومعظمهم من المعلمين أمثالي وزملائي ، أما الضابط فيسهرون على المعاصي غالباً .

[3] - هذا سمعته بإذنيّ منهم خلال خدمتي العسكرية التي انتهت  قبل معركة العاشر من رمضان بسنة ونصف فقط .

 
RocketTheme Joomla Templates