تصويت

ما تقييمك للموقع ؟
 

المتواجدون الآن

يوجد حاليا 29 زوار 
المفكر الغنوشي

حين نقف أمام المفكّر الإسلامي الأستاذ راشد الغنوشي-حفظه الباري- ، فإننا لا نقف أمام منظّرا فقط نثر للناس فكره في الكتب والمكتبات ثم ظلّ ينادي بالإسلام هو الحل بلا عمل نافع في الميدان !!

إننا نقف وكل مسلم سنّي أو شيعي أو مسيحي عليه أن يخلع قبعته إجلالاً لهذه المدرسة الفكرية الراشدة العظيمة ..

لقد شبعت الأمة تنظيراً في العمل الإسلامي، ولكن حين ننتقل من التنظير إلى العمل فما ثمّ إلا تخبط وهفوات ، وإنما السّر في سوء فهم تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع المخالف له في الرأي واستلهام دروسه من السيرة النبوية العطرة !

لقد سنّ الغنوشي ورفاقه مدرسة تطبيقية للإسلام الوسطي الذي يجب أن يقوم في هذا العصر بل وفي كل عصر لتفاوت الناس في الفهوم واختلافهم في كل معلوم.

ولقد صدح بعد تنازلهم عن السلطة لصالح الدولة والديمقراطية وإبقاء البلد متماسكة بأن ( مهمة الدولة ليست أن تفرض الإسلام، وخلال سنتين لم يفرض على شخص نمط معين من الحياة، ومهمة الدولة أن تقدم الخدمات، والحرية الدينية وعدم الإكراه والقمع من أهم صفات حركة النهضة..

و كل عمل لا ينطلق من حرية الإنسان لا قيمة له عند الله، حيث لا قيمة لحجاب ولا زكاة ولا صلاة إن فرضت من قبل السلطة ولم تمارس تقربا لله تعالى) . لقد تخلوا عن كل شيء مقابل الوطن وهم من هم على جلالة أقدارهم وحسن تعاملهم ! وبمثل هذا الفقه يدخل الناس في دين الله أفواجا عن قناعة تامة ، ولقد عاصرنا التدين الذي تفرضه السلطات على شعوبها ورأينا أنها لا تنبت إلا الشخصيات النفاقية التي ما تلبث أن تهتز وتجتث عند أقرب شهوة أو شبهة !

وعلى دعاة الإسلام أن يستلهموا المنهج النبوي أيضا من الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه حين جاءه ابنه المتحمس الذي يوجد كثير من أشباهه اليوم يشكوا أباه بأن ( يا أبت مالي أراك متباطئا في إنفاذ المرور والله ما أبالي لو غلت بي وبك القدور في سبيل الله) ، فرّد عليه أبوه فقيه سنة التدرج في التغيير وقال له: (يا بني إن قومك شدوا هذا الأمر عقدة عقدة وعقدوه عروة عروة ، ألا يسرك أنه لن يأتي على أبيك يوم إلا ويحي فيه سنة ويميت فيه بدعة). وقال له فيما قال كذلك : ( يا بني لا تعجل فإن الله ذم في القران الخمر مرتين ثم حرمها في الثالثة . إني أخاف أن ادفع الناس إلى الحق جملة فيدعوه جملة فيكون من وراء ذلك فتنة ) . وبمثل هذا يكون الفقه النبوي ثم العمري ثم الغنوشي في هذا الزمان !

والإعلام والتعليم الفاسد الذي غطى على الشعوب إبّان الاستبداد وما قبل الربيع منع من وصول الفكرة الإسلامية النقية لعموم الشعب، لذلك فمن عدم الفقه المقارعة على الكرسي وإحياء المعارك السياسية ، ولم تنتهِ معارك الميدان بعد من كسب قلوب الناس وتأييدهم وولاءهم ..

ولعلّ في فقه النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية الذي أعقبه الفتح الأعظم خير دليل ، برغم ما كان من حزن الصحابة الشديد وعلى رأسهم الفاروق عمر رضي الله عنه من رؤيتهم الظاهرية للقضية بأنها انتهت إلى هزيمة سياسية للمسلمين ثم رجوعهم بدون أداء مناسك العمرة !

ولكن في فعل النبي صلى الله عليه وسلم من الهدنة والمصالحة السياسية ما سمح للناس سنتين أن يتعرفوا على الإسلام عن قُرب أكثر وأكثر، فدخل الناس في دين الله أفواجا، وبلغة الأرقام فقد كان عدد الصحابة في بيعة الرضوان تحت الشجرة 1500 صحابي في السنة السادسة للهجرة ، وبعد الصلح سنتين فقط صار عددهم 10000 صحابي !! ولك أن تتخيل كيف صار فتحاً أعظم ، بترك المعارك السياسية حيناً من الدهر للتفرغ لبناء الشعب وتربيته والتعرف على الدعوة الإسلامية غضة نقية، حتى إذا ما أذن الله بفتح مكة فتحت بسلام ، ودخل الناس في دين الله أفواجا أفواجا ..

والدعاة ليست معاركهم سياسية فقط، صحيح أن مراغمة أهل الباطل ومقارعتهم لأجل حقوق الشعوب من أنبل الأعمال ، لكن ينبغي ألا يكون هدفاً في ذاته، أو مشغلة لترك الأولويات من تعريف الناس بربها وتهذيبها وأخذها إلى الطريق المستقيم.. فما زالت بقية من عبودية في الناس كثير ، وخير دليل الدول العميقة التي لها في كل دائرة عبد ، وفي كل أسرة متبجحٌ مملوك! وما الثورات المضادة في العالم الإسلامي إلا نتاج سوء أدب الناس مع الله تعالى ثم مع الحرية ومع الدين الإسلامي ككل .

إن مدرسة الغنوشي يجب أن يستلهمها الإسلاميون عموماً ويأخذوا منها ومن فقه النبي صلى الله عليه وسلم في بناء الدولة والتدرج للتمكين ما يناسب حالهم ومآلهم من التفكير في المصالح العليا على المصالح الدنيا ولو أدّى ذلك إلى إغلاق الأحزاب والقهر والحظر!

وعلى دعاة الإسلام (( أن يعملوا لله و يؤدوا واجبهم ، ثم يذهبوا ، ويفعل الله بهم وبأعدائهم ، كما يفعل بدعوته ودينه ما يشاء . إنهم أجراء عند الله ، أينما وحيثما وكيفما أرادهم أن يعملوا عملوا وقبضوا الأجر المعلوم ! وليس لهم ولا عليهم أن تتجه الدعوة إلى أي مصير ، فذلك شأن صاحب الأمر لا شأن الأجير ! )) كما يقول الشهيد سيد قطب-رحمة الله عليه - .

ويتابع سيد : (( لقد كان القرآن ينشئ قلوباً يعدها لحمل الأمانة لا تنظر إلا إلى الآخرة ، ولا ترجو إلا رضوان الله ، قلوباً مستعدة لقطع رحلة الأرض كلها نصب وشقاء وحرمان وعذاب وتضحية حتى الموت . بلا جزاء في هذه الأرض قريب ، ولو كان هذا الجزاء هو انتصار الدعوة ، وغلبة الإسلام وظهور المسلمين ، بل لو كان هذا الجزاء هو هلاك الظالمين بأخذهم أخذ عزيز مقتدر كما فعل بالمكذبين الأولين !

حتى إذا وجدت هذه القلوب ، التي تعلم أن ليس أمامها في رحلة الأرض إلا أن تعطى بلا مقابل - أي مقابل - وأن تنتظر الآخرة وحدها موعداً للفصل بين الحق والباطل . حتى إذا وجدت هذه القلوب ، وعلم الله منها صدق نيّتها على ما بايعت وعاهدت ، آتاها النصر في الأرض ، وائتمنها عليه ، لا لنفسها ، ولكن لتقوم بأمانة المنهج الإلهي وهي أهل لأداء الأمانة منذ كانت لم توعد بشيء من المغنم في الدنيا تتقاضاه ، وقد تجردت لله حقاً يوم كانت لا تعلم لها جزاء إلا رضاه )) .

حتى ما التفتنا إلى الأستاذ راشد : أفتحٌ هو ؟!

قال : نعم .. ولن يُعدم المصلحُ أجراً ، وسيجعل الله بعد عُسر يسراً .

http://www.alsahwa-yemen.net/subjects.aspx?id=37955

 

 
RocketTheme Joomla Templates