تصويت

ما تقييمك للموقع ؟
 

المتواجدون الآن

يوجد حاليا 30 زوار 
بادية الشام

بـاديــــة الشــــام

تمهيد :ِ

الباديةُ منبسطٌ من الأرض تقلُ أو تنعدمُ فيها الجبالُ ، تنبتُ فيها الأعشابُ بعد هطولِ الأمطارِ، ويقصدها البدو لرعي مواشيهم ...ومنهم جاءَ اسمها البادية....وفي الحديث ( من بدا فقد جفا ) أي من عاشَ في البادية ، خلا من العلمِ والحضارةِ لأنه بعيدٌ عن العلماءِ ، ولأن العلماءَ يهتمون بالحضرِ حيث يجتمعُ الناسُ الكثيرون ؛ ويهملون الباديـــةَ في الغالبِ حيثُ يقلُّ السكانُ ؛ وكل ما أقوله من ذكريات طفولتي أي قبل سبعين سنة ... ، وقد حدثني أبـي وأعمامــي أن عالمــاً من آل المـــراد رحمه الله بحماة كان يتفقدهم أحياناً ويزورهم في البادية ، وهذه الظاهرة ( خلو الريف من العلماء يومئذٍ ؛ جعلتْ الاشتراكيين يعشعشون في ريفِ حماة ؛ واستفاد منها أكرم الحـوراني في نشــر مذهبه الســياسي ( الاشتراكية )....والله أعلم ...

وتختلفُ الباديةُ عن الصحراءِ التي تتكون من كثبانِ الرمالِ فقط ولا تنبت فيها النباتات، أما الباديـــة ُ فتتلقى قليلاً من الأمطار؛ تكفي لنمو نباتات موسمية ترعاها الأغنامُ والإبلُ ...

وعشـتُ في الجزائـرخمسَ ســنوات في ولايـة ورقلة حيث تختلط حولها الصحراءُ بالباديةِ ، وأكثرها تنبتُ فيها الأعشابُ الموسمية ُ، وفيها قليلٌ من الأماكنِ تغطيها الرمــالُ الذهبية ُ، التي كنا نجلــسُ وربما نلعبُ فوقَ هذه الرمالِ في منطقةٍ صغيرةٍ تُسمى ( نقوســــة ) بالجيم المصرية تقع شــمال ورقلـة ببضع كيلومترات ؛ حتى إذا قُمنا نفضنا ثيابَنا فسقطتْ عنها الرمـالُ ولا تعلـقُ بها كالتـراب ... أما ورقلــةٌ نفسها فواحــةٌ غناءُ وسط الصحراءِ وما أجملَ تلك الواحةِ أرضاً وشعباً ....ومنظرُ الواحةِ أي واحةٍ جميلٌ جداً لأنها قطعة خضراءُ وسط إطارٍ ذهبي أصفرُ ...وفي ورقلة نخلٌ يقطفون منه أطيب َأنواع التمر المسمى ( دقلة نور) حيثُ ترى النواة َداخل التمرةِ لأنها بلورية ، وأحياناً بعضُ الجزائريين يحضرُ معه صندوقاً أو أكثــرَ منها في مكــة َ والمدينــةِ يبيعها ليحصلَ على الدراهم ِ؛ لأن نظامَ الجزائرِ اشتراكيٌ لاقيمة َلعملته خارجَ حدودِ الوطن ، وقد تركتُ آلافاً من الدنانير في حســـابي البريدي هناكَ لما عدتُ من إعارتي التي استمرتْ خمسَ ســــنوات ، ومع ذلك فتشوني حين الخروج بشكلٍ مخيفٍ ، بعد أن ســــلمتُ حقائبي وكانت خمس أو أكثــر، وبعد أن ختموا لي جواز الســـفر للخروج ؛ وجدت رجلَ جمارك ينتظرني ؛ لما رأى جوازَ سفري قام وقال لي أين قشك ( حقائبك ) ومعه عامل أشارَ له فحملوا حقائبي وأسرتي في سيارة إلى الجمارك داخل مبنى المطار، ولما أفهمته أني أخاف من ذهاب الطائرة ، وقد عانيت يومها في الحصول على مقاعد لأسرتي عليها بسبب خطأ حصل من فرع الخطوط الجزائرية في ورقلة ، حيث حجزت من ورقلة وقبل السفر بأيام أردت تأكيد الحجز فلم يجدوا لي حجزاً وفتحوا لي التذاكر فسافرت على السورية التي هبطت في طرابلسس الغرب ثم هبطت في القاهرة ثم في دمشق ....؛ فطمأنني أنهم سيوقفون الطائرة َحتى ينهون مهمتهم ، وفعلاً فتشَ ثيابي وجسمي بدقةٍ وتمهلٍ ؛ كان يدقق في ثنيات البنطال من أسفل ، وكذلك في جسمي عند العورتين ، وكذلك فعلت المرأةُ مع زوجتي ، ثم رأيته يملأ اســـتمارةً ويختمها بعصبيةٍ ويكتـبُ على الغلاف بالفرنسية طبعأ ( رئــيس جمارك ورقلــــة ) وواضح عليه الألم ، وتذكرت عندئذ أني مررت على بعض البيوتات التي تبدل عملة ، وواحدة منها امرأة شكلها لا يعجب ...وكان هدفها أن تضحك عليّ وتأخذ دنانيري الجزائرية على أن تسلمني مقابلها عملة فرنسية في باريز ، لكنني كشفت أن شكلها يقول كاذبة وحرامية فلم أوافق ، وعندئذ أخبرتْ عني الأمن ...وبعد أن أكملوا التفتيش حملونا بسيارتهم وألحقونا بالطائرة التي مازالت تنتظرنا ...

والبدو في بادية الشام يربون الأغنام ...وهؤلاء من البدو الأقل بداوة ويسمون ( الرّعية ) نسبة إلى رعي الأغنام ، وبينما يرعى رعاة المواشي قريباً من مضارب القبيلة ، يبتعد رعاة الإبل كثيراً ويتوزعون في البادية بحثاً عن طعام الإبل ...والبدو الأصليون هم رعاة الإبل ، كما هي قبيلة عنــزة ...وكما هي قبيلة الدهامشة وهي فرع من عنزة ...

بدأت العمل عام 1966 م في قرية سيسدي تحتاني ، وهي قرية عربية ، وقد وزعت إدارة التعليم حسب المجموع ، فوضعت في قرى العرب أولاً ، ثم في قرى الأكراد ، والأكراد أنظف من العرب ؛ لكن جريمتهم أنهم يدعوك للطعام عندهم ، ويتحدثون فيما بينهم اللغة الكردية وأنت تنظر إليهم ( مثل الأطرش بالزفة ) ..... وسيسدي تتبع مخفر تل منصور ، بين الحسكة وعامودا في منتصف المسافة بينهما ، والقرية صغيرة لايوجد فيها بيع ولاشراء ، ووجدت قائمة بأسماء الطلاب معلقة على باب الفصل من الداخل ، كي يحضروا الطعــام للمعلـــم ، ويقولــــون بلهجتهم عن المعلــم ( الاسداد )، وكان الطعام المرسل لي إما بيض مقلي بالسمن العربي ، أو قطعة دجاجة مع البرغل جزاهم الله خيراً ، لكن أشعر بأنني أحرمهم من طعامهم وأنا معلم ولي راتب ، وكان راتبي مع تعويض الإدارة ( 310) ل.س يومذاك وهذا مبلغ كبير ...لذلك في العام التالي (1967) أصريت على إدارة التعليم أن يضعوني في قرية كبيرة فيها بيع وشراء ...وذات يوم قابلت في أدارة التعليم المعلم ( محي الدين مظلوم ) ، تخرج قبلي بعام ، وكنت أنا في خزاعة ، ذهبت لها من القامشلي ، وفيها مخفر (هجانة ) حرس الحدود ، والطلاب مع الغنم يأتوا بعد شهرين ، وقال لي أهل القرية تجلس مع الهجانة تلعبون الورق وتدخنون السجائر العراقية ، وهي أفضل من السورية ؛ حتى يأتي الطلاب بعد شهرين ....

قلت قابلت المعلم محي الدين مظلوم ؛وهو أقدم مني بعام ، لذلك لما عرف قريتي البعيدة عن إدارة التعليم أصر أن يبادلني ، فقلت له قرية الهول هذه أفضل بألف مرة من خزاعة ، قال : أنا موافق لأني اشتريت تراكتور وأريد أحرث عليه هذه الفترة قبل عودة الطلاب ، وأصر فبادلته بالهول ....وكان ذلك العام المميز في حياتي ... وخلال العام مر علينا تعميم بمعاقبته بحسم 30% من راتبه لمدة ثلاثة شهور ؛ لأن الموجه جاء ولم يجده في المدرسة ...

إذن في عام (1967م) كنت أعمل معلماً في المدارس الابتدائية في قرية الهول شرق الحسكة ب 60 كيلومتراً ، كان عاماً مميزاً في حياتي، وقد كتبت عنه كثيراً ، والهول قرية مميزة أهلها متحضرون وأغنياء ، قرب بحيرة الخاتونيــــة وهي بحيرة داخلية طولها بضعة عشــــــر كيلو متراً مـــــاؤها بارد بشـــكل مخيف وفيها من البط والأسماك ما لم أره في حياتي كلها ، وحكوا لي أن أحدهم عنده مسدس وذات يوم سدد على بطة في البحيرة وقتلها ، وغره شبابه فنزل في البحيرة سباحة ليحضرها ؛ لكنه تجمد ومات رحمه الله ، وما دمنا في الهول وهي عزيزة على قلبي كما هي ورقلة ، كانت المدرسة على بيدر القرية ومعظم الأيام أستيقظ قبل شروق الشمس فأرى الرجال جماعات جماعات يذهبون ليســتحموا في الساقية ذات الماء الدافئ قبل صلاة الفجر....

وذات يوم مرت ســيارة من قرب المدرسة وغرزت في ماء الساقية وبقيت مدة غير قليلة ، فذهبت إلى أحد رجال القرية عنده تراكتور وذهبت معه وأخرجنا له السيارة ، وبعد بضعة أيام جاءت سيارة أمريكية فاخرة تقف قرب المدرسة ويسأل عن الأستاذ خالد ، وإذ هو دهام الهادي شيخ عشــائر شــــمر إذا ما نسيت شكرني على مساعدتي لسيارتهم ودعاني لزيارتهم وقال إذا وافقت سأبعث لك سيارتي هذه مع السائق يأخذك إلى مضارب القبيلة، فشكرته واعتذرت لأني كنت منهمكاً في دراســتي الجامعيــة ، ومدفوعاً لها بشكل عجيب ، وكنت في السنة الثالثة قسم الفلسفة في جامعة دمشق ، وكم ندمت على عدم موافقتي ....وكان اهتمامي بالدراسة شيء عجيب ، كنت مدفوعاً للدراسة و لديّ شغف ونهم لقراءة الكتب ، وكنت راضياً عن نفسي إلى حد الإعجاب أني في السنة الثالثة في جامعة دمشق قسم الفلسفة ...

وذات يوم وصلني كتاب ( العقل ومعاييره) للفيلسوف الفرنسي (اندريه لالاند ) وصلني قبيل المغرب فجلست عليه اقرأه حتى ضحى اليوم التالي حيث بدأ دوام الطلاب فتركته وقمت إلى الدوام...قلت وصلني الكتاب لأني كنت مشتركاً في مكتب الخدمات الجامعية في دمشق الذي يرسل لنا الكتب والملازم الجامعية جزاهم الله خيراً مقابل ما ندفعه من أجور للمكتب، ونترك عنده رصيد يشتري منه الكتب الصادرة ، ولابد من الذكر أننا معشر المنتسبين كنا نذاكرالكتاب من الجلدة إلى الجلدة ، أما المداومين فيذاكرون ما وصى به الأستاذ ، أو ماركز عليه ...ومازلت أتذكر خلاصة الكتاب وهو أن العقل عقلان ناظم ومنظوم أما الناظم فهو شيء أشبه بالفطري يتحكم بالمنظوم وهو ما يكتسبه المرء من ثقافة وعلوم ، فيرتبها ويصنفها... هذا ماقاله المترجم في تقديمه للكتاب ، وهذا مافهمته ، ولما خرجنا من الامتحان اجتمع الطلاب ويسألون ماذا أجبت قلت لهم كيت وكيت قالوا لايكفي هذا ؛ قلت لهم هذا الذي فهمته من الكتاب ؛ ولم أفهم غير ذلك.... ولما ظهرت النتائج كان الناجحون قليلين وكنت أحدهم ولله الحمد ...وعلى ذكر عدد الناجحين أذكر أننا دخلنا الفصل الأول للسنة الأولى(1965) أربعة آلاف ونصفهم يســجلون لأن الجامعة تؤجلهم عاماً عن خدمــة العلم ( العسكرية ) ....وتخرجنا في الدورة الأولى (1968) ثمانون طالباً فقط ...

وقرب الهول توجد خفسة من الأرض مساحتها 30×30 تقريباً فيها أسراب حمام بري يعد بالمئات ، كنت أســتعير بندقية صيد من أحد آبــاء طلابي ، ودراجة عادية من طالب آخر ، وأشتري طلقات لما أنزل إلى الحسكة ؛ وأذهب إلى ذلك المكان فأترك الدراجة قبل الخفســة ب(30- 50 م )، ثم أقترب وأرمي حجراً في الخفســة فيفر الحمام ، فأنتظر حتى يبتعــد قليلاً ثم أطلـق عليه طلقـة واحــدة فتقــع ( 3- 6) حمامات ، أتناولهن وأربطهن خلفي على الدراجة وأعود إلى بيتي في المدرسة ، حتى كنا ذلك العام مع زميلي المعلم سمير جرنبدة ( مسيحي من قرية الحفر في محافظة حمص ، وابن عمه أبو نضال رئيس المخفر ونعم القوم ولابد أن أسجل إعجابي بأدبهم وحسن تعاملهم ) ، كنا نأكل لحم الحمام كما نأكل التسالي بعد شويها على المدفأة المشتغلة دوماً في الشتاء والربيع ...كما نحمص الفستق الذي أحضرته معي من قريتي في حماة وقد زرعناه ذلك العام على ضفاف العاصي فأنتج وأعطى موسماً ممتازاً ....

ولاأنســى ذلك البرد الذي مر علينا خلال بضعة أيام ، حتى عطلنا المدرسة ، وكنت أضع الماء أسخنه على المدفأة ، ثم أتوضأ به فلا يجري أكثر من بضعة سنتمترات ثم يجمد ...على أرض الغرفة من الاسمنت ...

وكان في القرية جزارٌ يذبح ُمرة ً أو مرتين أسبوعياً ووصيناه أن يرفع لنا فخذاً أو كتفاً كلما ذبح ؛ وكان يحاسبنا عن كيلو لحم الخروف البلدي ( 2 ) ل.س فقط ...

وذات يومٍ كنت في الصيدِ وقريبٌ من سنجارَ رأيت ( حبارى ) وهي طائرٌ بحجم الحبش المصري ، تطيرُمسافة قصيرة ثم تنزل ، وهكذا تبعتها لعلي اقترب منها وأصطادها ، وسحبتني حتى صرت في سفح سنجار ، وانتبهت لنفسي فأنا في منطقة اليزيديين ( عبادي الشيطان ) الذين ينذرون إذا مرض ولدهم أن يذبحوا مســلماً إذا شـــفاه الله ، فقفلت راجعاً وقد اصفرت الشمس تنذر بالمغيب ؛ عندئذ شعرت ببعض الخوف ورجعت أبحث عن الدراجة كي أعود َ، ومكثت ربما أكثرَ من نصف ساعة أبحث عنها دون جدوى ، أعود حتى أجد أثرها فأمشي معه حتى ينقطع ، وهكذا عدة مرات حتى مللت ُوخفتُ ودعوتُ ربي ، وقلت ياربي ليطمئن قلبي ؛ كما دعاك إبراهيم ُعليه السلام وقال ليطمئن قلبي ؛ أريد أن أجدَ الدراجةَ ودمعتْ عيوني ، وعندها مشيتُ مثل ماكنت أفعل وإذا بها نزلتْ في حفرة عمقها متران أو أقل ، لما تركتها ونظري معلق ٌبالحبارى ، أخرجتها بسهولة وركبت راجعاً إلى خفســةِ الحمام فاصطدت بضعَ حماماتٍ حزمتها على دراجتي وعدت ...

وقبل أن أجـد دراجتي تصورت أن أهل قريــة الهول سيجعلونني حكاية لهم ، الأستاذ الذي ضيع الدراجة َورجعَ ماشياً...والبدو يتندرون ويؤرخون بالنوادر ....ويحكى أن بدوياً ضرط أمام الناس فضحكوا عليه حتى ترك القبيلة وعاش غريباً مع قبيلة أخرى بضع سنوات ، ثم شده الحنين فرجع متخفياً حتى رأى مجموعة من الفتيات سألهن : أين مضارب القبيلة كذا ؟ فأجبن : في البطحة التي ضرط فيها فلان ( وفلان هو نفسه دون أن يعرفنه ...فعاد وقرر أن يبقى طول عمره غريباً بعيداً عن قبيلته ( وهذا منافي للشريعة الاسلامية التي تكره الضحك على الضرطة ) ...

وذات يــوم زرت مضارب البـــدو في خيامهـــم وجلســـنا مع شـــيخهـــم ( زعيمهـــم ) في الرّبعة ، وسألني ـ وقد عرف أني بدوي ـ قال : من أي الأعمام أستاذنا ؟ قلت عقيدي من الدغامشة ...قال : ياولدي لاتضيعوا أصلكم ...أنتم عنزة من الدهامشة محددة الجمل أنتم الدهامشة وليس الدغامشة ، وعرفت فيما بعد أن الدهامشة قبيلة عربية كبيرة منتشرة في سوريا والعراق وفلسطين والأردن ...وهم بدو أصليون يربون الإبل ويضعون الحديد (قيد) للجمل كي لايبتعد عن مضارب القبيلة ... وعرفت أن العقيدات عبارة عن تعاقد عدة قبائل ضد عدوهم في البادية ، أي أن الدغامشة فخذ من عنزة سكنوا بادية الشام ، وتعاقدوا مع غيرهم ضد العدو الذي يغير عليهم للسلب والنهب كما كان البدو ...ومن الدغامشة النائب في الكنيست الإسرائيلي (عبد الملك الدغامسة ) ومنهم الجندي الأردني الذي قتل المجندات الصهيونيات ....

وقد زرت الدهامشـــة في عرعر عام (1404)هـ خلال العطلة المدرسية النصفية برفقة الأستاذ علي الأعور ( أبو جعفر ) رحمه الله ...ومكثنا عدة أيام عندهم ، وشيخهم رشيد بن مجلاد ، وهم بدو بكل معنى الكلمة ، تماماً كالبدو الذين في بادية الشام...صرنا نعلمهم الصلاة وفروض الإسلام ...وسروا بنا وقالوا لو تمكثون عندنا نصير ( مطاوعة ) ....ولا أنس تلك الرحلة مع الأستاذ أبي جعفر رحمه الله ...كان معي مازدا اشتريتها بعد أن مشـــت ســـنة واحدة فقط براتب شهرين تقريبًا، وكنت أعمل مدرساً متعاقداً مع وزارة المعارف السعودية في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ، بينما كان أبو جعفر مدرساً في قرى حائل ، وكنت في الطريق أتحدث مع أبي جعفر رحمه الله ، ونسينا التزود بالبنزين حتى تعدينا المحطات وشرّقنا باتجاه الجوف وانتبهت إلى مؤشر البنزين ....فخفت لأنه كان يشير إلى قريب النهاية ...وقلقت جداً ...لكن أبا جعفر رحمه الله لم يضطرب أبداً ، يغمره الاطمئنانُ والاتكالُ على الله ...وسألنا القادمين من الشرق عن محطات البنزين فعرفنا أن أمامنا محطة لايوجد فيها بنزين حالياً...وصرت أمشي على مهلي كي لاينتهي الوقود ...

وشاء الله أن سيارةً انقلبت في الطريق قبل مرورنا بساعةٍ تقريباً...وجاء المرور يجمعون حاجات السائق الذي نقلوه الى المشفى ...وصار المرور يجمعون حاجاته المتناثرة حتى أمسك ( بيدوناً سعة 20 لتر ) قال الرقيب للعسكري ماهذا ؟ أجاب العسكري : بنزين ، وهذا السائق شفاه الله عرف أن الطريق خالي من محطات البنزين لذلك أخذ معه هذا البيدون من البنزين احتياطاً ...فقال الرقيب فرغه من البنزين وهاته ...فصحت بصوت عالي ...لا . لا ..لا تفرغه أنا مقطوع من البنزين ، فجاء به إلي وقال فرغه عندك في خزانك ...وهكذا ملأنا الخزان وقوداً ، من حساب ذلك الرجل شفاه الله وعافاه ...

ورعاة الغنم نوعان :

1- رُعاة الجَلَد ( وهي الغنم التي لاتحلب يومذاك )إما لأنها لم تلقحْ ذلك العام يســـــمونها (حايل وجمعها حيل) ، وإما لأنها صغيرة (تسمى قرقورة وجمعها قراقير بالجيم المصرية)، أو لأنها من الذكور التي لاتحمل ولاتلد ...ورعــاة الجلد يبتعدون عن مضارب (بيوت) القبيلة ....ويحملون معهم الدقيق فيعجنون ويخبزون (القرصة ) حيث يدفنون العجينة في الجمر ...ويحملون الماء معهم في قربة تعلق على ظهر حمار الغنم ، مصنوعة من جلد الماعز، كما يحمل عليه طعــام المـراييـــع من الخبزالجاف (والمرياع هي الشاة الأنثى التي تقود القطيع حيث تبقى المرياع قريباً من حمار الغنم ...حتى إذا تحرك الحمار تحركت المراييع خلفه حالاً ؛ فتقود القطيع...وهذه المراييع يترك صوفها ولايجـــــز، فتبدو كبيرة الحجم ...وتعلق في أعناقها أجراس يسمعها القطيع عندما تمشي، فيتبعها...وقيل أنها منذ ولادتها توضع قريباَ من الحمارحتى تظن أنها ابنته لذلك تلازمه وتبقى معه دائماً..

2- رُعـــاة الرّغـــاث ( وهي الغنم التي تحلب ) وهؤلاء الرعاة لا يبتعدون عن مضارب القبيلة ....كي يحلبون الغنم... ويصنع البدو من الحليب السمن والجبن وغيرهما من مشتقات الحليب ...

وقد يرافق القبيلة ( جَبّان ) يصنع الجبن من الحليب ...كي يبيع له البدو حليب أغنامهم ...فيصنع منه الجبن ويبيعه في أسواق المدن القريبة وهي غالباً( حمص ، حماة ، المعرة ودير الزوروتوابعها ) وغيرها ....

ولا أستطيع أن أنس تلك الأيام الجميلة حيث نذهب(بنات وأولاد) في عمر الزهور إلى حليب ( العصر ) لأنهم يحلبون الغنم مرتين : الأولى عند الظهيرة حيث ( تشبق ) توضع في الشباق وهو كالحبل مصنوع من الصوف كي تنظم فيه الغنم ( الرّغاث ) عند الظهيرة كي تحلب ...ثم تحلب مرة ثانية عند العصر في المرعى القريب من مضارب القبيلة ...

ـ والاختلاط عند البدو بدهي ، لا ينفصل الجنسان إلا في الخيمة حيث يجلس الرجال في الرّبعة والنساء في الحريم ، حيث قسمت الخيمة إلى هذين القسمين ( الربعة والحريم ) وبينهما ( النضد ) وهو أكياس المؤونة من الدقيق والبرغل وفوقها مفارش النوم ....

...لكنهم متطرفون في معاقبة المرأة التي تقع في الزنا ...حيث لاعقوبة لها سوى القتل من قبل وليها وغالباً أخوها...وإذا جاء ضيف إلى ذلك البيت ولا توجد فيه سوى امرأة فإنها تستقبله وتجلسه في الربعة وتقدم له القهوة والشاي والطعام ، حتي إذا وصل أهل البيت شكروها وشجعوها على استقبال الضيف وإكرامه ...وفي طفولتي لايوجد في البادية بيع للطعام ؛ ولابد أن يكرم الضيف وإلا مات من الجوع ....أو اضطر الرجل المسافر أن يحمل معه طعامه في السفر وهذه مشقة ...

...أما الرجل الزاني فقد يغّرب عن القبيلة مدة محددة بضع سنوات...ومما لاشك فيه أن مجتمع البدو مجتمع ذكوري ...الرجل فيه مدير والمرأة عاملة ، كما قالوا في تونس المرأة في النهار دابة ( أي تعمل طول النهار )، وفي الليل شابة ( والشابة عندهم تعني جميلة ) وبشكل عام الرجل البدوي لايعمل إلا في الإدارة ، ويحتقر البدو الحرف ( نجار ، حداد ، فلاح .....)

ومن سيئات المجتمع البدوي يومذاك أن الأب يستلم مهر ابنته ولا يعطيها منه إلا القليل من الثياب للعرس وأدوات النوم ( مفارش ولحف ) وكما أذكـر يأخـذ ثلاثة أربـاع المهر ويجهزها بالربع الباقي ، وقد أعانني الله وهداني إلى إبطال هذه العادة الجاهلية وأعطيت شقيقاتي مهرهن كله بل أضفت عليه بعض مالي ...وكان والدي رحمه الله طاعناً في السن وتسلمت إدارة الأسرة طوعاً أو كرهاً ؛ ولله الفضل والمنة ...

ومن سيئات المجتمع البدوي أنهم لايقسمون الإرث حسب الشريعة ، بل يوزع الإرث على الذكور فقط ، أما الإناث فلا تأخذ من الإرث ، وقلت أن المجتمع البدوي مجتمع ذكوري ، الرجال يدافعون عن القبيلة ويحمون نسـاءها وأطفالها وأموالها ، ولهم كل شيء في القبيلة ، أما النساء فليس لهن إلا طاعة الرجال ...

ومن سيئات المجتمع البدوي الحروب بين أبناء القبيلة أو مع أبناء القبائل الأخرى ، ومما أحفظه ما كانت والدتي رحمها الله تنشده :

يافارسْ رَبعك غَربوا حكَم صبُاب ذراتهم

ترى الحرايبْ قرَبتْ واركبْ ذلولك هاتَهم

وفارس هذا هو فارس العطور من زعماء الموالي ( المشارفة ) وهم أخوالي ، وربعك يعني جماعتك ، غربوا أي ذهبوا باتجاه الغرب ، حكم أي حان موعد زراعة الذرة ، والذلول هو الناقة التي يركبها المسافر ، والبدوي يعيش ضمن القبيلة ، وكل من هو ليس من قبيلته يسمى ( أجنبي ) وهذه الثقافة سائدة في جزيرة العرب والخليج العربي حتى اليوم ، وعانيت منها طوال أربعين سنة عشتها حتى اليوم ....

البشـــعة :

ومن سيئات المجتمع البدوي أنهم يتحاكمون إلى ( العارفة ) ، وهذا الاسم مشتق من المعرفة ، وهو رجل متقدم في السن ، له خبرة كبيرة في الحياة ، ولاأنس أني ذات يوم قلت لأحد أقاربي نتحاكم إلى عالم من علماء الدين ؛ فرفض وقال لايعرفون شيئاً ، ويحكم العارفة بالقياس على حوادث مشابهة في الماضي ، وكان عمي سليمان الشنتوت يحكم بين المتخاصمين أحياناً ، وسبق أن قلت أنه يدق القهوة في بيته ويجتمع عنده الناس ...وأذكر أن محمد زهير مشارقة مدير دار المعلمين بحلب لما كنت أنا في دار المعلمين بحمص ونائب رئيس الجمهورية فيما بعد ؛ ألف دراسة ماجستير قدمها إلى كلية التربية في جامعة دمشق لما درست فيها الدبلوم العامة في التربية (1969) م وذكر فيها كثيراً مما أذكره في هذا البحث عن البدو ، وخاصة ( البشعة ) ...وقد اطلعت عليها في كلية التربية وهي مطبوعة على الآلة الكاتبة ...

الشَــــكْوة

عندما كنت في الجزائر في مدينة ورقلة الحبيبة ...كنت أتمشى مع زميلي الورقلي الأسـتاذ محمـد ربيـــع رحمــه الله في حي مخادمة وهو حي عربي يدل على أن ســـكانه وافدين ؛ لأن ســـكان القصبة ( الحي القديم ) في ورقلة من الأفارقة السود ؛ بينما سكان مخادمة والرويسات ، وسعيد عتبة ، والشط ...من اللون العربي ....

في حي المخادمة رأيت عجــوزاً تمخض اللبن بوعاء صنع من جلد الماعــز يســـمى ( شـــكوة ) ......منظر رأيته من أمي رحمها الله مئات المـــرات فوقفت أرقب المنظر الذي ذكرني بأمي وكانت حية يومذاك ، لكنها في قارة آسيا وأنا في شمال إفريقيا يومذاك ....وسألت الأستاذ محمد ربيع رحمه الله وهو مدرس لغة عربية خريج الجزائر ... ماذا تسمى هذه التي تخضها العجوز ؟ فصار يضحك وقال هذه لا تجدها في القواميـــس أبداً وظن أنه يعرف شيئاً لم أسمع به ....فقلت له تسمونها ( شـكوة ) ففغر فاه متعجباً وقال : أنت مخاوي الجن ؟ كيف عرفت ؟ قلت له : لست مخاوياً للجن ...لكن في بادية الشام يسمونها شكوة وهذا المصطلح لايعرفه الحضر عندنا أهل دمشق وحلب ....يعرفه البدو فقط ...وهذا أكبر دليل على أن هؤلاء القــوم في ورقلــة من أولئك القـــوم في باديـــة الشام ...

وللتاريخ فقد كانت القبائل العربية تغرب بمواشيها قبل حفر قناة السويس من بادية الشام حتى تصل شمال إفريقيا كما غرّب بنوهلال في قصتهم المشهورة عند البدو ( تغريبة بني هلال ) وأبطالها أبو زيد الهلالي ودياب غانم وعيّاض والزير سالم ( الزير سالم الذي حمل قرب الماء على السبع الذي أكل حمار البدو ) ، وبنو هلال من قبيلة من بدو نجد ... ولما كنت في الصف الثاني الابتدائي (1954)م كانوا يتجمعون حولي واقرأ لهم من هذه القصص ، وكانت الوالدة رحمها الله تشجعني على ذلك وتقول هذه تشجعه على القراءة ...

وهذه من سيئات حفر قناة السويس فلكل أمر إيجابيات وسلبيات والخير والشر المطلقين غير موجودين ...لكن يوجد أمر خيره أكثر من شره نسميه خيراً ؛ ويوجد أمر آخر شره أكثر من خيره نسميه شراً ، وهذه من بقايا الفلسفة في دماغي ، أو كما يقول الفيلسوف اليوناني ( أبيقور ) الخير والشر في خصام دائم ، وعجزت الألهة (ألهة اليونانيين القدماء )عن فض النزاع بينهما لذلك ربطوهما معاً فلاتجد خيراً إلا ومعه شر ، ولا تجد شراً إلا ومعه خير ...ولما كنت مدرساً للفلسفة في ثانوية السقيلبية ( 1973و 1974م) سألني الطلاب بأنه يوجد شر مطلق وقالوا مثل كلمة الكفر ...فقلت لهم أي كلمة ينطق بها المرء تمرين لحباله الصوتية كي لاتعجز ؛ وهذا هو الخير القليل الموجود فيها...أما السؤال الوحيد الذي سألني عنه الطلاب ولم أستطع الإجابة عنه في الحال كان في الجزائر، وكنت معتداً بنفسي أكثر من اللازم كما هو الشباب ، السؤال : هل يستطيع ربنا إخراجي من أملاكه ؟ طبعاً لو قلت لايستطيع فهذا يناقض أن الله عزوجل على كل شيء قدير ، وإذا قلت نعم فهذا يعني وجود إله آخر عنده كون آخر ....صمت فترة ثم قلت أعطوني فرصة يوم أو أكثر كي أحضر لكم الجواب ، وصار مخي يبحث في ملفاته القديمة وبعد يوم أو يومين تذكرت كتاباً كنا نتعب من دراسته في الجامعة ، صغير لكنه متــرجم طبعــاً وهذه الكتـب كانت مــرهقة لنا كثيــراً ، عنوانه ( الوجود والعدم ) فقفز الجواب إلى ذهني كاملاً وهو أن الله عزوجل يعدمني ( يحولني من الوجود إلى العدم ) وهكذا أخرجني من أملاكه ولم أذهب إلى أملاك غيره ....وبعد مدة عرفت أن هذا السؤال ( وليس الجواب ) صاغه الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر وكان حياً يومذاك ؛ كما أظن ....

السبعة الذين استردوا الحلال من الناصرية :

وخلاصة ذلك أن قبيلة أخرى يسميها البدو ( القوم ) أي العدو هجموا على قبيلتنا ونهبوا مواشيها وساقوها باتجاه الجنوب ، ولحقهم فرسان القبيلة ( الدغامشة ) حتى الناصرية ( قبل دمشق بقليل) ، واستردوا مواشيهم منهم بالقوة ...

ومن حسنات الملك عبدالعزيز بن سعود يرحمه الله أنه فرض الأمن والسلام في البادية ، ومما لاشك فيه أن بادية الشام تتصل ببوادي السعودية وهضبة نجد ...

وفي عام (1404) هـ ذهبت في العطلة النصفية برفقة ابن العم رحمه الله الاستاذ علي المحمود الأعور(أبو جعفر) ؛ ذهبنا الى عرعر وقابلنا أقاربنا الذين هاجروا من بادية الشام الى عرعر وضواحيها ؛ ( ومنهم محمد المعاط وابن سليمة وثلاج وغيرهم ) وحصلوا على الجنسية السعودية بسهولة ...وبتنا بضع ليالي شديدة البرد القارس الذي لم أر مثله إلا في المدينة المنورة قبل حرب الكويت حيث كان القـر في الشتاء شديداً وذكرنا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يشجع على سكنى المدينة المنورة ( من صبر على حرها وقرها ولأوائها أدخله الله الجنة ) ... وقابلنا شيخاً كبيراً في قرية السليمانية قال لنا : كنا نمشي مع مواشينا من هذه المناطق حتى الفرقلس ( في سوريا اليوم ) ونتابع حتى طرابلس الشام ( لبنان اليوم ) نتتبع الكلأ والمرعى ...

طبعاً هذا قبل سايكس بيكو وتقسيم الوطن العربي ...

وبعد أن تحضر البدو تركوا الشكوة ، وصاروا يمخضون اللبن في جرة من الفخار تسمى ( الخضة ) وسمعت أنهم صاروا يمخضونه الآن بخضاضة تعمل على الكهرباء مثل الغسالة ( الفضاضة ) الصغيرة ...

ـــ

وبادية الشام تربط سوريا مع الأردن وفلسطين ولبنان أي بلاد الشام سابقا ، أو ســوريا الكبرى كما يقول القوميون السوريون ( وياليتهم حققوا ذلك الحلم ؛ وأقاموا سوريا الكبرى ).

خيمة الشعر :

وأول ما أذكره من الباديـــة خيمــة الشــــعر التي عشـــت فيها حتى عـــام ( 1956م )، حيث كنت في الصف الرابع الابتدائي في مدرسة تقسيس الابتدائية وكان اسمها مدرسة الريانة الريفية ؛ وتركوا للمدرسة مساحة شاسعة من الأرض الخصبة تحت جبل تقسيس ....

وفي ذلك العام (1956)م تطورنا أو تحضرنا وتركنا خيمة البدو ، وسكنا في قبــة من الطيـــن ...وأخــر منـــزل لنا في الخيمة كان أمـــام ناعــورة ( قريمش ) في ربوة جميلة يمر العاصي من أسفل الربوة بمسافة (300) م وشاطئ العاصي فيه أشجار الصفصاف والحور التي تتمايل مع الريح فتضيف لحناً إلى صوت الناعورة الجميل ...وصوت الناعورة يسمعه الحزين نغماً حزيناً ، ويسمعه السعيد نغماً سعيداً ...والناعورة ترفع الماء من النهر إلى السواقي التي تسقي الأراضي الزراعية على ضفاف العاصي ، وقد رأيت في طفولتي عدة نواعير على ضفاف العاصي قبل دخوله حماة ؛ منها ناعورة قريمش ، والجنان ، وزور السوس ، والرملية ، والجومقلية ....ثم شـــاعت محركات الديزل التي ترفع الماء وأهملت النواعير ، لأنها تتطلب صيانة سنوية مكلفة وباهظة ، وقل عدد المختصين بها وصارت صيانة الناعورة السنوية مكلفة جداً ....

وكنت في الصفوف الأولية الأول والثاني والثالث ونحن مازلنا نعيش في خيمة الشعر في قرية زور السوس على ضفاف العاصي....وعندنا فانوس ( يستخدم للضوء عند البدو ) غالباً مايكون معطلاً ، وكان الوالد رحمه الله ينزل إلى حماة بضع مرات في العام كله ، في آخر الربيع لبيع الخراف ، وفي آخر الخريف لشراء الكسوة ( الثياب ) الشتوية ، ....

وكنت أكتب واجباتي على ضوء اللهب ؛ عندما تضع أمي رحمها الله شوكة البلانة على النار فتحترق بسهولة وبسرعة ويشع الضوء فأكتب سطراً أو سطرين ثم تضع بلانة أخرى ....وهكذا حتى أكمل واجبي ...وتصوروا كم عانت أمي رحمها الله في تعليمي وسيأتي أصعب من ذلك بكثير ؛ لما صرت في المرحلة المتوسطة في مدينة حماة ....

مدرســـة الكافات :

الكافات قرية إسماعيلية تقع بين السلمية وحماة في المنتصف تماماً تبعد عن مكان خيامنا خمسة كيلومترات فقط ، حيث كنا في قرية اسمها زور السوس ، ويبدو أنها أخذت اسمها من كثرة السوس الذي ينبت طبيعياَ على ضفاف العاصي ....

هذه الكيلومترات الخمسة كنت أمشيها صباحاً ومساءً في ذهابي الى المدرسة وعودتي منها، وفي الأيام الماطرة كانت تتلقاني والدتي رحمها الله وتحملني على كتفها ؛ وقد حباهـــا الله بجســـم متين وكان أهل القبيـــلة يلقبونهـــا ب ( الطويلة ) رحمها الله ....

والكافات قرية إســـماعيلية ...لكن لم نكن نسمع بهذه المصطلحات قبل حافظ الأســـــد ....كنا نعيش متجاورين مع أهل الكافات ( وماكنا نقول اسماعيليين بل نقول أهل الكافات أو سلامنة نسبة إلى السلمية ومعظم أهلها من الإسماعيليين ) ...وكانت صلاتنا معهم جيدة جداً ، حتى أن والدتي رحمها الله وضعتني مرة عند عجوز منهم خياطة مدة أيام في الشتاء ...

كما أن والدتي استأجرت بيتاً سكنت معي بضعة أسابيع في الشتاء ، وكان هذا البيت دكانا سابقاً لشحود ( رجل كبير في العمر من أهالي الكافات ) ...وفي ذلك العام زار أغــا خــان السلمية ومر من قرب الكافات وهجم أهالي القـرية الى الطريـق العام المسـفلت الذي يربط حماة بالسلمية لرؤية ( ربهم ) آغا خان ...وتسمع البنات يتحدثن بعد عودتهن ( يابيي أنا لمست يده ) ...

ومن الملاحظ أن فرنسا ميزت قرى ( غير المسلمين ) ببناء المدارس فتقدموا على المسلمين السنة وسبقوهم حضارياً...

وخيمة الشعر نوعان :

الشتوية لونها أسود لأنها صنعت من شعر الماعز لأن من خصائصه إذا نزل عليه المطر يشد ويسد الفراغات بين خيوطه ولايسمح للمطر أن ينزل داخل الخيمـــــة ...وتتكـــون الخيمـــة من ( شقاق ) الواحد منها ( شقة )، وهذه الشقاق تكون الجسم الرئيسي للخيمة ، ثم الرواق ويوضع من الغرب ، في بلاد الشام ، ثم الرفة الشمالية والرفة الجنوبية ، والأعمدة والحبال والمسامير التي تدق في الأرض لتثبت الخيمة ...

وكانت المرأة البدوية تدرب على نسج الشُقة خلال الصيف ...وكانت والدتي رحمها الله ماهرة في ذلك الفن المسمى ( السدو)، وقد قرأت في مجلة العربي الكويتية في الستينات من القرن العشرين ؛ موضوعا عنوانه ( السدو فن البدو ) ...

وكنت أرى أمي يرحمها الله تمد السدو وتنسج الشقة ويبقى ذلك عدة أيام حتى تنتهي منها رحمها الله ....

والنوع الثاني من خيمة البدو الصيفي ويســـميه البدو ( القيّاضي ) نسبة الى ( القيظ ) بالجيم المصرية ؛ من أسماء الصيف عندهم .ومصنوع من خيوط القطن ...ولونه أبيض ....

ولخيمة الشعر أجزاء أساسية منها الرواق وهو الجزء الغربي في بادية الشام حيث الرياح غربية تأتي من البحر الأبيض المتوسط ...ومن أجزائه الرُفة ولكل خيمة رفتان الشمالية والجنوبية ....

وغالباً تقسم الخيمة الى قسمين وهما : الرّبعة وجاء اسمها من الربع أي الأصحاب ، أو ربع الخيمة ؛ حيث يجلس فيها الرجل ويستقبل ضيوفه فيها ، والقسم الثاني الحريم وهو التي تجلس فيه نساء الأســـــرة ...

وخيمة البدو في الصيف فيللا رائعة يدخلها الهواء من جميع جهاتها ويطيب فيها النوم عند الضحى ....ويضع البدو ( الزرب) وهو مصنوع من أعواد البردي منسوجة بخيوط الصوف الملونة ، وفي الخيمة زربان الكبير الذي تنام فيه الحريم والأطفال ، والزرب الثاني صغير توضع فيه أدوات الطعام ( القدور والصحون ...) .

وبعد عودتي من الجزائر علمّت سنة واحدة في مدينة حماة في ثانوية أبي الفداء وعثمان الحوراني ، وكان من دروس علم الاجتماع الأسرة البدوية ، وقد توسعت فيها وأعطيتهم مصطلحات منها ( الزرب ) ... وفي الاختبار كان سؤال التعريفات ( عرف الزرب ) وأحد طلابي هؤلاء التقى مع ولدي الدكتور ثائر لما كان في جامعة الموصل ...فقال له ياثائر : عرف لنا الزرب ...قال ولدي : لا أعرف ...فقال له أبوك وضعه سؤالاً في الاختبار ...قال له ابني : أبي عاش طفولته في البادية ...ويعرف كثيراً من المصطلحات التي لم نسمع بـها ...

أما في الشـــتاء فالخيمة برد ورياح تزمجـر مع أنهم يضعـون حولها حزم ( البللان ) وهو شوك يكثر في البادية السورية وريف حماة ؛ ليقلل دخول الرياح الى الخيمة، وهذه الحزم من البلان تأتي بها النساء البدويات من الحقول المحروثة ، تجمعها وتحملها على ظهرها غالباً ، والمرأة البدوية يومذاك تعمل كثيراً كالأَمة والرجل هو السيد ، وهذه من سيئات البدو حيث تعمل المرأة في حلب الغنم وصناعة مشتقات الحليب ، وفي غير قبيلتنا ترعى الغنم أحياناً والرجل هو الإداري فقط...

وفي كل أسرة بدوية مطرقـــة كبيرة ( ميجانا) لتدق بها أوتاد أو مسامير الحديد في الأرض ... ولايمكن أن أنس الآلام التي كانت تعصرني عندما ينقطع الحبل في ليل الشتاء الماطر والعاصف بالرياح حيث تخرج الوالدة رحمها الله وتحت المطر تقوم بقلع المسمار ثم ربط الحبل المقطوع ثم تنادي على والدي رحمه الله ( أحمد ...احمد ) تعال شد معي البيت فيخرج والدي رحمه الله ويساعدها في شد البيت حتى تعيد البيت مربوطاً بالحبل كما كان ، وتعود من مهمتها هذه تصب المياه من ثيابها رحمها الله رحمة واســـعة فتغير ثيابها ثم تعود إلى النوم....وأنـا يومــذاك في عمــر ماقبــل المدرسة أو في الصفوف الأولى ...هذا الشقاء يبين فضل أمي وغيرها من أمهات القبيلة علينا نحن أبناء البدو الذين تعلمنا وصرنا نعرض هذه الصور من حياة البدو على القــراء ....هذا الشقاء في الشتاء يقابله نعيم الخيمة في الصيف والخريف ....

الفرس الأصيل :

ومن ضرورات البادية أن يكون لكل رجل فرس أصيل يسافر عليها وكانت عندنا فرس تســمى ( النوّاقية ) وهو اسم من أسماء الخيول العربية الأصيلة ، ومنها أيضاً ( العبيّة ) وكانت عند محمد النعسان الشنتوت رحمه الله ... ومن عادات البادية أن يقام سباق الخيل في الأعراس والمناسبات ومن فرسان قبيلتنا أذكر نواف العلاوي ووهبان العبود ...ويوم حفلة عرس سعود الناعس (1956) م تقريباً ؛ كنت في الرابع أو الخامس الابتدائي ...ومعي ابن عمي محمد الجاسم الشنتوت يرحمه الله أخذنا الخيل إلى عين وريدة نسقيها عند الظهيرة ، ركبت فرسنا وركب محمد الجاسم فرس محمد النعسان رحمه الله ( العبية ) ولما عدنا درنا حول البيوت بجري خفيف ...

وقد سقطت مرة من ظهرها فوقفتْ ( كالفرامل ) حتى قمت وركبتها ، وهذه من عادات الخيول الأصيلة...هذه الفرس صارت عبئاً ثقيلاً بعد أن تركنا خيمة البدو وسكنا في البيوت الطينية ( القباب ) فبعناها لرجل من تلكلخ غربي حمص وذات يوم هربت من عنده ورجعت الينا ولما وصلت وضعت رأسها على كتف والدتي وصهلت كأنها تبكي ....شوقاً إلى لقاء والدتي وكانت أكثرنا عناية بها ....وفي الصف الرابع في تقسيس بلغني أن الأولاد توعدوني يوم تسليم الشهادات ؛ لأني حصلت على الدرجة الأولى ، وسمع والدي رحمه الله بذلك فجاء ممتطياً صهوة الفرس وانتظرني على بيادر تقسيس حتى وصلته فأردفني خلفه ورجع إلى بيتنا ...

ومصطلح الزرب يذكرني عندما كنت مدرسا في ثانوية ابي الفداء في حماة بعد عودتي من الجزائر(1979)م واسندت لي مادة علم الاجتماع في الاول ثانوي ، وفي الكتاب درس عنوانه ( الأسرة البدوية ) وقد أعطيت هذا الدرس باتقان وتوسع ، وفي الاختبار وضعت سؤالا ( عرف الزرب ...) واحد طلابي قابل ولدي الدكتور ثائر عندما كان طالبا في كلية الطب في الموصل فقال له ياثائر ماهو الزرب ؟ أجاب ولدي : لا أعرف ...قال ذلك الطالب : كيف والدك يضع لنا سؤالا عرف الزرب ؟ فأجابه ولدي : والدي عاش في البادية وفي خيمة البدو ويعرف مصطلحات لانعرفها ...

واليوم العادي في حياة البدوي هو النهوض مع شروق الشمس ، وأغلب البدو لم يكونوا مهتمين بالصلاة في طفولتي ، أما أنا فقد قلدت والدتي رحمها الله وكانت مواظبة على أداء الصلاة ، وصوم رمضان حتى لو كان في حزيران حيث موسم الحصاد واللقاط ، وعرفت منها أنها أخذتها عن أبيها رحمه الله .... ومع شروق الشمس يتناول البدوي القهوة حيث تجد واحداً من رجال القبيلة يصنع القهـــوة العربيـــة في بيته ويحمص القهــوة ويدقها في ( النجــر ) وهو أداة تدق فيها القهوة بعد تحميصها ، وله إيقاع خاص يتقنه ذلك الرجل ، ويجتمع عنده رجال القبيلة ليشــربوا فنجاناً أو اثنــين أو ثلاثة من القهـوة العــربية ( سوداء بدون ســـكر ) ... وكان عمي سليمان الشنتوت ( أبو صالح ) يرحمهما الله يصنع القهوة ويجتمع عنده رجال القبيلة يومياً بعد الشروق بقليل ويجلسون عنده حتى الضحى ، ثم يذهبون إلى بيوتهم ، ليناموا أو يذهبوا إلى أعمالهم في الحقول ....وهذا الاجتماع اليومي لابد منه فإن تغيب أحدهم سألوا عنه لأنه غالباً مريض لذلك تغيب عن القهوة ... ثم تغير هذا وصار الرجال يعملون من شروق الشمس حتى مغيبها ...بعدما زادت حاجات الناس وصارت الكماليات حاجات وصار الرجال والنساء يكدحون طول النهار لإشباع حاجاتهم المتزايدة ....

ومما أذكره في (1956 و 1957) حيث كنت تلميذاً في مدرسة تقسيس ، كنت أرى الرجال في الشتاء يلعبون بالدحل ، وأحيانًا بالكرة ( كرة يصنعونها من القماش ، ويتلقونها بمضارب ( عصي ) من الخشب ، وهي لعبة خشنة وقاسية )...ثم عرف الناس لبنان حيث العمل فيها مستمر صيفاُ وشتاءً فصاروا يسافرون لبنان في الشتاء حيث لاعمل لهم في قراهم ويعودون بالدراهم ، وكانت الليرة اللبنانية تعادل ليرتين سوريتين ....

أمون الحمادية :

كنا في الشتاء نسكن عند عجوز تسمى أمون الحمادية رحمها الله ، وكانت فتاة عانساً مع أمها ، ودارها في منتصف القرية جوار دكان خضور ومقابل المسجد ، عندها غرفة ممتازة تؤجرها لأمثالنا ، وقد سكن عندها نواف الصالح يرحمه الله ، وفيصل الأحمد المبارك ، وفجر السليمان الشنتوت ، ومحمد نواف العلاوي ، وعبد الرحمن الشعلان ، والعبد الفقير ...وقد أعانني الله فكنت أبرها وأنا في السعودية بما تيسر ، رحمة الله عليهما ...

مشي الليل :

ومن ضرورات الحياة البدوية أن يتعلم المراهق مشي الليل ، وكان ابن عمي محمد الجاسم الشنتوت وهو من عمري تقريباً يأخذني لنذهب ليلاً الى بساتين قرية الجنان القريبة علينا ، لنسرق الفواكه من أشجارها ، وكانت الوالدة رحمها الله لاتأكل من ذلك ...

وفي الواقع كنا نقوم بأعمال تشبه مايقوم به المغاوير أو الوحدات الخاصة ، نخلع ثيابنا ونربطها على رؤوسنا ، ونجتاز نهر العاصي سباحة ، ونخرج من الشاطئ من بين أشجاره وحشائشه ، لنقطف من الثمار ونضعها في ثيابنا ثم نعود سباحة ...

وصار السفر ليلاً من القرية إلى حماة ( 16) كلم أمراً ميسوراً لنا ، ومرت علي سنوات وأنا في المرحلة الإعدادية ( المتوسطة ) نذهب يومياً إلى حماة ، ننطلق من القرية في الثانية ليلاً ومعنا الخضروات ( طماطم ، وباذنجان ، وخيار ....) بالاضافة للحليب ومشتقاته ليباع في حماة ( شارع باب البلد ) ثم نعود بعد أن نفطر شعيبيات وحلويات من عند ( روادي ) ، وأذكر أن كيلو الطماطم يباع بالجملة ( السحارة 20 – 25) كلغ يباع الكيلو الوالحد ب بعشرة قروش سورية ...

 
RocketTheme Joomla Templates