تصويت

ما تقييمك للموقع ؟
 

المتواجدون الآن

يوجد حاليا 25 زوار 
تاريخ سوريا الحديث للانصاري -7

الفصل الأول

تكتل الأقليات الباطنية والطائفية

كان انقلاب الثامن من آذار 1963م ، انتصاراً لحزب البعث العربي الاشتراكي من جهة، وفرصة ذهبية لظهور الأقليات الباطنية من دروز وإسماعيلية ونصيرية من جهة أخرى ، وكذلك النصارى فالأقليات الباطنية جاءت من الريف والجبل ، بحكم نشأة الحزب بعيداً عن المدن الكبرى ، حيث أن معظم أهلها من السنة .
يقول الدكتور سامي الجندي ، وهو من مؤسسي الحزب القدماء : " لقد انتشر الحزب في الريف ، ولكنه كان ضعيفاً في دمشق وباقي المدن السورية ، وصار الحزب كبيراً في جسمه صغيراً في رأسه، حيث أن الأقليات الدينية كانت متواجدة أصلاً في الريف ، ومنها النصيريون والدروز، وأن المدن كانت أساساً مسلمة سنية، في تكوينها الديمغرافي"(42).
وقد ندر في فرع دمشق الأعضاء الدمشقيون الذين ينحدرون أصلاً من عائلات دمشقية، ففي سنة 1964م تجمد نشاط الحزب فيها، لأن أعضاء الحزب كانوا غرباء عن دمشق ، حتى اضطرت القيادة القطرية في الحزب أن تطعم قيادة فرع دمشق وفرع حماة بعناصر جديدة ، وخاصة حينما واجه الحزب مشاكل عديدة في المدينتين المذكورتين، باعتبار أن معظم أهلهما من السنة، وفي عام 1964م ، ثار أهل حماة ضد النظام، فقمعت الثورة بقسوةووحشية.
وقد قام بعملية القمع الدموي في حماة، ضابط بعثي درزي هو (حمد عبيد) وقصفت المساجد وأولها مسجد السلطان(43) .

(42) كتاب البعث: د. سامي الجندي/ ص39 - 40، طبعة بيروت،1969 .

(43) ينظر: حزب البعث، مطاع الصفدي/ص341 .

تصفية الضباط السنة بعد انقلاب الثامن من آذار
لقد تغلغلت الأقليات الباطنية في حزب البعث ، مما جعل تأثير الحزب في الأوساط الإسلامية ضعيفاً، وصارت سياسته مناوئة لتوجهات المسلمين وعقائدهم .. عدوانية لأبناء أهل السنة في الجيش وقوى الأمن ... ففي الفترة التي أعقبت انقلاب النحلاوي في 8/3/1962م كانت التسريحات (في أوساط المسلمين السنة داخل المؤسسة العسكرية) قوية وعنيفة، واستلم الضباط الباطنيون محل الضباط المسرحين، الذين كانوا من دمشق خاصة وعامة أهل السنة في المدن الأخرى(44) . وعندما جاء انقلاب الثامن من آذار/1963م احتكر البعث السلطة .

1 - انقلاب الثامن من آذار/1963م واحتكار البعث للسلطة
تجمعت القوى العسكرية المناوئة للانفصال ، وهم الضباط الناصريون والوحدويون، وكذا الضباط البعثيون والذين ينتسبون إلى الأقليات الباطنية من الدروز والنصيريين ... فقام هؤلاء جميعاً بانقلابهم ضد حكومة الانفصال وضباطها .. وكان عدد من الضباط الباطنيين قد عادوا إلى الجيش بعد أن كانوا مفصولين من الجيش ومنهم : محمد عمران وحافظ الأسد، وصلاح جديد وعبد الكريم الجندي وآخرون ، وقد ترأس العميد لؤي الأتاسي المجلس الوطني لقيادة الثورة فترة من الزمن، فيما ترأس صلاح البيطار الوزارة(45) . وكان اللواء زياد الحريري (رئيس الأركان) هو الذي قاد الانقلاب إلا أن شركاءه البعثيين، استغلوا رحلة قام بها إلى الجزائر فجرِّد من وظيفته وعين سفيراً في إسبانيا(46) . وفي 14/آذار/1963م ، كان قد توجه وفد إلى القاهرة من أجل المفاوضات لصالح الوحدة ، وكان من أعضاء الوفد : نهاد القاسم (نائب رئيس الوزراء) ، عبد الكريم زهور (وزير الاقتصاد)، اللواء راشد قطيني (معاون القائد العام للقوات المسلحة) ، اللواء زياد الحريري (رئيس الأركان) والمقدم فواز محارب والمقدم فهو الشاعر (عضو المجلس الوطني لقيادة الثورة) . واجتمع بهم عبد الناصر وبعض رجاله ، وانضم إليهم وفد العراق بعد ثورة البعث، منهم : صالح السعدي (نائب رئيس الوزراء) ، ووزير الدفاع (صالح مهدي عماش) وكانت المباحثات تدور حول اتحادٍ بين الجمهوريات الثلاث ، لكنها لم تسفر عن شيء(47) . ويلاحظ أن البعثيين السوريين ، لم يكن لهم تمثيل واضح في مباحثات الوحدة وأن شركاءهم في الانقلاب كانوا يظنون أن الوحدة مع مصر قاب قوسين أو أدنى ، ففي سوريا كانت المنازعات قد أثيرت منذ الأيام الأولى لثورة آذار، إذ شكل جاسم علوان ورائف المعري ومحمد نبهان، وذوقان قرقوط منظمة سرية أطلقوا عليها (أنصار الوحدة) (48) . وكانت إذاعة عبد الناصر، قد بدأت تذيع تقارير مباحثات الوحدة والاتحاد خلال شهري (آذار ونيسان) وأظهرت قادة البعث (عفلق والبيطار) بمظهر المفاوضين الدنيئين ، وجعلتهما سخرية للسامعين .
وكان الصراع بين الناصريين والبعثيين ، قد فجر الأوضاع في سوريا، وبرز الصراع قوياً داخل الجيش ، وكان المجلس الوطني لقيادة الثورة (8/آذار/1963م) يتكون من هيئة سرية تتألف من عشرين عضواً، ثمانية من الناصريين، واثني عشر من البعثيين ، وسرحت اللجنة العسكرية ما يزيد عن خمسين ضابطاً من الناصريين واستقال بسبب ذلك : وزير الدفاع محمد الصوفي وهو (ناصري) ، وراشد قطيني رئيس الأركان (ناصري) أيضاً ، ثم استقال معهما خمسة وزراء ناصريين(49).
2- انقلاب الناصريين في 18/تموز ونتائجه المريرة
قام الضباط الناصريون والوحدويون بمحاولة انقلابية على سلطات حزب البعث، بقيادة: اللواء لؤي الأتاسي، وجاسم علوان، ورفاقهما، وكانت القاهرة تؤيد هذه الحركة ، لكن خطة الانقلاب فشلت، وتسربت أخبارها عن طريق بعض النصيريين المشاركين في تلك المحاولة، أمثال: محمد نبهان، الذي كان جاسوساً لصالح الطائفة النصيرية (1) . وبعد فشل المحاولة الانقلابية، شُكلّت محكمة عرفية من شركاء الثورة، برئاسة المقدم صلاح الضللي، وعضوية النقيب محمد رباح الطويل، والنقيب سليم حاطوم، والنقيب سليمان العلي في 19/تموز، وأصدرت أحكاما ًمختلفة فأُعدم هشام شبيب (عقيد)، وصدرت أحكام أخرى مختلفة ما بين الإعدام: لجاسم علوان، ومحمد نبهان، ورائف المعري، وآخرين حيث بلغ عددهم العشرين ضابطاً وانقلابياً، وبالأشغال الشاقة والمؤبدة والسجن سنوات عدة للآخرين ... وعين اللواء أمين الحافظ وزيراً للداخلية(2) . لقد تم احتكار البعث للسلطة بعد هذه الأحداث، فتمكن الضباط الطائفيون من السيطرة على اللجنة العسكرية المنوط بها الإشراف على التنظيم العسكري البعثي في صفوف الجيش والقوات المسلحة، تأسست هذه اللجنة عام 1959م خلال الوحدة مع مصر، وكانت في البداية تتكون من خمسة ضباط ثلاثة منهم نصيريون (محمد عمران ـ صلاح جديد ـ حافظ الأسد) واثنان اسماعيليان (عبد الكريم الجندي وأحمد المير)، ثم وسعت اللجنة وصار عدد أعضائها خمسة عشر عضواً كانوا كالتالي :5 نصيريون - 2 من الإسماعيلية - 2 من الدروز (سليم حاطوم ، وحمد عبيد) ، وستة من السنة منهم (موسى الزعبي ، ومصطفى الحاج علي، وأحمد سويداني، وأمين الحافظ، ومحمد رباح الطويل)(3) .

3- التكتل الطائفي داخل الجيش وتسريح المئات من الضباط السنة
لقد تم تسريح ما لا يقل عن سبعمائة من كبار الضباط السنة، بعد انقلاب 8/3/1963م، وتم تعيين مثل هذا العدد لملء الفراغات من أبناء الطائفة النصيرية، فصارت قيادة اللجنة العسكرية بين ثلاثة من الضباط النصيريين          ( عمران - جديد – الأسد ) .
وصار صلاح جديد رئيساً للأركان العامة في الجيش (ما بين شهر آب/1963م، وشهر أيلول/1965م) ، وأصبح حافظ الأسد قائداً لسلاح الجو، ومحمد عمران وهو أكبرهم سناً، يتحكم بقيادة القوات الخاصة، أي اللواء المدرع السبعين، وكان دائم الحضور جنوبي دمشق ، ويشكل العمود الفقري لجهاز البعث العسكري ،
ومن خلال هذه الأجهزة العسكرية الهامة، استطاع النصيريون التحكم بمصير سوريا لفترة طويلة، فتخلصوا من رفاقهم الناصريين والوحدويين : (لؤي الأتاسي، وزياد الحريري، محمد الصوفي، محمد الجراح، جاسم علوان) .
ويلاحظ أن هؤلاء جميعاً كانوا من الضباط السنة، ولو بحكم المولد والنشأة ، وقد بدأ الثلاثي النصيري (عمران - أسد - جديد) يكرس الطائفية، في أوساط الطائفة النصيرية والجيش السوري ، يقول منيف الرزاز : " إن رائحة التوجه الطائفي داخل الحزب بدأت تظهر بعد أن كانت همساً ... ثم تطورت هذه الأصوات إلى اتهامات لا تفتقر إلى الأدلة الكافية "(14) . لقد كان انقلاب الثامن من آذار، نقطة تحول أساسية في تاريخ سوريا المعاصر، من ناحية بروز الدور السياسي للأقليات الطائفية، وخاصة النصيريين ، ولقد ضمر دور المسلمين السنة، وخاصة في المدن الكبرى ، بعد ذلك الانقلاب المشؤوم، فتم انحسار دور أبناء المسلمين في تلك المدن (دمشق - حلب - حمص – حماة) ، " فبعد انقلاب آذار/1963م، أصبح تمثيل الضباط النصيريين في القيادات القطرية يشكل أعلى نسبة حيث وصلت إلى نسبة ( 37.7 % ) وبعدهم الدروز (9.4) ثم الإسماعيليون(5) . يقول الدكتور سامي الجندي أحد مؤسسي حزب البعث، وكان قد تقلد منصب وزير الإعلام بعد انقلاب آذار : " إنه بعد أن أسندت إليه مسؤولية وزارة الإعلام بثلاثة أيام ، زاره (الرفاق) في مكتبه من أبناء طائفته مطالبين بالتخلص من أبناد دمشق وحلب وحماه وتعيين أبناء الطائفة في وظائفهم مكان المسلمين "(6) . كما أن الصراع على السلطة بدأ يظهر بين قادة اللجنة العسكرية البعثية عقب الانقلاب الناصري الفاشل في (18/ تموز/1963م) حيث لجأ هؤلاء القادة إلى تجميع عسكريين حولهم ، ممن تربطهم بهم روابط طائفية أو عشائرية أو إقليمية ، ونتيجة لذلك قُوِّضت بنية القيادة والانضباط ، داخل القوات المسلحة وداخل تنظيم الحزب العسكري بشكل ملحوظ (7) .
وفي تقرير حزبي، وصف أمين المكتب التنظيمي العسكري لحزب البعث هذه العملية فقال : " لقد وصل التنظيم إلى حالة من التشويه، لم يعد من الممكن تحملها من قبل الرفاق، وحل الولاء الشخصي والتكتلي محل الولاء  الحزبي " (8) . وكان أهل السنة هم الخاسرين في كل مرحلة، فقد عانى أبناؤهم من التمييز لدى تقدمهم للالتحاق بالكلية العسكرية ومراكز التدريب الأخرى، وتكرر الأمر عندما جند أعضاء جدد في الحرس الوطني البعثي، أو الشعبة السياسية والمخابرات، بينما كان العلويون والدروز والإسماعيليون والنصارى - الروم الأرثوذكس - يحظَوْن بتميز إيجابي في المعاملة في كثير من الحالات(9) . وطبقاً لمطاع الصفدي - بعثي قديم - ، في كتابه حزب البعث : " فقد أغلق باب الكليات العسكرية ومختلف المدارس العسكرية في وجه شباب المدن السنية، حتى أن دورات كاملة من هذه الكليات قد سرحت جميعها من الخدمة قبل أن تتخرج "(10) . وكل من عاصر تلك الفترة يعلم ذلك جيداً ، هذا وإن تقويض سلطة القادة العسكريين بالسيطرة على الولاءات الطائفية التي تَتبعهم في قطعهم، لم يكن بظاهرة جديدة في تاريخ الجيش السوري، فقد استخدمت مثل هذه التكتلات على سبيل المثال خلال (فترة الانفصال) ففي بداية عام 1963م ، فشل المقدم الدمشقي عبد الكريم النحلاوي في محاولة استرداد سلطته على الجيش، وأحد أسباب فشله يعود إلى أن بعض الضباط فقدوا السيطرة على جنودهم الذين رفضوا الامتثال لمزيد من الأوامر، لقادتهم الدمشقيين أو الذين هجروا وحداتهم العسكرية، بتحريض من الشيوخ النصيريين(11) . وهكذا أحكمت القبضة على مقدرات البلاد، من قبل الأقليات الطائفية، فظهرت أحقادها الدفينة، وتعاونت على الفتك بأهل السنة، حتى ولو كان الضباط السنيون متحللين سلوكياً، فجرة مجرمين أخلاقياً، ذاق المسلمون على أيديهم الويلات كما هو شأن الباطنيين، ومن هؤلاء أمين الحافظ، يوسف زعيّن، أحمد سويداني . ثم تطورت الأحداث فأطاح التعاون الباطني برئيس الدولة أمين الحافظ وبعصابته من أهل السنة، تحت شعار الإطاحة بالقيادة القومية، وذلك في حركة 23/شباط/1966م إذ تعاون فيها الدروز والإسماعيليون مع النصيريين في تلك الحركة . ثم تخلص النصيريون من رفاق التآمر والإجرام، من الدروز والإسماعيليين، فسجن كثير منهم، وأعدم آخرون وبذلك تدور على الباغين الدوائر. واستمر مسلسل التناحر والتصفيات داخل الطائفة النصيرية، فانتصرت العشائرية والانتهازية والطائفية على بعض رموز الطائفة النصيرية، فتخلص حافظ الأسد من خصومه : صلاح جديد ومحمد عمران وآخرين .. وها هو التناحر يستمر، والتفرد بالسلطة يلقي بكابوسه على الأمة، ولا نجاة من الله إلا إليه .

(44) التجربة المرة: د. منيف الرزاز/ ص159، طبعة بيروت/1967م .

(45) هؤلاء حكموا سوريا: د. سليمان المدني/ص149 .

(46) هؤلاء حكموا سورية: د. سليمان المدني، ص151 .

(47) الانقلابات العسكرية في سورية: محمد أبو عزة/ص386 .

(48) المرجع السابق/ص389 .

(49) ينظر: الانقلابات العسكرية في سوريا: محمد أبو عزة/406 .

(1) الانقلابات العسكرية في سوريا: محمد أبو عزة/ ص 604 .

(2) الانقلابات العسكرية/ ص410 - 411، وهؤلاء حكموا سورية/ص151 .

(3) ينظر: التجربة المرة: منيف الرزاز/ص87، والبعث لسامي الجندي ص85، ومقال في مجلة الدعوة المصرية العدد (72)، بعنوان: سقوط سوريا في براثن الأقليات الطائفية .

(4) التجربة المرة/ص159 .

(5) الصراع على السلطة في سوريا/ص130، د. نيقولاوس فان دام .

(6) البعث: سامي الجندي/ص136 .

(7) الصراع على السلطة في سوريا/ ص64، طبعة/1995م .

(8) حزب البعث العربي الاشتراكي، القطر السوري، المكتب العسكري، مشروع تقرير عن واقع الحزب في التنظيم العسكري، 19/10/1965م .

(9) الصراع على السلطة في سوريا/ص66، والتجربة المرة: د. منيف الرزاز/ ص159، وجريدة النهار/9 تموز/1963م .

(10) كتاب حزب البعث: مطاع الصفدي/ص339 – 340 .

(11) البعث: د. سامي الجندي/ص109 - 110، والصراع على السلطة في سوريا/ د. نيقولاوس فان دام/ص68 .

المبحث الثاني

المخططات النصيرية للتفرد في السلطة

في المبحث السابق عرفنا كيف كان النصيريون يتسللون إلى مؤسسات الجيش والحزب بخطاً حثيثة، وتخطيط سري ماكر ، دخلوا في تشكيل نواة عسكرية سورية في القاهرة عام 1959م، واستغلوا قرار إبعاد سبعمائة ضابط بعد الثامن من آذار/1963م، بإشغال معظم أماكن هؤلاء بضباط من أبناء الطائفة ، وخلال أشهر قليلة بعد هذا الانقلاب المشؤوم ، أبعدوا خصومهم من العسكريين البارزين الناصريين والوحدويين والمستقلين، عن المراكز الحساسة في الجيش .. فكان لذلك أثره في سيطرة الطائفة على معظم قيادات الجيش القريبة من دمشق، وتنشيط فروع الحزب في محافظة اللاذقية، وخاصة الموالين لهم، على حساب الفروع الأخرى ، كما أنهم كثفوا جهودهم في قبول عدد كبير من أبناء طائفتهم في الكلية العسكرية والحرس القومي والمخابرات .. وفي ضوء الانقلاب الفاشل الذي قام بن جاسم علوان عقد في حمص بعد 18/تموز/1963م، مؤتمر حضره عدد كبير من زعماء الطائفة النصيرية وضباطها البارزين منهم : محمد عمران - إبراهيم ماخوس - حافظ الأسد - صـلاح جديد وغيرهم . انظر : أبو موسى الحريري (العلويون النصيريون) بيروت 1980م/ص234 - 236 والنصيرية : تقي شرف الدين/ص169 - 173 .

المؤتمر النصيري المنعقد في حمص 1963م والقرارات الخطيرة
كان مؤتمر حمص أبرز مؤتمرات الطائفة النصيرية من أجل التخطيط للاستيلاء على السلطة في سوريا، وقد دأبوا على التآمر والتخطيط منذ بداية الاستقلال ، وقد عقد الضباط النصيريون مؤتمراً في قرداحة عام 1960م لهذا الغرض ، كما أنه حضر في مؤتمر حمص عام 1963م مشايخ الطائفة وعدد من كبار الضباط، وتوصلوا إلى ضرورة قيام الدولة النصيرية، تحت ستار حزب البعث مؤقتاً ، وحضر ذلك المؤتمر: محمد عمران، وصلاح جديد، وحافظ الأسد ، وعزت جديد ، وإبراهيم ماخوس ، وقد وزعت عليهم الألقاب والرتب الطائفية السرية .
وحضر من مشايخ الطائفة : الشيخ علي ضحيَّة، والشيخ أحمد سليمان الأحمد، والشيخ سليمان العلي،    وآخرون(13). وفي نهاية الاجتماع اتخذت القرارات التالية :
1- ترفيع محمد نبهان إلى رتبة “نجيب” تقديراً لدوره في انقلاب 18/تموز/1963، فقد اشترك - مدسوساً - ومن خلاله تمكن النصيريون من الاطلاع على نوايا وخطط الناصريين فباء انقلابهم بالفشل(14) .

2- منح محمد عمران الوشاح البابي الأقدس ، وتكليفه بمتابعة نشاطه في حقل الناصريين .

3- تنشيط العمل بالمخطط الموضوع، حول انضمام المزيد من أبناء الطائفة المثقفين إلى حزب البعث والدخول باسمه في مؤسسات الجيش، إثر قرار اتخذ بتكليف من مشايخ الطائفة لدعوة أبنائها بضرورة الانخراط في القوات المسلحة .

4- التخطيط البعيد لتأسيس الدولة النصيرية، وجعل عاصمتها مدينة حمص .

5- تكليف صلاح جديد بقيادة وتوجيه العناصر النصيرية في الجيش ومنحه رتبة دينية رفيعة (مقدّم) ،كما منح حافظ أسد رتبة (نجيب) ، أما عزت جديد وعلي حماد، فقد منح كل منهما رتبة (المختص)(15) .

6- مواصلة نزوح النصيريين من قرى الريف والجبل إلى المدن وخاصة حمص واللاذقية وطرطوس .

7- التغرير بالضباط الدروز والإسماعيليين ، للتعاون معهم مؤقتاً، ثم استئصالهم وإبعادهم عن صفوف الجيش، وإحلال عناصر نصيرية محلهم مستقبلاً .

8- تسليم القيادة السياسية إلى إبراهيم ماخوس، ثم إعداده ليكون رئيساً لوزراء الدولة النصيرية المنشودة على أثر قرار طائفي، لإحلاله محل والده في رتبته الدينية(16) . ومن أنظمة الطائفة النصيرية وأعرافها، أن للأحلاف والعشائر النصيرية في سوريا أكثر من زعيم أو رئيس ، ويكون على رأس كل عشيرة شخص يدعى (مقدم) ، ورغم أنّ زعامة العشيرة كانت تنتقل عن طريق الوراثة، إلا أنه كان بالإمكان الوصول إليها عن طريق مؤهلات شخصية، أو التأثير في الأحداث، كعائلة الأسد أخيراً، إذ اكتسبت مكانتها عن طريق النفوذ الكبير الذي حققته العائلة على صعيد الجيش ومؤسسات السلطة(17) . وبذلك فقد تحددت معالم المخطط النصيري :
فقد استمر أبناء الطائفة من الضباط في إقامة تكتلات عسكرية خاصة بهم، وأصبح اللواء صلاح جديد – رئيس الأركان السوري - يتلقى المزيد من الدعم من قبل الضباط النصيريين ، وقد أحس بهذا الاتجاه كل من أمين الحافظ - رئيس الدولة - والمقدم أحمد السويداني، رئيس المخابرات العسكرية ، وانتقدا (محمد عمران) لنشره الطائفية وتعزيزها، وشاركهما في الانتقاد ظاهرياً كل من صلاح جديد وحافظ أسد بعد انكشاف أمر محمد عمران بصورة ملفتة للنظر ... وقد تمكن الأسد وجديد من إخفاء نزعتهما الطائفية إلى حين، واستمرا في مواقعهما القيادية بفضل الدعم الكبير لهما من الضباط النصيريين، وكان الجميع ينتظرون الفرصة الملائمة لتنفيذ المخطط المرسوم ، على عكس محمد عمران الذي حاول تنفيذ المخطط سريعاً ، وقد ظهـرت بوادر تنفيذ هذا المخطط، من خلال دعم الضباط الدروز (حمد عبيد وسليم حاطوم) والإسماعيليين (أحمد المير وعبد الكريم الجندي) ، حيث استطاع صلاح جديد أن يكسب ولاء هؤلاء وفق المخطط النصيري المرسوم ، وظهر ذلك واضحاً عندما رفض صلاح جديد وبقية الموالين له من الضباط النصيريين، التقارب مع مصر والعراق تحت ذرائع عدة، وضرورة التوجه إلى الداخل، مما سبب توتر الأوضاع، واستمرت الطائفة النصيرية في مخططها المرسوم في مناهضة قرارات القيادة القومية، وإزاحة الكثير من الضباط السنة، وإحلال النصيريين محلهم(18) .

استمرار المخططات النصيرية

لم تتوقف اجتماعات القيادة النصيرية بعد مؤتمر حمص الكبير 1963م، فقد توالت الاجتماعات تخطط وتتآمر وذلك في :

· جب الجراح - وتقع قرب حمص - في 31/1/1968 ، وتقرر فيها إنهاء دور المسلمين في سوريا، وتصفية قوى الدروز والنصارى .

· وفي صبورة الواقعة قرب دمشق بتاريخ 14/نيسان/1968م .

· والثالث في دمشق في الأول من شهر أيار/1968م .

· والرابع في بيت حافظ الأسد، وقد ضم كلاً من صلاح جديد، وإبراهيم ماخوس ، وشفيق عبدو، وأحمد سليمان الأحمد، وعلي نعيسة، ومحمد الفاضل، وعزت جديد، وسهيل حسن، وآخرين(19) ولعل كثافة هذه الاجتماعات جاءت لاقتسام الغنائم بعد عام 1967م .

(13) ينظر: العلويون النصيريون، أبو موسى الحريري/ص234 - 236، والنصيرية: تقي شرف الدين/ ص169 وما بعدها .
(14) النجيب رتبة دينية سرية عند النصيريين، وكذلك: رتبة الوشاح البابي وهي من الرتب العليا لدى الطائفة، ومن تلك الرتب: رتبة المقدم والمختص.

(15) انظر الهامش السابق .

(16) النصيرية: تقي شرف الدين/ بيروت/1968، ص171، وأبو موسى الحريري: العلويون النصيريون/ص235 – 236 .
(17) النصيرية: تقي شرف الدين/ص170 .

(18) النصيرية: تقي شرف الدين/ ص172 - 173.
(19) العلويون النصيريون: أبو موسى الحريري /ص236 – 237 .

تغلغل النصيريين في المؤسسات السياسية(20)

عندما أدرك النصيريون حقيقة الاتجاه القومي في سوريا، بدأوا يتسللون إلى الأحزاب ذات النهج القومي، متخذين منها غطاءً لتحقيق مخططاتهم الخبيثة والعدوانية تجاه المجتمع العربي الإسلامي ومبرراً لاقتناص الفرص المواتية في التوصل إلى سدة الحكم .. مع التركيز على أهداف الطائفة النصيرية ... والمسلك الباطني المزدوج الانتهازي في كل مراحل تاريخهم ، ولطالما تعاونوا مع أعداء المسلمين خلال الحروب الصليبية، وغزو التيار لديار المسلمين، ناهيك عن دولتهم تحت النفوذ الفرنسي وتوسلهم إلى دولة المستعمر الفرنسي، حتى يبقي لهم دويلتهم الطائفية، بعيداً عن العاصمة دمشق(21) .وللطائفة النصيرية تطلعات مشبوهة وأهداف مريبة، كانت نتيجة لعوامل كثيرة من أبرزها :

1- انغلاق الطائفة على نفسها، رغم تقدم وسائل المواصلات، واحتكاك الطوائف ببعضها وخاصة بعد الاستقلال .. ورغم توحيد مناهج التعليم في البلاد، فقد استمروا في المحافظة على عقائدهم الضالة وعاداتهم المتخلفة ، إلى جانب حفاظهم على المكاسب السياسية التي تم إنجازها في ظل الاحتلال الفرنسي، مع مواصلة العمل المتنوع الأساليب ، وصولاً لأهدافهم الطائفية والسياسية الأخرى .

2- غلبة الولاءات الإقليمية لأبناء الطائفة على الولاء الحزبي أياً كان هذا الحزب ، فقد وجدت الطائفة أن أهداف حزب البعث القومية سوف تؤثر على أهدافهم، فسعوا للانضمام إليه بغية العمل على تهديمه من الداخل وتحريف وتشويه أهدافه، كما أن الدعوة للوحدة العربية سوف يُلغي دورها كطائفة صغيرة، لها طموحاتها في إقامة دولتها الطائفية الخاصة ، يقول الدكتور منيف الرزاز :        " لما تم لهذه الفئة (بعد 23/ شباط 1966م) الأمر، انطلقت تتخلص من الحزبيين الذين لم يرضخوا لقيادتها ... هدفت إلى إنهاء حزب البعث وأنهته، وأحلت محله تنظيماً انتهازياً تابعاً للسلطة .. ثم انتهت بوضع البعثيين في السجون، واتهمتهم بالخيانة والتحالف مع الاستعمار والرجعية "(22) .    كما انضم بعضهم إلى أحزاب سياسية أخرى ، لإكمال نشاطهم المشبوه، فقد اغتيل العقيد عدنان المالكي رئيس الأركان العامة على يد عريف نصيري ينتمي إلى الطائفة النصيرية، وكان وراء هذا الاغتيال الضابط النصيري (غسان جديد) وهو شقيق صلاح جديد، وينتمي للحزب القومي السوري، وقد اتهم بصلته بالولايات المتحدة فسرحه عدنان المالكي من الخدمة، وكان الكثير من أبناء الطائفة في تلك الفترة ينتمون للحزب القومي السوري(23) .وكان انضمامهم لحزب البعث وغيره، أملاً في تسلم السلطة السياسية عن أي طريق ينتهزون فيه الفرصة، ساعين لإنهاءالسيطرة للأغلبية المسلمة على الحياة السياسية السورية .

3- استمرار النصيريين في الهيمنة على الحزب، ويتضح ذلك من خلال الوقائع التالية(24) :
( أ ) إن قرار المكتب التنظيمي للحزب الذي شكل بعد انقلاب الثامن من آذار/1963، قد وظف لصالح الطائفة النصيرية التي استغلت إجراءات مرنة لقبول العديد من أبنائها في جهاز الحزب أعضاء عاملين دون توفر الشروط المطلوبة، فحدث تحول مريع في تركيبة كثير من فروع الحزب لصالحهم ... وظهر إلى الوجود عدد من الكتب الحزبية ذات ارتباطات طائفية وإقليمية، وليست ارتباطات فكرية حزبية ، " فقد تضاعفت بسبب ذلك عضوية الحزب إلى عشرة أضعاف، وسمي ذلك القرار بقرار (الزحف وسط الجماهير) وهذه الإجراءات الحزبية المتساهلة أدت إلى نشاط محموم بين فروع الحزب وشخصياته للتحكم بالكمية الهائلة من الأعضاء الجدد ... ولذلك تحولت فروع الحزب في المحافظات إلى مواطئ قبلية وطائفية وعائلية ... ففتح المجال على مصراعيه داخل الحزب للمقاييس القبلية والطائفية والعائلية "(25) .                                                                        ( ب ) إن فرعي حماة ودمشق للحزب لم يتلقيا إلا القليل من الدعم المادي والمعنوي من قبل اللجنة العسكرية التي يهيمن عليها النصيريون، وقد جمد نشاط فرع دمشق عام 1964م، كما أن المكتب الفلاحي لحزب البعث أصدر تقريراً عام 1965م، يشير إلى أنه بسبب الضغوطات الطائفية للنصيرية لم يتم اكتساب أعضاء جدد إلى تنظيم اتحاد الفلاحين في مناطق معينة إلا إذا كانوا من أبناء الطائفة ، الأمر الذي دفع بالفلاحين المسلمين إلى عدم الانضمام إلى الحزب في مرحلة لاحقة، وخاصة بعد انقلاب23/شباط/1966م .
( ج ) لاحظ التقرير التنظيمي المقدم للمؤتمر القطري السوري الثاني لحزب البعث المنعقد في آذار ونيسان/1965م، أن أعضاء فرع الحزب في محافظة اللاذقية بشكل خاص، كانوا أكثر عدداً مقارنة مع أعضاء فروع الحزب الأخرى ... فازداد حجم الفرع المدني في ذلك الإقليم بسبب سيطرة العسكريين النصيريين على مقدرات الحزب، تكثيراً للأنصار ليكون موقفهم أقوى من منافسيهم العسكريين ضمن إطار الحزب ، وبذلك يلاحظ أن العلاقات الشخصية والمنفعية للنصيريين وحلفائهم، أصبحت هي الأساس في التحالفات السياسية، خلال الأعوام (1963 - 1966م)[26]. وفي المباحث القادمة سنتحدث عن بقية عناصر المؤامرة وخبث التخطيط الماكر .

(20) ينظر: النصيرية/ تقي شرف الدين، ص179 – 186 .

(21) ينظر تفصيلاً لذلك: الباب الرابع من هذا الكتاب/ فصل النصيرية .

(22) التجربة المرة: د. منيف الرزاز/ص260 .

(23) النصيرية: تقي شرف الدين/ص182 – 183 .

(24) النصيرية: تقي شرف الدين/ص185 .

(25) التجربة المرة/ منيف الرزاز/ص110 .

(26) ينظر: النصيرية، تقي شرف الدين/ص185 – 186.

المبحث الثالث

الصراع بين أجنحة حزب البعث

بعد الانقلاب العسكري الفاشل الذي قاده الناصريون في 18/تموز/1963م، بدأ الصراع داخل الكتلة العسكرية لحزب البعث يتبلور، وبدأ قادة النصيرية في الجيش، يكرسون سيطرتهم على السلطة والمؤسسة العسكرية، بعد مناشدة صاخبة للولاءات الطائفية والقبلية والعائلية، في أوساط الطائفة النصيرية . وقد أدى هذا التوجه إلى " انهيار كبير في نظام الحزب العلماني الذي أنشئ وهو يدعو إلى إقصاء الانتماءات الدينية والقبلية ... إلا أن رائحة التوجه الطائفي بدأت تظهر همساً ، ثم أخذت ترتفع وتطورت الأصوات إلى اتهامات صارخة (27) .
وكانت المهمات داخل المؤسسة العسكرية ، قد وزعت بتخطيط محكم، فالضباط النصيريون تمركزوا في العاصمة دمشق أو قريباً منها، بينما أوكلت المهمات للضباط السنة بعيداً عن العاصمة، وغالباً على الحدود مع إسرائيل، ليكونوا بعيدين عن مجرى الأحداث ، وقد كرس الثلاثي النصيري (محمد عمران - حافظ الأسد - صلاح جديد) جهودهم لتكثيف الأعداد الهائلة من النصيريين في أجهزة القيادة داخل العاصمة، ومن ثم تشتيت العناصر السنية في المحافظات والقرى النائية، وكانت هذه السياسة لصالح النصيريين في انقلاب 23/شباط/1966 (28) .

(27) التجربة المرة: منيف الرزاز، ومجلة الدعوة المصرية العدد (72) مقال بعنوان: (سقوط سوريا في براثن الأقليات الطائفية) .
(28) مجلة الدعوة المصرية/العدد (72) .

سيطرة الثالوث النصيري : عمران - جديد - الأسد

ازدادت الممارسات الطائفية، في الجيش والسلطة، وسارعت بعض العناصر النصيرية إلى المجاهرة بالنشاط الطائفي مما ساهم في استيقاظ المشاعر الإسلامية السنية في الجيش، وأدى ذلك إلى إقصاء محمد عمران لمجاهرته بالباطنية .
فقد كان محمد عمران يقول في كل مناسبة : " إن الباطنية، يجب أن تأخذ دورها في تحسين أوضاع تلك الأقليات، وتأخذ دورها ضد عدوها المشترك " ، " وأن الفاطمية يجب أن تأخذ دورها من جديد "(29) .
وقد تمكن صلاح جديد وأمين الحافظ من التخلص من اللواء محمد عمران وإبعاده عن الجيش (في كانون الأول من عام 1964م) وترحيله إلى لبنان، بتهمة بناء كتلة طائفية نصيرية داخل الجيش ... ولم يقتصر اتهام عمران على ضباط السنة كالحافظ وموسى الزعبي، بل تعداه إلى ضباط نصيريين بارزين، كصلاح جديد وحافظ الأسد .
ورغم أن جديد والأسد لا يختلفان عن عمران طائفياً، إلا أنهما تمتعا بقدر من التمهل والروية، بحيث لم يعلنا عن ذلك التوجه صراحة كما فعل عمران، بل استمرا في التخطيط الهادئ، مستخدمين الازدواجية والتقية، حتى توصلا أخيراً إلى تحقيق أهداف الطائفة(30) . وقد تحدثت الصحف اللبنانية في عدة مقالات عن الوضع الطائفي داخل الجيش السوري، وأضافت إلى ما سبق أن المناقشات بين القادة النصيريين تعود لاختلافات عشائرية، مشيرة إلى أن محمد عمران ينحدر من اتحاد الخياطين العشائري العلوي، بينما ينحدر صلاح جديد من اتحاد الحدادين(31).

وبدأت المسألة الطائفية تبحث صراحة في اجتماعات الحزب، وأبدى أمين الحافظ قلقه من صلاح جديد الذي نشط على الصعيد النصيري بعد إزاحة عمران، وبدأ الانشطار يأخذ مداه على صعيد الجيش، وفي النصف الثاني من عام 1965م بدأت المواجهة بين الحافظ وجديد، واستطاع صلاح جديد أن يستميل بعض القيادات الدرزية العسكرية وخاصة : سليم حاطوم وحمد عبيد .
أما الإسماعيليون - مثل أحمد المير وعبد الكريم الجندي - فلم يترددوا في الانضمام إلى صلاح جديد وقد بدأت المنافسة واضحة خلال الاجتماعات الحزبية والعسكرية، فكان أمين الحافظ يتطرق باستمرار لموضوع الطائفية ويتهم جديد بها، وكان ينتقده بشدة ببناء (كتلته العلوية) داخل الجيش ... فكان ذلك يزيد من نفور الضباط النصيريين من أمين الحافظ (رئيس الدولة) فيلتفون حول صلاح جديد ، كما كان عدد من الضباط السنة يلتفون حول الحافظ ، رغم معارضتهم لتكوين كتلة طائفية(32) . وخلال هذا الصراع الطائفي والتكتل الباطني ضد أمين الحافظ وجماعته، أصبح هذا الأمر شأناً يومياً، في أجهزة الحزب المدنية والقيادة القطرية، التي كان يسيطر عليها صلاح جديد وجماعته، والقيادة القومية التي كان يسيطر عليها أمين الحافظ وجماعته، بما فيهم مؤسس الحزب (ميشييل عفلق) ، والحقيقة أن القيادة القومية للحزب بدأت تفقد سيطرتها على الأمور منذ انقلاب 8/آذار/1963م (33) .
وكانت خطوات التأميم في القطاع المصرفي وغيره قد أحدثت اعتراضات وقيام مظاهرات معادية للدولة، وكانت خطوات التأميم قد تمت دون علم رئيس الحكومة، وكان الطاقم البعثي القديم وأمين الحافظ يقفون في وجه التجمع النصيري السري أو التقدميين كما يزعمون ، وفي عام 1965م، أقصي ميشيل عفلق عن منصب الأمانة العامة لصالح منيف الرزاز من الأردن ... وضمن الصراع العنيف بين أجنحة الحزب، بادر أمين الحافظ إلى حل القيادة القطرية في 21/12/1965م ، ووضعت تحت تصرف القيادة القومية للحزب، وقرر الحافظ تشكيل حكومة جديدة ترأسها صلاح البيطار .. مما عجل في قيام انقلاب جديد ضده يقوده حاطوم وجديد والتجمع الطائفي ، وذلك في 23/شباط/1966م (34) .

(29) يقصد بالباطنية والفاطمية: الإسماعيلية والدروز والنصيرية ، وعدوهم المشترك آنذاك: أمين الحافظ رئيس الجمهورية .
(30) ينظر: الصراع على السلطة في سوريا/ص71، والتجربة المرة للرزاز/ص115 - 117، ومقابلة للدكتور نيقولاوس فان دام مع الرزاز في عمان/في 5 أيلول/1967م،ص71 .

(31) جريدة الحياة البيروتية: في 10/2/1965م ، 15/2/1966 وجريدة النهار البيروتية: 15/12/1964م .
(32) التجربة المرة/ص160، والصراع على السلطة: فان دام ومقابلة له مع الرزاز في عمان في 22/تشرين الثاني/1974م (ص76 – 77) .
(33) ينظر التجربة المرة: د. منيف الرزاز/ص160، والصراع على السلطة في سوريا: د. نيقولاوس فان دام/ص77 – 78 .
(34) هؤلاء حكموا سورية: د. سليمان المدني/ص161 والنصيرية: تقي شرف الدين/ص173.

انقلاب 23 شباط/1966م والإطاحة بأمين الحافظ

وفي هذا الانقلاب تمت الإطاحة بأمين الحافظ رئيس الدولة، وبمعارضي صلاح جديد، كما تم الإجهاز على القيادة القومية بهذا الانقلاب العسكري الدموي، بقيادة (سليم حاطوم وعزت جديد) وآخرين . فقد احتشدت الوحدات المسلحة المتمركزة حول دمشق ، والواقعة تحت سيطرة الضباط النصيريين والدروز، وجاءت المعارضة الرئيسية للانقلاب من المحافظات البعيدة عن العاصمة، حيث حاول العديد من الضباط السنة المساندين للحافظ أن يحولوا الموقف العسكري لصالحهم(35) . وأسفر الانقلاب الجديد عن تصفية ضباط السنة البارزين، كما تم تسريح بقية أعضاء كتلة محمد عمران، وكانت نسبة كبيرة وملفتة للنظر، من الذين تمت تصفيتهم بهذا الانقلاب من أهل السنة، ونتج عن ذلك ازدياد تمثيل الأقليات الدينية مرة أخرى ...(36) . وعلى الرغم من أن صلاح جديد أصبح أقوى أركان النظام السوري بعد هذا الانقلاب، إلا أنه عين نور الدين الأتاسي رئيساً للجمهورية، ويوسف زعين رئيساً للوزراء من غير أبناء الطائفة النصيرية، لإخفاء حقيقة أبعاد الانقلاب النصيري، كما أنه كان يدرك تماماً صعوبة تولي رئاسة الجمهورية لنصيري آنذاك، ولذلك شكل تحالفاً صورياً مع هؤلاء، بحيث يشغل النصيريون المراكز الحساسة في الدولة، وعلى سبيل المثال تم تعيين حافظ الأسد وزيراً للدفاع، وإبراهيم ماخوس وزيراً للخارجية(37) . وانتهجت الحكومة السورية في عهد جناح صلاح جديد سياسة متشددة في مجال العلاقات السورية الإسرائيلية – ظاهرياً - وتأييد الفدائيين وانطلاقهم من أراضي سوريا، مما صعد الأحداث وزاد التوتر، فهددت إسرائيل في عهد إشكول باحتلال دمشق، مما مهد لحرب حزيران/1967،وسقطت على إثرها الجولان [3].  وظهر آنذاك خط ينادي بتطبيق الماركسية ودعم الكفاح المسلح الفلسطيني من الأراضي السورية، وتبنى هذا الخط عبد الكريم الجندي (إسماعيلي) ومؤيدوه، ثم ظهر خط راديكالي آخر ينادي بإصلاحات ذات طابع اشتراكي، وطالب بقطع خط البترول التابع لشركة نفط العراق، وتخريب خط أرامكو، وتزعّم هذا الخط صلاح جديد ونور الدين الأتاسي . وفي نهاية عام 1967، تشكلت (قوات الصاعقة) وكانت مهمتها دعم العمل الفدائي ضد إسرائيل، وهي تابعة لحزب البعث .. وقامت الجبهة الشعبية بقيادة جورج حبش بخطف طائرات مدنية غربية مؤيدة لإسرائيل، وأجبرت على الهبوط في مدينة الزرقاء الأردنية، وذلك في 5/أيلول/1970م، دون علم الحكومة الأردنية، وتطور هذا الحدث إلى مجزرة دامية في الأردن ، سميت بـ (أيلول الأسود) ، وقد استمر القتال في تلك المعارك مدة عشرة أيام، بين الجيش الأردني والمنظمات الفلسطينية ، وأرسل وزير الدفاع السوري آنذاك    (حافظ الأسد) لواء مدرعاً إلى الأردن في 20/أيلول/1970م ، فاستولى على مدينة إربد، وسلمها للقوات الفلسطينية ، ثم انسحب إلى درعا(39) . لقد كانت المأساة حادة دموية، تتسم باللامسؤولية وساءت علاقات حكومة سوريا مع جيرانها العرب، نتيجة تلك التشنجات، كما تورطت مع إسرائيل، ولم تستعد للمواجهة، فكانت هزيمة حزيران/عام1967م ، أو قل تسليم الجولان، وقد سبق تلك الهزيمة، إشاعة الإرهاب والمجاهرة بالإلحاد في الأوساط السورية .. فكان الوضع مريباً أسود قاتماً(40) .

(35) ينظر: التجرية المرة/ص159، والتقرير الوثائقي للحزب/ص33 – 34 .

(36) الصراع على السلطة في سوريا/ص83، ونشرات القيادة القطرية السورية لحزب البعث/في14، 17، تموز/1966 .

(37) النصيرية: تقي شرف الدين/ص174–175 .
(38) تاريخ العالم العربي/فرانتس/شيبانت، سلوى الخماش/1395 - 1975م/ وفصل سوريا للخماش ص270 – 271 .

(39) هؤلاء حكموا سوريا: سليمان المدني/ص172 – 174

(40) سيأتي تفصيل ذلكفي الفصول القادمة، إن شاء الله .

النصيريويون يتخلصون من باقي الطوائف

إكمالاً لمخططات الطائفة بعد إقصاء أمين الحافظ وعصابته، وبعد إكمال سيطرة النصيريين على الجيش والحزب وأجهزة الأمن، جاءت المرحلة الثانية من المخطط النصيري، التي استهدفت إبعاد من تبقى من الضباط البارزين من أهل السنة، ثم التخلص من أبناء الأقليات الأخرى وإبعادهم عن القوات المسلحة ومراكز الدولة الحساسة وتم ذلك على النحو التالي :
1- إبعاد الضباط المسلمين والقيادات الحزبية عن مراكز القوة (41) :
ما بين الأعوام (1963 - 1966م) كانوا قد تخلصوا من أبرز ضباط أهل السنة تحت مسميات مختلفة ، واستمرت هذه التصفيات بعد انقلاب (23/شباط/1966م) ففي أوائل عام 1967م، تمت محاكمة عدد من الضباط المسلمين بتهمة الاشتراك في انقلاب خططت له القيادة القومية . فاستقال العديد من قادة الفروع والشُّعَب والفرق من حزب البعث احتجاجاً على الهيمنة النصيرية على جهاز الحزب والقوات المسلحة، وخاصة في منطقة حوران .
وفي تلك المرحلة كان قد تم تسريح كبار الضباط السنة من أهالي حوران من الجيش عام 1966م، أمثال موسى الزعبي ومصطفى الحاج علي، وكانا عضوين في اللجنة العسكرية البعثية ، وقد هددت بعض القيادات الحزبية في محافظة درعا، بالاستقالة إذا استمر صلاح جديد وحافظ أسد على نهجهما الطائفي ، فاستقال ثلاثة وزراء هم : محمد الزعبي ، وصالح محاميد (من أهل السنة) ، ومشهور زيتون (نصراني من حوران)(42) .
كما أن الطائفة النصيرية بدأت تتخلص من معظم العناصر الحورانية بعد حرب حزيران عام 1967م، وكان الكتلة الحورانية داخل الجيش ، تكتسب قوتها دائماً من خلال التحالف مع صلاح جديد وسليم حاطوم .. فتخلصت منها، كما تخلصت من القيادات الحزبية البارزة من المدنيين من محافظة درعا ،وفي15 شباط عام 1968م، أعفي اللواء أحمد السويداني - رئيس الأركان - من منصبه، بعد أن اتهم بمحاولة انقلابية في شهر آب/1968م، وكان فيما سبق من أبرز أنصار صلاح جديد، وهو ضابط يعتبر من أهل السنة في حوران، ثم اعتقل في شهر أيلول/1969م ، كما اعتقل كثير من أنصاره ... وأودع سجن المزة، حتى شهر شباط/1994م ، بعد أن قضى في سجنه حوالي 25 عاماً(43) . وبذلك تم إبعاد معظم الضباط المسلمين، ضمن مخطط رهيب مدروس .. هذا رغم أن كثيراً من القيادات البعثية السنية لا تقل خبثاً وفجوراً وحقداً على الإسلام من النصيريين والدروز .
2- إبعاد الضباط الدروز (44) :
على إثر انقلاب 23/شباط كان قد تم تعيين حافظ الأسد وزيراً للدفاع، وقد لاقى ذلك انتقاداً شديداً وخاصة من قبل أبناء الطائفة الدرزية، إذ كان من المتوقع أن يشغل هذا المنصب (حمد عبيد) ، وذلك أنه شغل هذا المنصب أيام حكومة زعيّن، وكان من أبرز أعوان صلاح جديد، ولم يُعَدُ انتخابه عضواً في القيادة القطرية، فخطط لانقلاب معاكس باء بالفشل وأدى إلى اعتقاله، واعتقال المشاركين معه ، أما سليم حاطوم، فلم يكافأ على دوره في انقلاب23/شباط وإسقاط أمين الحافظ، وما أعيد انتخابه عضواً في القيادة القطرية الجديدة، فشرع بإقامة تنظيم عسكري سري بقيادة اللواء فهد الشاعر - درزي - ضم عدداً من الضباط ولم يقبل فيه أي نصيري ، ومن ثم قام بمحاولة انقلابية أخرى انتهت بالفشل في 8/أيلول/1966م ، هرب على أثرها حاطوم وطلال أبو عسلي إلى الأردن، كما أبعد اللواء الدرزي فهد الشاعر عن القوات المسلحة، وأجبر عشرات الضباط الدروز على مغادرة سوريا، وشل تنظيم الحزب في منطقة جبل الدروز، وفي شهر آذار/1976م ، حوكم الكثير من أبناء الطائفة الدرزية ، بتهمة المشاركة في انقلاب على السلطة ، والتحريض على الحرب الأهلية، وصدرت قرارات تقضي بإعدام وسجن مجموعة منهم، وإبعاد ضباط آخرين إلى مواقع غير مهمة(45) .

3- إبعاد الضباط الإسماعيليين :
قبل انعقاد المؤتمر القطري الاستثنائي (في دمشق في آذار/1969م) بفترة وجيزة أحاط أنصار حافظ الأسد العسكرين بمقر العقيد عبد الكريم الجندي، الذي يعد أحد الأنصار المتحمسين لصلاح جديد، والذي كان يشغل منصب رئيس الأمن القومي والاستخبارات العامة، واختطفوا عدداً من مساعديه وأنصاره، مما دفع بالجندي إلى الانتحار، وبانتحاره وبإبعاد أحمد المير عن الجيش والسلطة يمكن القول: إن دور الإسماعيليين قد أصبح هامشياً في السلطة ، وخاصة بعد تسلم حافظ الأسد لها(46) .
وبذلك صفيت الأقليات الطائفية من الدروز والإسماعيليين ، بعدما استخدمت من قبل النصيريين لتصفية أهل السـنة من الجيش ومؤسسات الدولة ، ولم ينته المخطط عند هذا الحد، فللنصيريين تطلعاتهم في إقامة دولتهم الباطنية على قسم كبير من بلاد الشام، بالتعاون مع قوى الشر العالمية، مما سوف نتابعه في الأبواب القادمة؛ بإذن الله .
(41) ينظر: النصيرية، تقي شرف الدين/ص176، والصراع على السلطة في سوريا: نيقولاوس فان دام/ص(101 – 102) .
(42) ينظر جريدة الحياة تاريخ: 12/3/1967م .

(43) جريدة الحياة في /شهر شباط/1994 .

(44) سنفصل الصراع بين الدروز والنصيرين في الفصل القادم .

(45) ينظر: النصيرية/ تقي شرف الدين/ص177 – 179 .

(46) المرجع السابق/ص179 .

ماذا قال الرفاق الحزبيون عن بعضهم ؟!

بعد انقلاب 23/شباط/1966م كانت قد سقطت القيادة القومية في سوريا، وأبعدت رموزها، بعد حكم دام قرابة ثلاث سنوات ، منذ 8/آذار1963م حتى 23/شباط/ 1966م وكان في تلك القيادة ميشيل عفلق ومنيف الرزاز وأمين الحافظ، فكيف تَمَّ تقويم تلك الفترة، وماذا قيل عن أصحاب هذا الاتجاه من قبل الانقلابيين الجدد ؟!
يجيبنا على هذا السؤال المؤتمر القطري الاستثنائي المنعقد ما بين (10- 27آذار/1966م) فيقول تحت عنوان : تجربة الثورة من خلال التناقض في قيادة الحزب والسلطة :
" كان الزمن يزيد تلك التناقضات عمقاً واتساعاً ... فقد ابتليت قيادة الحزب والثورة بوجود عقلية يمينية إصلاحية غير مؤمنة باستمرار الحزب وخطه الثوري، إضافة إلى وجود عقلية فردية عملت على تعطيل دور الحزب وتجاوز مؤسساته، والتمهيد لقيام حكم فردي ديكتاتوري ، كما حاولت تلك القيادة بعقليتها الانتهازية باستمرار، استغلال مواقعها لضرب الثورة وتنفيذ مخططاتها المشبوهة كما أن العقلية الفردية، عمدت إلى استغلال أجهزة المخابرات والأمن، وتضخيم صلاحيتها وحرفها عن مهمتها الأساسية "(47) . ويقول حافظ الأسد مصوراً الخلافات بين الطرفين :
" كان الكثيرون يتمنون تغييراً في القيادة وإقصاء المسؤولين اليمينيين الذين كان وجودهم يتعارض مع أهداف الحزب في الوحدة والحرية والاشتراكية " ؟!! " وبعد 8/آذار/1963م ، أصبح التوفيق بين وجهات النظر أكثر صعوبة ، وكان المنطق يقتضي صيغة معينة للخروج من هذا الوضع " ، " وقد تم في آذار انتخاب قيادة قطرية جديدة ، أخذت على عاتقها حل القيادة القومية المشكلة في آيار من عام 1965م ، على أنها غير شرعية، وقد لجأ بعض أعضاء هذه القيادة إلى الخارج، واتخذوا بغداد مقراً للقيادة القومية " ، وقد شهد المؤتمر القومي التاسع للحزب ميلاد قيادة قومية جديدة في (تشرين الأول/1966م) برئاسة نور الدين الأتاسي، وصار صالح جديد هو الأمين العام المساعد لتلك القيادة(48) . ولنستمع الآن إلى رأي القيادة القومية السابقة في قادة الانقلاب الجديد بعد 23/شباط/1966م ، يقول منيف الرزاز الأمين العام السابق لحزب البعث ، تحت عنوان : (من هذه الفئة) ؟!
يقول : " هذا هو حاكم سوريا الآن وهؤلاء هم حكامها ... فئة صغيرة من ضباط الجيش، هدفت هذه الفئة إلى الاستيلاء على الجيش ، فباسم الحزب تخلصت أولاً من جميع العناصر الحزبية : انفصالية ووحدوية ، فلما تم لها الأمر، انطلقت تتخلص من الحزبيين الآخرين ، وباسم تكوين جيش عقائدي، كونت الجيش العشائري، هدفها من ذلك إنهاء حزب البعث وأنهته، وأحلت محله تنظيماً انتهازياً تابعاً للسلطة، خاضعاً للأوامر... ثم انتهت بوضع البعثيين في السجون، واتهامهم بالخيانة والتحالف مع الاستعمار والرجعية "(49) . ويصف الرزاز مأساة الرفاق في ذلك الانقلاب فيقول : " منذ الدقائق الأولى لانقلاب 23/شباط/1966م ، أعلن الانقلابيون أنهم ألقوا القبض على الفريق أمين الحافظ رئيس الدولة، وعلى قائد الحزب ومؤسسة الأستاذ ميشيل عفلق وعلى أمينه العام منيف الرزاز، والأمين العام المساعد شبلي العيسمي، وعلى عضو القيادة القومية منصور الأطرش، وعلى رئيس الوزراء صلاح البيطار وآخرين من أعضاء القيادة القومية، ونقل معظمهم إلى سجن تدمر "(50) .
ويقول زهير المارديني وهو بعثي قديم(51) مصوراً حادث الانقلاب صباح ذلك اليوم،وكان معه أحد قياديي الحزب ، وكان هذا القيادي البعثي يقول له : " أتسمع الرصاص، أتسمع صوت المدافع ؟! إنهم الرفاق يقتتلون " ، " ماذا سيقول الناس عنا، ماذا سيقول العرب ؟! لقد أشبعناهم صياحاً بأن الجيش السوري لن يقاتل إلا أعداء الأمة العربية، وها نحن نتذابح ... " ، " أنت تعلم أن جميع الحلول السلمية لم تجد نفعاً، لقد حاولنا تجنب الصدام، لكنهم أرادوها مضمخة بالدم، دم الرفاق(52) فهذه هي أخلاقيات هذاالحزب الهجين، وهذه هي الاتهامات الموجهة إلى بعضهم :
(دكتاتورية - انتهازية - خيانة - يمين – يسار - تنكر لمبادئ الحزب - طائفية وعشائرية ...) .
إذا كانت هذه مواقفهم ضد بعضهم، فما بالك بتعاملهم مع الآخرين ؟! أما حزب البعث في العراق، فوجه آخر للعملة البعثية إلا أن نكهة الدماء الثورية ورائحة السجون، كانت أكثر وضوحاً وأشد جلاء لدى الرفاق في العراق، فقد أطاح صدام حسين بأحمد حسن البكر في 17/تموز/1979م وقام بتصفية أنصار البكر، فأعدم أكثر من 22 شخصاً منهم وقد اتهموا بالعمالة والرجعية، واتابع الخط اليميني .. وكانت نهاية المطاف في العراق هجومه على الكويت، وكانت حرب الخليج الثانية، وتدمير العراق شعباً وجيشاً واقتصاداً(53) وذلك ضمن مسرحية قذرة، لم تكتمل فصولها بعد .

(47) مقررات المؤتمر القومي الاستثنائي بين (10 - 27 آذار عام/1966م، ص58/ - 61، والحركات القومية الحديثة في ميزان الإسلام: منير محمد نجيب/ص82 - 83، مكتبة المنار/الأردن ــ الزرقاء/1403هـ - 1983م .

(48) هؤلاء حكموا سوريا: د. سليمان المدني/ص165 .
(49) التجربة المرة: د. منيف الرزاز/ص258 – 260 .

(50) المرجع السابق/ص201 .

(51) كتاب الأستاذ/ ص328 وما بعدها/زهير المارديني .
(52) حزب البعث تاريخه وعقائده: سعيد بن ناصر الغامدي ص22 .

(53) المرجع السابق بتصرف وإيجاز/ص24 – 27 .

الفصل الثاني

الصراع بين النصيريين والدروز(1)

كنا قد تحدثنا في الفصل السابق عن التصفيات التي لحقت بالمسلمين من أهل السنة، سواء في كوادر حزب البعث أو في أوساط ضباط الجيش ، وفي هذا الفصل نتابع تصفية الدروز في الحزب والجيش، وانحصار المسؤوليات في يد مجموعة من الضباط النصيريين(1) . تنظيم القيادة القومية بقيادة الرزاز وفهد الشاعر :
بعد انقلاب 23/شباط/1966م ، تمكن منيف الرزاز الأمين العام للقيادة القومية المخلوعة من النجاة من الاعتقال ، والاختفاء في دمشق، وبدأ في تشكيل تنظيم جديد للحزب كان الهدف منه إعادة تقلد القيادة للسلطة ،
وقد تسلم الرزاز بنفسه القطاع المدني، بينما تسلم اللواء فهد الشاعر (الدرزي) مهمة إنشاء المكتب العسكري، وتزعم بذلك تنظيم الحزب العسكري ، وتكون المكتب العسكري الجديد على النحو التالي :
فهد الشاعر أميناً ، صلاح نمور (سني) ، مجلي القائد مسيحي (من بصير في حوران) ، علي الضّماد (سني من حوران)(2) . وقد اتهم الرزاز حينذاك، من قبل أنصار القيادة القطرية بإعطائه تعليمات لبعض الضباط وخاصة للرائد مصطفى الحاج علي، والمقدم صلاح نمور، بقبول أعضاء من طوائف معينة (فقط) ضمن تنظيمهم ليستغلوا المشاعر الطائفية، محاولة منهم لإسقاط القيادة القطرية السورية(3) . يقول مؤلف كتاب الصراع على السلطة في سوريا، من خلال مقابلة أجراها مع منيف الرزاز في عمان في وقت لاحق، وقد علق الرزاز على تلك الاتهامات لتنظيمه الجدير بالطائفية بما يلي : " من الأصل لم أستبعد العلويين، بل على العكس ، فبعد 23/ شباط ، شمل التنظيم المدني (للحزب) الذي أسسناه سراً، شمل عدداً كبيراً من العلويين ... وعندما بدأنا في تأسيس التنظيم العسكري ... أصر اللواء فهد الشاعر على استبعاد الضباط العلويين، طالما أن هذا العمل سري ، وخشي من اشتراك العلويين ، حتى لا يكشف التنظيم السري القائم ... لأن الروابط العلوية في ذلك الوقت كانت في أوج قوتها، تأييداً لصلاح جديد وحافظ أسد، ولكن التنظيم المدني كان يضم علويين(4) . وحيث أن فهد الشاعر       - درزي - قليل الثقة بالعناصر النصيرية، فكان من الصعب على أي نصيري أن ينضم إلى الجهاز العسكري التابع للقيادة القومية للحزب، فلم يستطع أن يتحاشى التركيز على العناصر الدرزية ، وصار الصراع (الدرزي - النصيري) يتقاذف القيادة القومية والقيادة القطرية للحزب، وصار على كل عضو في الحزب أن يحدد موقفه على هذا الأساس الطائفي الصرف ، لهذا استطاع سليم حاطوم أن يسيطر على فرع الحزب في جبل حوران (الدروز)، كما أنه استطاع أن يسيطر على جهاز القيادة القومية العسكري في منطقة جبل الدروز(5) .

(1) ينظر مفصلاً: كتاب الصراع على السلطة في سوريا: تأليف الدكتور نيقولاوس فان دام/ ص84 - 102، ومجلة الدعوة الصادرة في القاهرة: العدد (73) بعنوان: الصراع بين العلويين والدروز في الحزب والجيش .

(2) الصراع على السلطة في سوريا/ص84 ومقابلة للمؤلف مع منيف الرزاز في مان في 22/تشرين الثاني/1974م .

(3) جريدة البعث السورية في 6/شباط/1967 .

(4) مقابلة مع الرزاز في عمان 22/11/1974م، والصراع على السلطة/ص84 – 85 .

(5) مجلة الدعوة المصرية/ العدد (73) .

تنظيم سليم حاطوم السري (6)

عقد الحكام السوريون الجدد مؤتمراً قطرياً استثنائياً للحزب ، في دمشق بعد انقلاب 23/شباط/1966م،   لمناقشة الأسباب التي أدت إلى ذلك الانقلاب .
وقررت القيادة القطرية في ذلك المؤتمر أن يصار إلى معاقبة الأعضاء الذين أججوا الصراع الطائفي داخل الحزب، وأعلن المؤتمر أن (حركة 23 شباط) كانت استجابة من الحزب للرد على (العقلية اليمينية الدكتاتورية) التي كان يتميز بها اللواء أمين الحافظ، والمجموعة التي كانت تسانده، وقصد بها وضع حد للمناورات الطائفية، التي كانت هي السبب في تأجيج الصراع داخل منظمات الحزب، غير أن جماعة أمين الحافظ كانت ترفض هذه الاتهامات بشدة، بل تؤكد أن المسؤولين عن الانقلاب - ومعظمهم نصيريون - هم الذين ينطلقون من منطلقات نصيرية محضة .
ومن الملفت للنظر أنه في نهاية المؤتمر لم يتم إعادة انتخاب اثنين من أبرز الضباط الدروز في التنظيم العسكري في القيادة القطرية الجديدة، التي عقد المؤتمر لأجلها أيضاً وهما (حمد عبيد وسليم حاطوم) اللذان كانا من أعضاء القيادة القطرية السورية المؤقتة، التي تقلدت زمام الحكم رسمياً في 23/شباط/1966م ، وعين حافظ الأسد وزيراً للدفاع فقوبل تعيينه بالنقد الشديد والرفض من قبل حمد عبيد، وكان حمد عبيد يعتقد بأنه سيعود لمنصب وزير الدفاع الذي كان يشغله في وزارة يوسف زعيّن التي استقالت في 22/1/1965م بعد حل القيادة القطرية القديمة .
وكان حمد عبيد قد ساند جناح صلاح جديد ضد أمين الحافظ منذ أيلول/1964م، ذلك أن صلاح جديد لم يعد بحاجة إليه في هذه المرحلة .
بدأ حمد عبيد بالاتصال في جميع الضباط المعارضين لتعيين الأسد في وزارة الدفاع ، والتخطيط لانقلاب مضاد ... غير أن خطته فشلت ، وتم القبض عليه في الأسبوع الثاني من شهر حزيران/1966م، وعلى معظم رجاله(7) .
أما سليم حاطوم فقد ضعف مركزه في الحزب بسبب النقد الشديد الموجه إليه نتيجة للقسوة التي تم بها اعتقال أمين الحافظ وإيداعه السجن(8) .
كما أنه لم يكافأ على مساهمته الفعالة في تنفيذ انقلاب 23/2/1966م بل فقد اعتباره في الحزب، وشعر بأنه خدع من قبل صلاح جديد الذي كان قد أيده في الانقلاب ضد أمين الحافظ .. ومن هنا بدأ حاطوم يتصل بمجموعة حمود الشوفي (درزي) وهي من تشكيلات الدروز المدنية، ذات توجه ماركسي، وتحت قيادة حمود الشوفي الذي شغل منصب الأمين العام للقيادة القطرية في الفترة من (أيلول 1963م حتى شباط عام 1964م) بدأ العمل .
وكانت هذه المجموعة أكبر بكثير من مجموعة حاطوم العسكرية كما بدأت اتصالات بين حاطوم وفهد الشاعر قائد التنظيم العسكري للقيادة القومية، وعقدت لقاءات عديدة بين الطرفين بغية التخطيط للإطاحة بصلاح جديد والقيادة القطرية للحزب ، التي صارت حكراً على النصيريين ،
كما انضم لحاطوم المقدم الدرزي طلال أبو عسلي، وبعض الناقمين مثل مصطفى الحاج علي القائد (السني) لجهاز المخابرات العسكرية (وهو من حوران)(9) .

(6) ينظر: الصراع على السلطة في سورية: د. نيقولاوس فان دام، ص86 - 90، ومجلة الدعوة/ العدد 73، والصحف الصادرة في تلك الفترة .

(7) انظر المرجعين السابقين، والتقرير الوثائقي لحزب البعث ص104 - 108، والمؤتمر القومي التاسع ص68 - 69 وجريدة النهار البيروتية/4 آذار/1966م .

(8) جريدة النهار/ في الأول من آذار/1966م .

(9) الصراع على السلطة في سورية/ص89، ومقابلة للكاتب مع الرزاز/ بعمان في تشرين الثاني/1974م . وجريدة الثورة السورية في  29/1/1967م .

انقلاب سليم حاطوم في 8/أيلوب/1966م

في العاشر من شهر آب/1966م ، كشفت القيادة القطرية السورية بطريق الصدفة خطة حاطوم والقيادة القومية (الرزاز) للانقلاب عليها . وتمكنت تدريجياً خلال بقية الشهر، من معرفة أسماء الأشخاص الآخرين المتورطين في هذا الانقلاب . وكان فهد الشاعر قد اختار يوم 3/أيلول/1966م موعداً للانقلاب العسكري ،
إلا أنه ما بين (25/ آب والثالث من أيلول/1966م) ، تكشف الجـزء الأكبر من التنظيم العسكري السري للقيادة القومية المخلوعة، وتم اعتقال الكثير من ضباطه .. بما فيها أسماء المكتب العسكري واختفى فهد الشاعر بناء على تعليمات من الرزاز ، وامتنع عن أي اتصال مع سليم حاطوم عسكرياً .
إلا أن سليم حاطوم استمر في مسعاه للانقلاب على القيادة القطرية، حتى كان انقلابه الفاشل في8/9/1966م
وطبيعي أن نسبة كبيرة من الدروز، كانوا ضمن الضباط المعتقلين بصدد هذه المؤامرة، حيث كانوا يشكلون الهيكل الأساسي لتنظيم حاطوم العسكري السري(10) . وكان حاطوم ومصطفى الحاج علي وطلال أبو عسلي قد كثفوا انتقاداتهم ضد القيادة القطرية، واتهامها بالطائفية، وإقصاء كبار الضباط الدروز مثل: حمد عبيد وها هي تصدر قرارها باعتقال طلال أبو عسلي وفهد الشاعر بسبب مسعاهم لتأليب أعضاء الحزب ضد صلاح جديد والقيادة القطرية ، وذلك منذ الأيام الأول لشهر أيلول/1966م (11) .
ونتيجة للاعتقالات في أوساط الدروز، وتصرفات جديد والأسد الطائفية، هدد أعضاء الحزب في جبل الدروز في (مذكرة) لهم أرسلت إلى القيادة القطرية، هددوا بتجاهلهم لأية تعليمات تصدر عنها، وبمقاطعتهم لأية انتخابات مقبلة للحزب إذا استمرت عملية التصفيات ضد أبناء الجبل ، وكرد فعل أولي على هذه المذكرة، قررت القيادة القطرية للحزب إرسال (لجنة) حزبية عليا إلى السويداء، تتكون من الرئيس السوري نور الدين الأتاسي، والأمين العام المساعد صلاح جديد، وجميل شيَّا العضو الوحيد الدرزي في القيادة القطرية؛ من أجل تقصي حقيقة الوضع في السويداء ، وهنا اغتنم حاطوم وأنصاره فرصة وصول اللجنة، واعتقلوا (الأتاسي وجديد) كرهائن تستغل للضغط على القيادة القطرية في مفاوضاته اللاحقة معها .. أما جميل شيا فلم يعتقل، وهو الذي تمكن من التوسط بين صلاح جديد وحاطوم(12) . وبدأت المفاوضات بالهاتف بين حاطوم من جهة، ووزير الدفاع (حافظ أسد) ورئيس الوزراء (يوسف زعين) من جهة أخرى، ووضع حاطوم مطالبه بوضوح وهي :

1- إعادة أنصاره من كبار الضباط الدروز إلى مناصبهم في الجيش بعد أن تم تسريحهم، عقب حركة 23/2/1966م .

2- والإفراج عن جميع الضباط الدروز الذين تم اعتقالهم في أثناء تعقب القيادة القومية .

3- تسريح بعض كبار الضباط النصيريين من أنصار صلاح جديد .

4- إعادة جماعة حمود الشوفي إلى عضوية الحزب .

5- إقالة القيادة القطرية للحزب، التي تم اختيارها في شهر (آذار مارس) 1966م، وتعيين قيادة مؤقتة تتضمن في عضويتها خمسة أعضاء من جماعة الشوفي ... ولكن الأسد رفض مطالب حاطوم ، وأرسل وحدات عسكرية تحمل تهديداً بقصف السويداء(13) .
ونظراً لخطورة الموقف قرر كل من سليم حاطوم وطلال أبو عسلي الفرار إلى الأردن، تفادياً لاشتباك مسلح كما يقول أبو عسلي، وحصلا على حق اللجوء السياسي في الأردن(14). وفي تقرير عن مؤامرة حاطوم، والمقـدم إلى المؤتمر القطري العادي الثالث، المنعقد في النصف الأول من شهــر أيلول/1966م جاء فيه :
" أيها الرفاق : إن القيادة تضع بين أيديكم قضية التآمر هذه، لتطلعوا على أبعادها، ولتقفوا عل أهدافها، وهي مؤامرة ضخمة، استهدفت الحزب فكراً وتنظيماً وأشخاصاً" ،            " أما الرؤوس المدبرة، فإنها عميلة مرتبطة، تسير وفق المخطط المرسوم، وتتصرف وفق الدور الذي هيئت له، وهؤلاء جميعاً كانوا خدماً لأهداف الاستعمار والرجعية، والاحتكارات الرأسمالية البترولية الضخمة في هذه المنطقة ... "(15) . وتعرض التقريــر لسليم حاطوم بقوله : " هذا هو كلام سليم حاطوم الذي لم يقله حتى أعرق الجواسيس، وأصحاب الصحف العميلة في لبنان والأردن "(16) .  بقي أن نعلم أن سليم حاطوم هو قائد ثورة 23 /شباط/ ضد أمين الحافظ، وكان حمد عبيد وزيراً للدفاع، والرزاز أميناً عاماً للحزب . وكان حاطوم وحمد عبيد من أعتى أنصار صلاح جديد، وأشدهم وحشية في دك المساجد على رؤوس المصلين وخلال حصار مدينة حماة، وتدمير مساجدها وأبرز المباني فيها، وشاءت حكمة الله أن يسلط بعض الظالمين عل بعض لينالوا الجزاء العاجل على أيدي  الرفاق .

(10) الصراع على السلطة في سوريا: د. نيقولاوس فان دام/ ص92، ومقابلة الكاتب مع الرزاز في 22/11/1974م .

(11) ينظر: الحياة البيروتية 8/9/1966م، و31/تموز/1966، والمناضل: العدد التاسع/ منتصف أيلول/1966م .

(12) جريدة البعث في 27/2/1967م، والحياة في 15/3/1967م .

(13) الماضل، العدد التاسع/ لشهر أيلول/1966م، وجريدة المحرر البيروتية 13/9/1966م . والصراع على السلطة في سورية/ د . نيقولاوس فان   دام ص94 – 95 .

(14) المرجع السابق .

(15) مقررات المؤتمر القطري الثالث/ص13 - 14، وص17 - 18، والمنعقد في النصف الأول من شهر أيلول/1966م.

(16) المرجع السابق .

مؤتمر حاطوم الصحفي في عمان والدعايـة الطائفية ضد النصيريين(17)

في 13/أيلول/1966م، عقد سليم حاطوم مؤتمراً صحفياً في عمّان وتحدث عما حصل في السويداء ، فقال في ذلك المؤتمر الصحفي :
" إن سوريا مهددة بالحرب الأهلية، نظراً للاتجاه الطائفي الذي ينتهجه كل من حافظ أسد وصلاح جديد في تسييرهما للأمور الداخلية في سوريا " ، وأضاف قائلاً : " إن الروح الطائفية تنتشر بشكل فاضح في البلاد وخاصة في أوساط الجيش، وإن الفئة الحاكمة تعمد إلى تصفية الضباط والفئات المناهضة لها، وتحل مكانهم من أتباعها في مختلف المناصب، فقد بلغت نسبة العلويين في الجيش خمسة، مقابل واحد، من جميع الطوائف الأخرى "(18) .
وشارك في المقابلة طلال أبو عسلي ، فقال :
" إن الصراع الطائفي داخل الجيش السوري مرشح اليوم لأن يسبب حرباً أهلية في البلاد، وإ ن العلويين يديرون البلاد كما يديرون أي شأن يخص طائفتهم، حتى نساء العلويين بتن يعرفن عن الخطوات التي تنوي الدولة اتخاذها على صعيد الترقيات والاعتقالات قبل أن يعرفها بعض كبار المسؤولين غير العلويين "(19) .
وفي 28/9/1966م ، صرح حاطوم لجريدة الحياة : " إن نية العلويين عقدت العزم على تنفيذ خطة طائفية بغية إقامة نظام علوي يحمل شعار (دولة علوية ذات رسالة خالدة) ، يلمع فيها العميد صلاح جديد، ونور الأنوار إبراهيم ماخوس "(20) ، وكان ماخوس وزيراً للخارجية آنذاك .

التصفيات اللاحقة لانقلاب حاطوم الفاشل والانتقام من الدروز

بعد أن فشل حاطوم في انقلابه، وبعد مؤتمره الصحفي في عمان، بدأت القيادة القطرية بإجراء تصفيات واسعة النطاق في الجيش والحزب . وشملت التصفيات العديد من الضباط الدروز، وكان قد تم تسليم زمام القيادة بدلاً من المسرحين إلى ضباط نصيريين(21) وتم التضييق على فــرع الحزب في السويداء ، وظل الحزب فيها مشلول الحركة لأكثر من ستة أشهر بعد فشل حاطوم، فأرسل زعيم الطائفة الدرزية برقية إلى رئيس الأركان السوري، ولوزير الدفاع آنذاك حافظ أسد يقول فيها : " إن أبناءنا من الدروز يضربون عن الطعام، ونحن نحملكم نتائج هذا الوضع ، إن الجبل كما هو معروف من تاريخه - يقصد جبل الدروز - قادر على طرد الخونة والغزاة، ولكن عقيدة أهل الجبل تمنعنا من الثورة والتمرد ضد حكومة عربية، هذا هو الرادع الوحيد الذي يمنعنا من التمرد والاكتفاء بالمفاوضات حول مصير أبنائنا المسجونين "(22) . وتوترت العلاقات بشكل رسمي بين الدروز والنصيريين بعد نشر هذه البرقية في بيروت، وحوكم الضباط الذين اشتركوا مع حاطوم في المحاولة، وكانت العقوبة في معظم الحالات الإعدام، وبعضهم حكم غيابياً، وقد شملت عقوبة الإعدام: فهد الشاعر، سليم حاطوم، طلال أبو عسلي، وغيرهم(23) ، وكان سليم حاطوم قد عاد إلى سوريا بعد اندلاع حرب 1967م ، فقبضت السلطات السورية عليه، وأعدم في 26/6/1967م ، وكان من نتائج محاولة حاطوم الفاشلة تصفية كتلة الضباط الدروز، والضباط الباقين من أهل السنة، والجماعات الأخرى، فلم يعد لها القدرة على تكوين كتل قوية منفصلة يمكنها أن تهدد النظام بصورة خطيرة(24) ولقد شكل الضباط من منطقة اللاذقية - أي من النصيريين - أعلى نسبة في المؤسسة العسكرية حيث وصلت إلى (49 %) بعد انقلاب الثامن من آذار/1963م، كما ارتفعت هذه النسبة حتى بلغت ذروتها (63.2 %) في عهد صلاح جديد (ما بين 1966 - 1970م)(25) . وكانت هذه النسب العالية هدفاً أساسياً من أهداف مؤتمرات الطائفة النصيرية تسعى إليها القيادة الدينية والعسكرية للطائفة .

(17) ينظر: الصراع على السلطة في سوريا: د. نيقلاوس فان دام ص96 - 98 ومجلة الدعوة الصادرة في القاهرة/ العدد (73).

(18) انظر جريدة النهار: 15/9/1966م .

(19) السابق 15/9/1966م .

(20) جريدة الحياة: 28/9/1966م، “العميد ونور الأنوار: مرتبتان دينتيان عند النصيرية” .

(21) ينظر: جريدة الحياة في (11، 13/أيلول/1966م) .

(22) انظر نص البرقية في جريدة النهار في 21/12/1966م، وانظر حول الموضوع كذلك في جريدة الحياة في 5/3/1967م.

(23) ينظر جريدة الحياة في 2/4/1967م، والصراع على السلطة في سورية/ ص99 – 101.

(24) المرجع السابق .

(25) الصراع على السلطة في سوريا/ ص130 .

 

 
RocketTheme Joomla Templates