تصويت

ما تقييمك للموقع ؟
 

المتواجدون الآن

يوجد حاليا 26 زوار 
تاريخ سوريا الحديث للانصاري -3

البرلمان السوري والعهدالدستوري الأول

كان القوتلي أول رئيس للجمهورية في العهد الوطني، وفي عهده قام عهد برلماني دستوري تنافست فيه الأحزاب لكسب ثقة الشعب وتوالت على الحكم حكومات متعددة ، كان لها بعض المواقف السليمة إزاء الاستعمار الاقتصادي الجديد، وحيال الأحلاف الأجنبية المشبوهة ، كحلف بغداد ، ومشروع سوريا الكبرى (17) .

أما البرلمان السوري، فكان ناشئاً تسوده الفوضى " وكانت المفردات السياسية الرصينة، من أمثال كلمة  نائب ،  ومعارضة ، ورئيس المجلس ، ولجنة الشؤون الخارجية " ، لم تفلح في ستر الفوضى الفاجعة، التي حكمت البرلمان السوري . وفي ذكريات نائب، كتب حبيب كحالة ما يلي : " نظرت حولي، وكان ما رأيته فقط، رجالاً لا يوحد بينهم شيء، ولايشتركون في أية مبادئ، ولا يربطهم تنظيم حزبي، وقد وصلوا إلى البرلمان بأساليب خادعة مقنّعة، من انتخابات فوضوية تحت ستار الحرية، فكان بعضهم أمياً، وآخرون أدباءمرموقون، وكانت لغة بعضهم الكردية أو الأرمنية، ولم يعرف آخرون سوى اللغة التركية، ولم يزد الأمر عن مسرحية وتمثيل أدوار " (18) .    وكان لا بد للسياسين المتعبين، الذين صرفوا طاقاتهم في جدل منهك مع الفرنسيين، وللمؤسسات القليلة التجربة ولتداعي الولاءات العائلية، والرشوات الحكومية، وللجيش السيء التدريب والتجهير، كان لا بد لهذه كلها أن تصاب بجراح ثخينة في حرب فلسطين (19) . ويضاف إلى ذلك أن الزعامات التي تعمقت جذورها منذ أيام المستعمر الفرنسي ، أخذت تعتبر أن كل من يعارضها خائن، ولذلك بدأ حكم القوتلي يتعرض للنقد الشديد، وأخذ وزير الداخلية ( صبري العسلي ) يقول : " لا يجوز لأفراد الشعب إبداء الرأي طالما أنهم استعملوا حقهم بالتصويت يوم الانتخاب " (20) .

(17) النكبات والمغامرات/ ص07 – 27 .

(18) ذكريات نائب/ ص34، الملاحظة 193/ وقد نشرته صحيفة المضحك المبكي، وهي صحيفة ساخرة، كان رئيس تحريرها السيد حبيب كحالة ، وانظر الصراع على سوريا: باتريك سيل/ ص53 .

(19) الصراع على سوريا/ ص54 .

(20) هؤلاء حكموا سوريا: د . سليمان المدني/ ص53، دار الأنوار/ دمشق 1999م/ الطبعة الرابعة/ دمشق – بيروت .

دور الأحزاب السياسية في هذه المرحلة

كان كبار التجار قد هيمنوا على السياسة السورية، وكانت الكتلة الوطنية عبارة عن حركة وطنية موحدة، خلال حقبة النضال ضد الاستعمار، وكان هنالك تنافسات داخل تلك الكتلة، تثيرها السلالات العائلية والتعصب للمدن الكبرى، وتظهر خلال الانتخابات النيابية، ثم بدأت الكتلة الوطنية تتفسخ وتتعرض للأحزاب الأكثر حداثة وتنظيماً (21) . ومهما يكن من أمر فإن رجال الكتلة الوطنية، الذين حملوا لواء التحرير الوطني، كان معظمهم ممن يحملون الأفكار الجديدة، ويتأثرون بالتيارات الثقافية الغربية، ومنهم من حمل السلاح وقاد ثورة مسلحة ضدفرنسا، كإبراهيم هنانو . كما كان شعار الثورة هو: الجلاء والاستقلال والحرية، والإخاء والمساواة، و " الدين لله والوطن للجميع " . وهذا يوضح تأثرهم بالعلمانية الغربية، ومبادئ الماسونية . وكان من أبرز رجالاتها : شكري القوتلي ، وهاشم الأتاسي وسعد الله الجابري، وجميل مردم وفارس الخوري، وناظم القدسي ورشدي كيخيا وآخرين (22) . وفي ربيع عام 1947م، توحد شتات الجناح الحاكم من الكتلة في الحزب الوطني . وكان معقله دمشق، حيث يوجد للقوتلي وصبري العسلي ولطفي الحفار وفارس الخوري أتباع شخصيون، حتى عكس الحزب السياسة الدمشقية بأضيق صورها فلم يطرح الحزب أي منهاج مفصل،ولم يمارس أي نظام على أفراده . وقد حظر آنذاك نشر الآراء والأفكار في الانتخابات لضمان دعم الرجال الأقوياء " القبضايات " (23) . حيث كان هؤلاء يحمون الضعيف من القوي، ويتلقون الرشاوى من الأثرياء ، إلا أن هذه الظاهرة اختفت بعد عام 1950م ، بسبب الانتقال إلى الأحياء الحديثة ، ولأن الأحزاب العصرية، ضبطت عناصرها من الشباب (24) .

وفي شهر آب من عام 1948م، شكل معارضو القوتلي في الكتلة الوطنية حزباً أطلقوا عليه : حزب الشعب ، وقاد هذا الحزب وجهاء من مدينة حلب هم : رشدي الكيخيا وناظم القدسي، ورشاد برمدا ، ومعظم هؤلاء كانوا على صلة طيبة مع حكام العراق، وذلك كي يعيدوا وضع حلب الاقتصادي التقليدي، الذي كان لها قبل قيام الجمهورية السورية (25) . وكان زعماء حزب الشعب يتمتعون بسمعة جيدة تفوق ما كان يتمتع به منافسوهم من رجال الحزب الوطني، وكان حزب الشعب يمثل المصالح التجارية في حلب والمنطقة الشمالية، حيث كانت مدينة حلب تسيطر لعدة أجيال على الطريق التجاري العظيم من أوربا والأناضول إلى بلادالرافدين وإيران والهند، عندما ازدهرت أثناء وحدة الدولة العثمانية . لقد كان حزب الشعب حلبياً أولاً ، إذ ألقى بثقله السياسي كي يزيل الحدود السورية العراقية، ويحطم الحواجز التجارية والحدود السياسية التي خنقت سوريا، ولم يكن هاشمياً ولا ملكياً كما يُظن (26) . وعموماً فإن الحزبين السابقين ، كان قد تركز اهتمامهما على تسلم السلطة ، كي يوسعا مصالح أتباعهما ومصالح عائلاتهم ، وقد حاول رجالهما خنق أية معارضةجادة، سواء كانت في البرلمان أم في الشارع، فكان همهم ينحصر في صيانة وجودهم السياسي، والحفاظ على قدر محدود من استقلال البلاد (27) .

ثـم تشكلت أحزاب على أساس عقدي قومي ، فكان حزب البعث العربي الاشتراكي ثم الحزب القومي السوري .

وكان زكي الأرسوزي أحد كبار النصيريين في اسكندرونة قد شـكل عصبة العمل القومي عام 1936م .   وكان أول حزب في سورية، يقوم على أسس من المبادئ العلمانية الاشتراكية، وقد انضم إليه بادئ الأمر         " صبري العسـلي " ، ثم تحول إلى الحزب الوطني وصار من زعمائه، ثم انضم إليه  (نذير فنصة) ، و (أحمد الشـراباتي) الذي صار وزيراً للدفاع الوطني فيما بعد، وانضم إلى هذا الحزب عدد من الشبـان المتمردين على سياسة الكتلة الوطنية التقليدية (28).

حزب البعث العربي الاشتراكي

شكله ميشيل عفلق وصلاح البيطار عام 1947م ، وهو حزب علماني جعل شعاره ( وحدة - حرية – اشتراكية )  و ( أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ) . وركز في ممارساته على الهجوم على الأحزاب التقليدية ، والحزب يدعو إلىالانقلاب الشامل في المفاهيم والأفكار والعقائد والقيم، لصهرها وتحويلها إلى التوجه الاشتراكي.   وحينما توصل إلى الحكم اصطدم مع الواقع، وتنكر لشعاراته ومبادئه، وخاض صراعاً ضد قياداته التاريخية وزج بهم في السجون، أو صفّاهم على أيدي الرفاق، والحزب يعتبر أن الإسلام ما هو إلا مرحلة من مراحل التعبير القومي ليس إلا ،كان ميشيل عفلق من نصارى سوريا، من مواليد دمشق عام 1910 م ، درس في باريس دراسته الجامعية ، والتقىمع صلاح البيطار خلال دراستهما هنالك، وتشربا الروح القومية السائدة في أوروبا، وتعاهدا على العمل معاً ، ثم عادا إلى سوريا عام 1933م ، يحملان الأفكار القوميةالغربية، ليطبقاها في ديار الإسلام ... وقد ساهم في تأسيس الحزب أيضاً ، جلال السيدوزكي الأرسوزي ثم اندمج حزب البعث، والحزب العربي الاشتراكي بقيادة أكرم الحوراني، في حزب واحد سمي " حزب البعث العربي الاشتراكي " وذلك في عام 1953م ، وأصبح للحزب أدوار فاعلة في الانقلابات والحكومـات التي تعاقبت على سوريا، وانغمس في صراعات حزبية وطائفـية جرّت على البلاد الويلات . ويمكن أن نلخص أبرز مبادئ الحزبوعقائده فيما يأتي :

- إن الحزب يجعل الاشتراكية ديناً والعلمانية اللادينية مسلكاً ومنهجاً، وكان من أبرز أهدافه فصل الدين عن شؤون الحياة ، وعن قضايا الحكم والسياسة .

- ويجعل الرابطة بين العرب هي رابطة الدم واللغة والتاريخ والأرض، ويلغي رابطة الدين، بحجة أنها تمزق الأمة .

- ويعتبر أن الإسلام مجرد قيم روحية ،وشعائر للعبادة ، لمن أراد ذلك .

- والحزب يتابع خطوات الماركسيين في لأفكار والممارسات العملية، والخلاف بينهما، أن الماركسية أممية، أماالبعث فقومي ، وما عـدا ذلك فإن الأفكار الماركسية تمثل العمود الأساسي في فكر الحزب ومعتقـداته (29) .

الحزب القومي السوري الاجتماعي

أسسه أنطون سعادة، وكان حزباً فاشياً، هدفه الرئيسي إحياء سوريا في حدودها التاريخية، وتتضمن سوريا ولبنان والأردن والعراق وسيناء وقبرص . والسوريون - في نظر سعادة - هم ورثة الحضارات القديمة ، وليسوا جزءاً من الأمة العربية . وقد شددت مبادئ الحزب على تبني العلمانية وإجراء التحديث وكانت أوامر الزعيم مقدسة، كما كان أنصاره يتميزون بالروح الفدائية والطاعة العمياء، ولم تكن لهم شعبية تذكر في بلاد الشام، ولذلك كان أسلوب المؤمرات والاغتيالات هو السائد لدى الحزب . وقد قام أعضاء الحزب باغتيال عدنان المالكي ، أحد كبار الضباط البعثيين في دمشق 1955م، ورياض الصلح رئيس وزراء لبنان خلال زيارته للملك عبد الله 1951م ، وحاول الحزب تدبير انقلاب في لبنان، لكنه فشل، فصفي الحزب في كل من سوريا ولبنان .

وكانت حكومة سوريا أيام حسني الزعيم ، قد اعتقلته وسلمته إلى لبنان، حيث اتهم بالتآمر على سلامة لبنان الخارجية وحكم عليه بالإعدام ، ونفذ الحكم فيه رمياً بالرصاص في الثامن من شهر تموز لعام 1949م . وسعادة في الأصل من مواليد لبنان، وينتمي إلى النصرانية (30) .

الحزب الشيوعي السوري

وكان الحزب الشيوعي السوري قد بدأ نشاطه عام 1922م معتمداً على الأقليات ، وتولى زعامته في عام1932م خالد بكداش ، وهو من أصل كردي ، وكان الحزب يعمل على نطاق سوريا ولبنان، كما كانت مكانته تتأثر بموقف الاتحاد السوفييتي من القضايا العربية، وكان هو الحزب الوحيد الشيوعي في البلاد العربية آنذاك، وكان له ممثل في البرلمان السوري (31) .

جماعة الإخوان المسلمين

أما جماعة الإخوان المسلمين، فقد أسست في مصر عام 1928م وتبنت مبادئ الإسلام ، ساعية لإنشاء الدولة الإسلامية، وقد ظهر الإخوان بشكل رسمي في سوريا في أيلول 1946م، وأثار نجاحهم المتواضع في الانتخابات السورية قلقاً كبيراً في أوساط العلمانيين وفي المؤسسات الغربية ، ثم ظهروا ثانية في الانتخابات النيابية عام 1949م  ، في أعقاب الإطاحة بحسني الزعيم ، وكانت الجماعة بقيادة مؤسسها الدكتور مصطفى السباعي، وكانت كتلتها في البرلمان تحمل اسم الجبهة الاشتراكية الإسلامية ، وقد طالبت هذه الجبهة بإجراء إصلاحات اجتماعية، وباتخاذ موقف مناوئ للغرب، إضافة إلى المطالبة بتحكيم الشريعة الإسلامية (32). وكان شعارها وشعار الإخوان عموماً يتمثل في نداء : ( الله أكبر ولله الحمد ) و ( الله غايتنا والقرآن دستورنا ومحمد زعيمنا والجهاد في سبيل الله أسمى أمانينا ) .

وقد عملت الظروف السابقة الاجتماعية والسياسيةوالاقتصادية إضافة إلى الصراعات الحزبية، على إشاعة القلق، واختلال التوازن في البلاد، مما دفع ببعض القادة العسكريين، من ذوي الطموح الشديد إلى القيام بانقلابات عسكرية، أشاعت في البلاد الفوضى والاضطراب، وفسحت المجال للتدخل الأجنبي في توجيه سياسة البلاد . وقد تمكنت قوى الشر الصليبية والصهيونية والشيوعية، من تمرير مخططاتها عن طريق هذه الانقلابات وعن طريق قادتها الضباط ، وذلك بسبب الإرهاب العسكري وغياب رقابة الأمة الواعية، وإبعاد هيمنة الشريعة الإسلامية، ومن ثم تسلط الأحزاب العلمانية، والأقليات الطائفية على مقدرات الجيش والحكومات المتتابعة . قال بن غوريون رئيس وزراء دولة إسرائيل سابقاً في كتابه ( أعوام التحدي ) (33) : " إن إسرائيل ستبقى عنصراً غير مرغوب فيه في المنطقة، إلى أن تسيطر طبقة العسكريين ومفلسفوها "، مشيراً إلى أنّ الهوة ستزول حتماً بين إسرائيل ودول المنطقة، حالما تسود الاشتراكية والعسكرية على حياة دول المنطقة (34) .

(21) الحرب السرية في الشرق الأوسط من عام 1949 – 1961  ص14/ أندرو راثمل - ترجمة محمد نجار/ الأهلية للنشر والتوزيع بعمان/ 1997م .

(22) النكبات والمغامرات: بشير فنصة/ ص60 – 61 .

(23) القبضايات: كلمة تركية الأصل، تعني القوة والفتوة والجلافة .

(24) الصراع على سوريا: باتريك سيل، ص49 .

(25) الحرب السرية في الشرق الأوسط: أندرو راثمل/ ص14 .

(26) الصراع على سوريا: باتريك سيل/ ص49 – 50 .

(27) الحرب السرية في الشرق الأوسط: أندرو راثمل/ ص15 .

(28) النكبات والمغامرات: بشير فنصة/ ص63 .

(29) ينظر: كتاب حزب البعث، تاريخه وعقائده، سعيد بن ناصر الغامدي ص9 - 14/ وص112 بإيجاز/ دار الوطن - الرياض/1411هـ . والحركات القومية الحديثة في ميزان الإسلام: منير محمد نجيب/ ص(33) وما بعدها، مكتبة المنار – الأردن .

(30) ينظر: الهلال الخصيب، د. محمود حسن صالح منسي/ ص241 وص242، ومشكلات الشرق الأوسط: إبراهيم علوان/ ج2/ص17 – 18 .

(31) الهلال الخصيب: د. محمود حسن صالح منسي/ ص240 – 241 .

(32) الحرب السرية في الشرق الأوسط/ ص17، ترجمة محمد نجار . وتفصيلاً لذلك ينظــر:  الدكتور مصطفى السباعي، حسني أدهم جرار/ ص52 – 54 .

(33) أعوام التحدي نقلاً عن “المسلمون والحرب الرابعة” ص23 .

(34) قد تحقق توقع بن غوريون عندما سادت اشتراكية عبد الناصر وحزب البعث في دول المنطقة المتاخمة لإسرائيل . وهاهي مساعي الصلح تخيم على قادة تلك الأقاليم باعتراف ذليل وتطبيع سقيم لصالح الكيان الصهيوني .

المبحث الأول

انقلاب حسني الزعيم

كانت سوريا مجالاً للصراع السياسي والأطماع الدولية والعربية فسوريا تحتل موقعاً مركزياً .. وكانت عاملاً حاسماً في ترجيح محاولات الاتحاد السوفييتي والدول الغربية خلال صراعها على منطقة الشرق العربي ،كما شهدت سوريا معارك سياسية حاسمة في سياستها الداخلية حول حلف بغداد، ومشروع سوريا الكبرى، ومبدأ أيزنهاور، فالصراع على السلطة ، كان يجري في دائرة أوسع من حجم السياسيين وقادة الضباط، الذين انخرطوا بمشكلاتها وتورطوا فيها مباشر(1) وكان صاحب الانقلاب الأول هو الضابط حسني الزعيم، وهو من مواليد حلب 1889م ، التحق بالجيش العثماني حين تلقى علومه العسكرية في (دمشق وحلب واستانبول). والزعيم ينتمي إلى أسرة غنية من التجار، تعود في أصولها إلى الأكراد، والذين عرفوا حسني الزعيم قالوا: " إنه مغامر قليل المثل العليا، وغير مستقر عاطفياً، كان سهل الإثارة متهوراً "(2) .يقول عنه الصحفي بشير فنصة: " كان حسني الزعيم علمانياً، يكره التعصب المذهبي، وكنت ألحظ عليه كغيره من الضباط، حبه للظهور بمظهره العسكري الصارم، وولعه الشديد بالأوسمة والألبسة المذهبة والمقصبة ، واكتشفت فيه بالتدريج أنه يحلم بأنه سيصبح محرراً للبلاد كمصطفى كمال ، فقد كان معجباً به أشد الإعجاب، ولكنه على جهل مطبق بشؤون السياسة الخارجية (3) . وقال باتريك سيل : " إن الرجال الذين يعرفون الزعيم، يعرفون أنه مغامر قليل المثل العليا، وأنه كان غير مستقر عاطفياً، شجاعاً إلى حد التهور، ولكنه قليل المواهب في رسم الخطط الحربية الاستراتيجية، وسجله العسكري في فلسطين لم يكن شائناً .. وقد كان انقلاب الزعيم (العميد) حسني الزعيم أول تدخل للجيش في السياسة في منطقة الشرق الأوسط، فأقام بذلك مثالاً لطالما احتذي فيما بعد "(4) . أسر بيد الإنجليز خلال الحرب العالمية الأولى في مصر، ثم التحق بالجيش الفيصلي ، ثم بقطعات الجيش الفرنسي، وبلغ فيها رتبة (كولونيل - عقيد) عام1941م، وفي عام 1948م عين مديراً عاماً للشرطة، وفي 30 / آذار/ 1949م قام بالانقلاب العسكري الأول على حكومة شكري القوتلي الدستورية آنذاك (5) .

(1) الحرب السرية في الشرق الأوسط/ ص4، والصراع على سوريا: باتريك سيل .

(2) الانقلابات العسكرية في سورية: محمد أبو عزة/ص20، المنارة ــ بيروت ودمشق/ 1418هـ - 1998م .

(3) النكبات المغامرات: بشير فنصة/ص195 .

(4) الصراع على سوريا: باتريك سيل/ ص69 – 70 .

(5) النكبات والمغامرات/ ص84/ بشير فنصة .

أحداث الانقلاب في 30/ آذار/1949م ، في تمام الساعة السابعة صباحاً، أذاع راديو دمشق البلاغ رقم واحد وفيه : " مدفوعين بغيرتنا الوطنية، ومتألمين مما آل إليه وضع البلد من جراء افتراءات وتعسف ممن يدّعون أنهم حكامنا المخلصون، لجأنا مضطرين إلى تسلُّم زمام الحكم مؤقتاً ... وسنقوم بكل ما يترتب علينا نحو وطننا العزيز، غير طامحين إلى استلام الحكم، بل القصد هو تهيئة حكم ديمقراطي صحيح، يحل محل الحكم الحالي المزيف ... هذا وإن كل محاولة ستقمع فوراً وبدون شفقة أو رحمة " " في 30/ آذار/1949، القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة "(6) . ومنذ تلك اللحظة بدأ أول فصل من فصول المأساة، مأساة الانقلابات العسكرية، التـي اكتوت البلاد بنارها،كما اكتوى العسكريون بحرها قبل غيرهم ، وقبل هذا الانقلاب كانت المظاهرات الصاخبةقد قامت إثر نكبة فلسطين، تطالب بتخلي الحكومة برئاسة خالد العظم عن الحكم، وكان السخط ضد حكام العرب عاماً، وكان فيصل العسلي، النائب في البرلمان، وصاحب الحزب الاشتراكي التعاوني، قد شنّ حملة شعواء على قائد الجيش حسني الزعيم، ومن ثم وجه إليه اتهامات شنيعة في البرلمان، تتعلق بالغش في التموين والسّمنة الفاسدة المستوردة لتموين الجيش، والاتهام بالاختلاسات المالية ، ونظمت حملة في صفوف النواب لتخفيض ميزانية الجيش، وتخفيض رتبه ورواتبه، فاشتدت نقمة حسني الزعيم على السياسيين وشاركه في هذه النقمة جماعة من الضباط (7) . وكان أكرم الحوراني يقف إلى جانب الزعيم ويدعمه، كماكان نذير فنصة مدير جريدة ألفباء (وعديل الزعيم) يسانده في الحكم ، وقدتحدث الزعيم خلال مؤتمر صحفي حضره الصحفي (بشير فنصة) كان قد عقد في مقر رئاسةالأركان العامة في 30/3/1949، تحدث عن أسباب الانقلاب فقال : " إن سببه الأول هوالهجوم المنكر على الجيش من البرلمان، ثم مالمسه من سخط الشعب على الوضع القائم ، وبسبب اعتقال بعض الضباط بتهمة السرقة والرشوة، وهم أبرياء من ذلك "(8) . وقد اعتقل الرئيس شكري القوتلي وأودع في المستشفى العسكري كما اعتقل رئيس وزرائه خالد العظم ، وأغلقت الحدود بين سوريا والأردن، وقطعت الاتصالات الهاتفية بين البلدين وكانت برقيات التأييد وقصائد الشعراء تمدح الوضع الجديد التي كانت تتوالى بكثرة حتى أصبحت أكداساً على مكتب إدارة جريدة (ألف باء) ، وكان أكثرهم من الذين يدينون بالولاء لولي نعمتهم شكري القوتلي، إذ كانوا على الدوام يسبحون بحمده ، وكان أكرم الحوراني يخط البيانات حول تمسك الزعيم بحقوق الإنسان، وسعيه لبث الروح الديمقراطية بين أبناء الشعب، ويضمنها ما يجول برأسه من أحلام، لا كما يجول برأس الزعيم من أطماع وشهوة إلى السلطان ، وبانتهاء اليوم الثاني للانقلاب أصدر الزعيم أمراً عسكرياً نصَّبَ نفسه بموجبه رئيساً للدولة، ثم صدرت مراسيم ذات صبغة إدارية ، وسارت المظاهرات في الشوارع تأييداً لبطل الانقلاب، ونادى المنادي : ألا زغردي يا شام!!.. لقد مر الانقلاب الأول بسلام ، إلا أنه فتح الباب على مصراعية أمام انقلابات أخرى متتالية، سفكت فيها دماء غزيرة وقتل خلق كثير، وعذب وأهين الآلاف من عسكريين ومدنيين، كان وقودها العسكريين أنفسهم أكثر من المدنيين (9) . وبعد خمسة أيام من الانقلاب لم يعد أحد يجرؤ علىالتحدث عن الديمقراطية والحرية وعودة الحياة النيابية ... وقد منح الزعيم المرأة حق التصويت، وأعلن بأنه سينصف صغار الموظفين ويقوم بتوزيع الأراضي على الفلاحين ، وفي تاريخ 11/4/1949م، جاء في تعليق بجريدة ( تايمز اللندنية ) : " أن حسني الزعيم، قد بدأ في خطته لتنفيذ آرائه التقدمية، وأنه أنهى حكم العائلات الغنية في سورية، وقضى على المحسوبية والشفاعات والرشوات "(10) . وبعد تمام الانقلاب ، وجه ميشيل عفلق، باسم اللجنة التنفيذية لحزب البعث كتاباً إلى قيادة الجيش، أيّد فيه الانقلاب وطالب بإصلاحات في البلاد، وتأمين الحريات العامة ، وفي 24/آيار/1949م، وجه عفلق مذكرة إلى الزعيم ، يشير فيها إلى بعض السلبيات ، وفي 62/ حزيران، اعتقل حسني الزعيم أعضاء  اللجنة التنفيذية لحزب البعث الموقعين على البيان، كما اعتقل عدداً كبيراً من أعضاء الحزب، وأودعهم في سجن المزة، وتعرض الكثير منهم إلى الضرب والشتائم، ومختلف ألوان التعذيب ... وقد انهار عفلق عميد الحزب، وبعث برسالة إلى حسني الزعيم تتضمن الاعتذار عما بدر منه في شدة لهجة البيان ، وكان في الرسالة ما يشبه التعهد بترك العمل السياسي والانصراف عنه ، وكان الزعيم قد اعتقل كثيراً من السياسيين وقادة الأحزاب، وبعد ثلاثة أسابيع تم الإفراج عن السجناء كافة، وعن عفلق قبل ذلك بعشرة أيام قال بعض المراقبين : " إن الرسالة العفلقية قد نَمَتْ عن مزاج عاطفي وبنيان رخو " ، ورغم كل الانتقادات التي تعرض لها البعثيون آنذاك، فإن عفلق لم يفصل من الحزب، وبقي في سدة زعامته .

(6) النكبات والمغامرات/ ص86 - 87، والانقلابات العسكرية في سوريا/ محمد أبو عزة/ ص30 .

(7) النكبات والمغامرات: بشير فنصة/ ص88 – 89 .

(8) المرجع السابق/ ص91 .

(9) النكبات والمغامرات/ ص93 - 94، ص108 .

(10)  المرجع السابق/ ص133، ص115 .

إنجازات الزعيم ومواقفه السياسية

لقد هز انقلاب الزعيم المجتم

 
RocketTheme Joomla Templates