تصويت

ما تقييمك للموقع ؟
 

المتواجدون الآن

يوجد حاليا 45 زوار 
رواية عذراء حماة

عــذراء حمــاة

كتبت عام (1982)

الدكتور : خالد أحمد الشنتوت

ملاحظة : (95 % ) من هذه الرواية واقعي ، و(5 % ) من خيال الأديب لتكون رواية أدبية .
بسم الله الرحمن الرحيم

ـ 1 ـ

باتت صفـاء في فراشها قلقة في تلك الليلة الباردة من شهر آذار (مارس ) سنة (1964م) ، فقد آلمها نقل مدرس التربية الإسلامية بأمـر من حزب البعث العربي الاشتراكي ؛ نقله من ثانوية السيدة عائشة في مدينة حماة إلى إحدى مدارس البوكمال في الشمال الشرقي من سوريا . عينوه على البنات ليعزلوه عن الشباب المسلم ، ولما لاحظوا أن دعوته مستمرة مع البنات ، وأنه وجد حقلاً جديداً للدعوة ، لذلك نقلوه بعيداً إلى البوكمال .

كان مدرساً ناجحاً ، يحبه مؤيدوه ومعارضوه ، لاتفارق البشاشة وجهه الوقور ، ولايرفع بصره عن طاولة المدرس ، وجميع الطالبات كبناته أو أخواته ، يشفق عليهن من عذاب الدنيا والآخرة ، ويجهد نفسه من أجل إعداد وتربية الأخوات المسلمات ، نصف المجتمع المسلم المنشود .

تقلبت صفـاء في فراشها تبحث عن النوم على أطراف وسادتها ، لكنها لم تجده ، وإنما سمعت صوت الناعورة كأنه نواح أم ثكلى فقدت مهجة قلبها الذي ربتـه زمناً طويلاً ، انتبهت صفاء لهذا الأنين وكأنه نذير شؤم فزاد قلقها ، وتذكرت خطيبها (محمود ) الذي لم تـره سوى مرة واحدة بعد عقد قرانهما ، حيث تزداد مسؤولياته يوماً بعد يوم . مع أنه يستعد هذا العام لامتحان الشهادة الثانوية ، ولما هرب النوم من عينيها ، نهضت فتوضأت لتصلي في جوف الليل ، والناس نيام ، ثم جلست على جلد صوفـه طويل قرب المدفأة تسترجع ذكرياتها القريبـة .

دخلت ثانوية السيدة عائشة سنة (1962) وقد فاضت حماة بالدعوة الإسلامية ، من مساجدها ومن مدارسها ، وكأن الدعوة كانت محبوسة في زجاجة ثم نزعت سدتها فانتشرت في المدينة كلها نوراً يبدد الظلام والجهل والتخلف . ودخلت الدعوة مدارس البنات ، مع مدرسي التربية الإسلامية الذين أبعدوهم عن مدارس الشباب ليحولوا بينهم وبين نشر الدعوة بين الشباب ، واشتهر الجلباب الإسلامي في مدارس البنات ، بين الطالبات وبعض المدرسات ، وانتقل إلى ربات البيوت وصار زيـاً شائعاً في شوارع حماة . وازدانت شوارع حماة بمواكب المسلمات تغدو صباح الجمعة إلى المساجد ؛ تنهل من العلم الشرعي ، وأخلاق القرآن ، وتمر الطالبات بجلابيبهن صباح كل يوم كأسراب الحمام ينشرن حولهن الهدى والنور ، ويبعثن الأمل في نفوس اليائسين بعودة الحياة الإسلامية والمجتمع الإسلامي .

وازدانت ثانوية ابن رشـد وعثمان الحوراني وأبي الفداء والصناعة وغيرها بلحى الشباب المسلم ، كأنها براعم حضارة ربانية عريقة تتحدى عوامل الضعف والانحدار التي دبـت فيها منذ زمـن بعيـد . وصارت المساجد والثانويات مراكز إشعاع للدعوة الإسلامية ، في المساجد علماء باعوا نفوسهم لله تعالى، وأولهم العالم العامل محمد الحامـد يرحمه الله تعالى ، الذي جعل من مسجد السلطان مدرسة للإخوان خاصة ، وللحمويين عامة ، ينهلون من درسـه اليومي نور العلم يبددون جحافل الظلام التي تهجم عليهم صباح مساء من وسائل الإعلام ومؤسسات التربية والأحزاب وفكرها السياسي الانتهازي والتخريبي . وقد أقبل الشباب على الإسلام لأنه يتجاوب مع فطرته التي فطره الله عليها ، لم تفسدهم بعد سموم الأحزاب السياسية ومتع الحياة الفانية .

تلك صور سريعة تداعت في مخيلة صفاء ، وهي تدخل عالم النوم قرب المدفأة ، حيث رقدت ثلاث ساعات ، نهضت بعدها على أصوات المؤذنين يحثون المسلمين (الصلاة خير من النوم ) ، فلبست صفاء ثيابها وغطت شعرها ثم فتحت النافذة لترى طلائع الفجر تنبعث من الشرق فتتلقاها المآذن ، مآذن حماة الجميلة ، وكأنها أيد امتدت إلى السماء ، تبتهل بالدعاء تضرعاً إلى الله عزوجل أن يحمي حماة من كيد الطغاة ، وكانت مئذنة جامع السلطان تشد عيني صفاء ، وهي تعلم أن محمود في طريقه الآن إلى مسجد السلطان ، كما كان صوت مؤذن السلطان متميزاً ،ولـه أثـر خاص في نفوس الشباب المسلم ، صوت معبر عن براعم نهضة تواجه جحافل الطغاة ، الواقفين بينها وبين الحضارة الإسلامية ، ثم عادت صفاء إلى محرابها في غرفتها تؤدي سنة الفجر وفريضة الصبح ، ثم تتلو وردها اليومي من القرآن الكريم ، قبل الاستعداد  ليوم مدرسي جديد .

ـ 2 ـ

كانت المخابرات العسكرية تراقب وتتعرف على المواظبين على صلاة الفجر عامة ، ومسجد السلطان خاصة ، فلقد اعتقدت السلطة أن المواظبين على صلاة الجماعة عامة والصبح خاصة ؛ هم الخطر الوحيد الذي يعرقل مخططها الهادف إلى إعادة العرب إلى جاهليتهم قبل الإسلام ، وهؤلاء الشباب المتوضئون ، الذين لا يرقصون ولا يشربون الخمر هم الخطر الرئيس على التقدمية والتحرر كما يفهمه الانقلابيون الذين قفزوا إلى السلطة في جنح الظلام ، عندما قامت مجموعة صغيرة من الضباط بانقلاب عسكري استولوا فيه على السلطة ، وأعلنوا أن هدفهم الأول القضاء على الرجعية العربية في الداخل والخارج ، لذلك وصل بهم الخوف من المسلمين وكراهتهم والحقد عليهم إلى رصد الشباب الذين يؤدون صلاة الفجر جماعة في المساجد .

لذلك خرج محمود من مسجد السلطان وهو يدعو ( اللهم صل وسلم على سيدنا محمد ، اللهم إني أسألك من فضلك ) ولم يتكلم مع منقذ الذي كان قريباً منه حتى منتصف طريق الدباغة _ السلام عليكم : _ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، كيف حالك يا أخي ؟ _ الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، نسأل الله أن يتمم بخير يا منقذ . _ أين توفيق وعبد الله ؟ _ رأيتهم سبقونا _ ما الذي أغمك يا محمود ؟_ ألم تسمع ماذا فعلوا ؟ _ تقصد نقل مدرسي التربية الإسلامية ؟ _ نعم ، نقلوه إلى حلب ونقلوا زميله إلى البوكمال ، وثالث إلى السويداء ، _ كل هذه الإجراءات خوفاً من مدرس ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍  ‍‍‍؟ _ نعم .. إن الخبراء في علم النفس والاجتماع يخططون لهؤلاء الانقلابيين ، ويعرفون أن التربية أهم سلاح في المجتمع . لذلك أعلنوا أنهم سيصفونها من كل مدرس رجعي كما يقولون .

ونزل الأربعة شارع الدباغة إلى ساحة العاصي بين مقهى الروضة وفندق أبي الفداء ،في ذلك الشارع الجميل حيث تبعث النواعير أنغاماً شجية على ضفاف نهر العاصي تناشد النيام أن يستيقظوا فقد ملهم الفراش وسأم منهم الزمن . ثم مروا على دفعتين فوق جسر السرايا ليدخلوا حي الحاضر ، الحاضر الذي يحتوي الماضي العريق الأصيل ، ويحفظه من العدو ، وعند بداية الحاضر انعطفوا يميناً إلى حي البارودية قلب الحاضر النابض ، وفي أول الحي تقريباً دخلوا مسجدا ً صغيراً رسم على بابه سيفان متقاطعان بينهما مصحف ، عرف باسم مسجد مروان حديد .

دخل توفيق وعبدالله ، فسلما على الشيخ مروان ، ثم صليا تحية المسجد ، وجلسا في حلقة التلاوة ، وسط مجموعة من طلاب المرحلتين المتوسطة والثانوية ، ثم وصل منقذ ومحمود ، وكان الشيخ مروان يتلو قول الله عزوجل : ] وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولاتعتدوا إن الله لايحب المعتدين ، واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ، والفتنة أشد من القتل [ حتى وصل قوله تعالى ] وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين [ ثم يقول مروان بتحسر : هذه أول آيات نزلت تأذن للمسلمين بقتال من قاتلهم ، يقول تعالى : والفتنة أشد من القتل : الفتنة هي الشرك والردة عن الدين ، والشرك أو الردة عن الدين أشد من القتل ، فمن قتل على الإسلام ، بعث مسلماً ، أما من فتن ومات على غير الإسلام فإنه يبعث على ما مات عليه ، وللفتنة أساليب شتى ، وهي كل مايحول بين المسلم ودينـه ، كما يفعل حكام بلدنا اليوم ، يسدون الأبواب أمام الشاب الملتزم بدينـه ، وأمام المسلمة المحجبة طاعة لله ورسوله ، ويحرمونهم من حق التعليم والعمل ، ويفتحون الأبواب على مصراعيها أمام المتحررين من دينهم والمتحررات السافرات المتبرجات ، أما المجاهرون بالكفر والإلحاد فيصلون إلى أعلى المراتب في بلدنا ، إنها دعوة سافرة للردة ، وإن الدولة تشجع بل تجبر الناس على الردة ، وهذه هي الفتنة ، وهي أشد من القتل ، وقد أمرنا ربنا أن نقاتل حتى لاتكون فتنـة ويكون الدين كله لله . أمرنا الله عزجل أن تكون كلمة الله هي العليا ، ألا ترونهم يهزأون بكلمات الله سبحانه وتعالى ، ويسمون الإسلام رجعية ، ويشتمون الرجعية صباح مساء ، ويمجدون الشيوعية والعلمانية ، ثم تنفس الشيخ عميقاً وتابع يقول : ] ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون [ والموت في سبيل الله أسمى أمانينا ، فمن لها غير الشباب المسلم ، أنتم ياشباب ، أنتم أحفاد خالد وأسامة وعمر رضي الله عنهم أجمعين .

كانت هذه الكلمات تخرج من قلب مروان المخلص لله تعالى ، والذي لم يتعلق بغيره ، وتدخل قي قلوب مريديه النقية الطاهرة ، فامتلأت قلوبهم بها ونقش عليها ( الموت في سبيل الله أسمى أمانينا ) ، ] وقاتلوهم حتى لاتكون فتنـة ويكون الدين كله لله ...[ .

ارتفعت الشمس وحان وقت المدرسة ، فصلى الحاضرون سنة الضحى ، ثم انصرفوا ماعدا الأربعة الذين التفوا حول الشيخ مروان :

ـ ماذا يا أخي هل نسكت على نقل مدرسي التربية الإسلامية ؟

ـ لقد سكت المسلمون طويلاً ويجب أن يتكلموا  ( أجاب مروان ) .

ـ لماذا لايقوم المسلمون بثورة شعبية ضدهم ؟

ـ  أجاب مروان حديد : نعم يجب أن يقوم المسلمون اليوم وليس غداً ، بثورة سلمية ، سياسية ، بالمظاهرات والإضراب ، والعصيان المدني ،  يجب أن تغلق المدارس والأسواق ، والدوائر الحكومية ، ويستمر الاضراب في حماة ، ويمتد إلى سائر المحافظات حتى تسقط هذه الحكومة ، كما فعل آباؤنا في إضراب الستين يوماً ضد الفرنسيين ... فعدونا اليوم ضعيف ، مازالوا متناحرين على الكراسي ، ولما يتمكنوا من رقابنا يصعب القيام عندئذ ، لقد بدأوا بتسريح الضباط المسلمين (السنة ) بحجة أنهم غير بعثيين ، وبعد مدة سيطردون الضباط البعثيين بحجة أنهم من اليمين العفن ، حتى ينفرد أعداء المسلمين بالسلطة وحدهم معتمدين على عشائرهم وأقاربهم فقط . إنهم يتقنون بدرجة أكثر من ممتازة لعبة الأسد والثيران الثلاثة ، وهذا ليس من ذكائهم .

ـ بل من تخطيط الكرملين والبيت الأبيض لهم .

ـ وهذا أعجب مافي الأمر ، أنهم ينالون تأييد الكرملن والبيت الأبيض معاً .

ـ سوف ترون ذلك واضحاً في المستقبل القريب . وينكشف للناس كافة أنهم عملاء للروس والأمريكان ، ولكل أعداء الإسلام والمسلمين .

ـ ماذا ننتظر إذن ؟

ـ حافظوا على الصلة الدائمة بالله عزوجل ، ثم على الصلة اليومية معي ، وندعو الله أن يوفقنا إلى مافيه خير المسلمين  .

ثم دعا الجميع : سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لاإله إلا أنت ، نستغفرك ونتوب إليك . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم ، ] والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [ . ثم ودعوا شيخهم على أمل اللقاء به في در س الشيخ محمد الحامد في مسجد السلطان قبيل العشاء ، فدعا لهم الشيخ مروان كعادته : ( أسأل الله أن يتقبلكم شهداء ) .

ـ 3 ـ

خرجت صفاء من بيتها يكسوها جلباب أسود فضفاض ستر جسدها كله ، وغطت شعرها ووجهها بخمار أسود ، ثم التقت بزميلتها أسماء فسلمت عليها . _ لقد غطيت وجهك يا صفاء !_ نعم هذا أحوط لي في ديني _ وهل تبقين هكذا عندما يدخل مدرس التوجيه السياسي ! ؟ _نعم ، وإن شاء الله يخرجني من الفصل فأرتاح من أكاذيبه ودجله . إنني أتحداهم يا أسماء !! يجب أن يعرفوا أن الإسلام خالد ، ولن ينقص بنقل مدرس التربية الإسلامية ، المهم يا أسماء : ما رأيك لو دعونا بعض الطالبات الخيرات إلى بيتنا فنشجعهن على الحجاب ؟ _ فكرة عظيمة يا صفاء ، لكن هل يسمعن منا !؟ _ انظريني يوماً واحداً ، لا بد من إعداد هذا اللقـاء .

امتلأ شارع الدباغة بالفراشات يتوافدن على ثانوية السيدة عائشة ، يتطايرن فوق أزهار الربيع ، وبين نسماته العذبة ، فأضاء الشارع نوراً بأمهات المستقبل وصانعات الجيل المسلم .

وفي المدرسة طلبت المديرة صفاء فأثارت انتباه الطالبات ، وراحت كل منهن تخمن ما سيجري في المدرسة بعد نقل مدرس التربية الإسلامية منها . _ السلام عليكم ( قالت صفاء ) _وعليكم السلام ، أهلاً بستي الحجة !! أم محمد !! ( وانفجرت المديرة ضاحكة ) ثم تابعت : أنت صفاء ... _ نعم يا آنسة . ثم ساد جو من الصمت كانت صفاء تنظر في وجه المديرة الذي غطته طبقات من المساحيق والألوان ، كما حدقت المديرة في وجه صفاء وفي أصابع يدها اليمنى ، حيث خاتم الخطبة ، ثم تناولت سيجارة ( الكانت ) وراحت تنفث دخانها أمام صفاء ، وقلبها يغلي حقداً على هذا المجتمع الذي لم يتقدم فيه رجل لخطبتها ، بينما يسرعون لخطبة هؤلاء المحجبات وهن طالبات ، وتقطع قلبها غيظاً على هذا المجتمع الحموي الذي ينبذ السافرات المتحررات أمثالها ... وطال الصمت في الغرفة حتى ملت صفاء فقالت : أي جديد يا آنسة ؟_ هناك أمور كثيرة يا صفاء ، أحذرك منها لمصلحتك ، فأنت طالبة في الثالث الثانوي ، أمامك المستقبل كله ، بأحلامه الوردية ، ولكنك تقامرين به . فقاطعتها صفاء :_ أرجوك يا آنسة ، أنا راشدة ولست طفلة ، أعرف مستقبلي في الدنيا والآخرة ، وأشكرك على هذا الاهتمام بي وبمصلحتي . فغضبت المديرة وارتفع صوتها : _ أنت تسممين عقول الطالبات ، لأنك من آثار ذلك المدرس الرجعي الذي تخلصنا منه ، كي لا يسحر الطالبات . _ ماذا تريدين يا آنسة ؟_ لا داعي لهذه القبة التي تلبسينها ( وضحكت المديرة ومدرسة تسمع الحوار ) . هذا جلباب وليس قبة ، سماه الله جلباب ، ورد ذكره في سورة الأحزاب فقال تعالى : ]يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ، وكان الله غفوراً رحيماً [ _ من قال لك إن الجلابيب مثل هذه القبة ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍  ؟ _ هل رجعت إلى قواميس العربية يا آنسة   ؟ _ لا ، لم أرجع ، وهل رجعت أنت ؟ _نعم ، لأن دراسة القرآن تفرض علي ذلك ، فالجلباب هو الثوب الواسع الذي يخفي ما تحته . غضبت المديرة وقالت : آسفة لو فصلتك من المدرسة ‍‍‍  ؟ لأنك سبب للمتاعب . _ غريب يا آنسة ‍‍  أي مدرسة اشتكتني إليك   ؟ ومتى قصرت في دروسي ، أو أسأت إلى إحدى مدرساتي أو زميلاتي    ؟ . _ أنت رجعية ، ويكفي أنك رجعية ....

تحركت الدماء في وجه صفاء وفي دماغها أيضاً ، فصمتت برهة وهي تقرأ الحقد في وجه المديرة الذي زاده العبوس تجعداً ثم قالت : _ وكفاني فخراً واعتزازاً بذلك ، فأنا لا أنتظر الوظيفة ، ثم أشارت إلى خاتم خطبتها ، وتابعت : خطيبي ينتظرني لأكون مساعدة له ، قالت ذلك وهي تعرف أنها حرقت قلب المديرة فصرخت واقفة : _ أخرجي من مكتبي بسرعة ، اخرجي من أمامي . يا رجعية ... ، رمتها صفاء بسهام التحدي ، ثم قالت بهدوء : _ حاضر يا آنسة ( وشدت لسانها على لفظ آنسة )

قامت إحدى زميلات المديرة من المدرسات ، وقدمت لها سيجارة ( الكانت ) وطلبت لها فنجاناً من القهوة ن بينما أخرجت المديرة من حقيبتها ( حبة الفاليوم ) وأخذتها مع القهوة ، كما راحت زميلتها تهون عليها : _ النضال يحتاج إلى صبر ، كي نحول المجتمع الرجعي المتخلف إلى مجتمع متحرر ._ لكن يزيد في رجعيته ، هذه هي المشكلة ، كل ما يقدمه الحزب من دعم لنا ، وها أنت ترين البنات يلبسن هذا الحجاب ، ويرمين ما نقوله لهن عرض الحائط . ثم غرقت المديرة وزميلتها في أحاديث الماضي أيام الجامعة عن فـلان وعـلان وفـلانة وعـلانة .

دق جرس الانصراف فغطيت الشعور وبعض الوجوه ، وعادت الطالبات إلى بيوتهن ، وصفاء مشغولة بخطة اللقاء الذي اقترحته أسماء ، فقالت لها _ ماذا نفعل ؟ وماذا نقول للبنات ؟ ألا يوجد من يعلمنا ؟ _ نعم يوجد ، محمود خطيبك يا صفاء إنه خبير بهذه الأمور . _ لكن أخجل منه ، ولا ينطلق لساني أمامه يا أسماء . _ لِمَ يا صفاء !؟ ألم يعقد عليك . إنه زوجك الآن . _ سأحاول الاستفادة منه في هذا الأمـر .

فتح والد صفاء الباب ، وقلبه يردد مع لسانه ( سبحان الله والحمد لله والله أكبر ) فدخل محمود وجلسا في غرفة الضيوف ، وقد غشاه بعض القلق لمعرفة سبب دعوته إليهم ، ثم هدأ روعه لما رأى لوحة جميلة من القماش طرز عليها بأناقة سيفان متقاطعان بينهما مصحف وكُتب على الجانبين ( لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ) ، إنها بلا شك من صنع صفاء ، وإنها اللوحة التي نالت إعجاب الجمهور الحموي في المعرض السنوي لثانوية السيدة عائشة قبل عامين ، عندما عرف اسم صفاء منها ، وتوجه قلبه إليها حباً في الأيدي المتوضئة التي طرزتها . وراح يستعد ليطلب من صفاء أن تطرز مثلها ليزين بها غرفة الضيوف في بيتهم الجديد إن شاء الله ذلك . فما أجمل السيوف عندما تعانق المصحف ، ثم قطع عمه حبل الصمت وقال : _ طلبت مني صفاء أن تشرح لها أموراً في الدعوة التي تحتاجها في مدرستها . ما شاء الله ، أنتم تعلموننا ذلك . _ والله يا بني تختلف أيامنا عن أيامكم ، أيامنا أكثر بركة ، لكن أنتم أقدر منا على مخاطبة الشباب والجماهير ، ثم دخلت صفاء وبيديها صينية القهوة ، تنبعث منها رائحة زكية منعشة ، وقالت وهي تنظر في الصينية  : _ السلام عليكم ورحمة الله . _ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته (وسمّر بصره في الأرض كأنه يعد خيوط السجادة) ، وعندما اقتربت منه القهوة أنعشته رائحتها فنشطت دقات قلبه وسمع صوتاً ناعماً يقول : _ تفضل . مد محمود يده إلى الصينية فصارت يده في وسطها ويداها ممسكتان بها ، ثم أخذ فنجاناً وضعه أمام عمه ، ثم تناول فنجانه وبقي الثالث لصفاء .

صاغت صفاء الجملة عدة مرات قبل أن تقول : _ في مدرستنا عدد من الطالبات الطيبات ، يزيد عددهن كل أسبوع ، لكن إدارة المدرسة وبعض المدرسات والمدرسين يحاربونهن بكل وسيلة ، ويحاولون إزالة آثار مدرس التربية الإسلامية التي تركها في المدرسة ، وصارت تنمو ولله الحمد كل يوم . _ ألا توجد مدرسة تعوض المدرس المنقول ؟ _ لا ، لا توجد . ولذلك أردت أن أحاول سد بعض الفراغ الكبير الذي تركه ، وقد اقترحت إحدى الأخوات أن ندعو بعض النشيطات إلى لقاء في البيت ، وأردت أن تضع لنا خطة للعمل معهن في مدرستنا . _ سأقدم قليلاً من النصائح ، ثم لا بد من صلة مستمرة بالجماعة المسلمة ، لأن الالتزام بالجماعة واجب شرعي . _ واجب أم مندوب يا محمود ؟ _ واجب ، كما قال الإمام النووي يرحمه الله ، عندما عنون هذا الباب في شرح صحيح مسلم قال : ( وجوب التزام جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كال حال ) ، ثم أورد عدة أحاديث منها : (( من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية )) ، والميتة الجاهلية كما يفسرها النووي : تعني أن يموت على صفة من صفات أهل الجاهلية ، وهي أنهم فوضى لا إمام لهم ولا جماعة . وأورد كذلك حديث حذيفة بن اليمان الطويل والذي في آخره يقول له الرسول r (( ... تلزم جماعة المسلمين وإمامهم .. )) ، وهذه نصوص قطعية الثبوت والدلالة في وجوب العمل الجماعي ، وهناك أدلة عقلية منطقية خلاصتها أن إقامة الدولة المسلمة واجب على المسلمين ، ويستحيل إقامتها بالجهود الفردية ، لذا فالعمل الجماعي واجب لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . عندئذ قالت صفاء : _ وما هو منهج الجماعة المسلمة كي تعيد الدولة المسلمة ؟ فأجاب محمود : _ تربية الفرد المسلم ، رجلاً وامرأة ، ثم إعداد الأسرة المسلمة وهي النواة الأساسية للمجتمع المسلم ، ثم إقامة المؤسسات الاجتماعية والمجتمع المسلم ، وأخيراً تقوم الدولة المسلمة .

كانت صفاء آذاناً صاغية لمحمود وهي تمعن فكرها في ما قاله محمود ، ثم قالت : وما دور المرأة المسلمة ؟ فقال محمود : _ المرأة المسلمة فرد مسلم يجب إعدادها وتربيتها على الإسلام ، وهي الركن الأول والأساس في الأسرة المسلمة ، وهي نصف المجتمع المسلم وصانعة أجياله وأبطاله .

_ ابتعدنا عن موضوع اللقاء يا محمود : ماذا نفعل مع زميلاتنا في المدرسة ؟

_ ليكن اللقاء الأول زيارة للتعارف والمجاملة ، لتقوى الروابط بينكن في الله ، واللقاء الثاني يفتتح بالقرآن الكريم ، ثم تقرأ صفحة من السيرة وحديث شريف من رياض الصالحين ، وسوف تصلك مناهج موسعة فيما بعد .

في اليوم التالي حضرت مجموعة من الطالبات المحجبات إلى دار صفاء ، وكان لقاء التعارف والتعاهد على الدعوة لله عزوجل ، وأول ذلك الالتزام بكتاب الله عزوجل وسنة نبيه r ، ومن ذلك التمسك بالحجاب الإسلامي لأنه فريضة من الله ... وكانت مخابرات أمن الدولة تراقب المحجبات ، وترصد حركتهن خوفاً منهن ، وقد وضعت عدة خطوط حمراء تحت اسم صفاء .

_4_

كانت شمس الأصيل تسكب أشعتها الذهبية على مآذن حماة وأشجارها العالية ، فتصل بعضها إلى صفحة مياه العاصي ، فتنكسر ثم تهتز غضباً كأنها تنذر بعاصفة هوجاء ، تدمر المآذن وقباب المساجد خاصة ، وتمر الأشعة على رشراش الناعورة فترسم عليه قوس قزح بألوانه الأصلية كأنه سيف قديم من سيوف الصحابة ينادي : ( أين أبا بكر  !!؟ أين ابن الوليد !!؟ هذه ردة قد تودي بالمسلمين من بلاد الشام ، ردة ولا أبا بكر لها ، ومسيلمة يهذي ولا يسمعه ابن الوليد ) .

وسط هذه الايحاءات الكونية خرج الشيخ مروان من مسجده في حي البارودية بالحاضر ، ومعه ثلة من الفتيان يمشون حوله وخلفه ، كلهم في سن البراعم ، ومعظمهم من الأسر العريقة في حماة ، منظر فريد إذا رآه الغريب يعجب من ذلك الشيخ الشاب ذي القامة المديدة واللحية الكثة ، بلباسه الأبيض المتميز وعمامته وعباءته ، هذا الشكل الفريد وكأنه خرج من الماضي ، أما إذا رآه القريب أدرك بعد النظر الذي وهبه الله عزوجل لمروان ، فقد عرف أن هؤلاء الفتية يرتبط بهم مصير الأمة ، فهم يعيدون بناءها ، أو يكملون تخريبها ، لذلك انصرف إليهم بكل جهده يربيهم على كتاب الله وسنة رسوله r .

مر موكب الشيخ الشاب من البارودية إلى جسر السرايا فشارع العاصي ثم الدباغة ، فمسجد السلطان ، موكب متميز ينظر له البعض بالدهشة والخوف ، والآخرون بالأمل ، أما مروان فكان يعيش في ( 1964م ) ويرى عام ( 1982م ) ، وكان يرى المستقبل من ثقوب الحاضر الصغيرة ، وهؤلاء هم العباقرة الذين يرون المستقبل وهم في الحاضر ، وعندئذ ينكر عليهم معاصروهم ، ولا يصدقونهم ، والعبقرية هبة من الله تجعل الإنسان حاد الذكاء ، فيستشف المستقبل من خلال مؤشرات الحاضر .

ما زال الموكب في الطريق إلى مسجد السلطان عندما تعالت أصوات المؤذنين ( الله أكبر  ... حي على الصلاة .. ) فيزيد مروان في نفسه ( حي على الجهاد ) ويقول في نفسه : عجباً للمسلمين كيف يفصلون بين الصلاة والجهاد ، ما الفرق بين قوله تعالى ( كُتب عليكم الصيام ) وقوله عزوجل (كُتب عليكم القتال ) ، لماذا تبحر العلماء في فقه الصيام وحدثوا المسلمين عنه ، وسكتوا عن الجهاد  !!؟ .

وكان صوت مؤذن السلطان من أواخر المؤذنين ، عندئذ وصل الموكب إلى المسجد ، وتوزع أفراده حول البركة وسط صحن المسجد يتوضأون منها لصلاة المغرب ، جمع من الشباب المسلم توافدوا من أنحاء المدينة كلها لهذا اللقاء اليومي ، حيث صلاة المغرب ثم درس الشيخ ثم صلاة العشاء ، شباب ورع أقبل على الله ، وصد عن الطواغيت وأحزابهم ، تعجبك إشراقة النور في وجوههم ، وقطرات الماء تقطر من لحاهم بعد الوضوء ، وكأنك تسمع تسبيح الملائكة واستغفارها لهم ، ثم تقام الصلاة ، ويتلوها بقليل درس الشيخ اليومي ، ثم صلاة العشاء ، حيث يزيد عدد الحاضرين بين الصلاتين لسماع الدرس وحضور صلاة العشاء . وبعد الصلاة ترى الأخوة يسلمون على بعضهم ، وقد ملأوا أركان المسجد وزواياه ، هذا مروان بقامته ولباسه المتميز يسلم على عبد الستار وهشام ومنقذ ومحمود وعبدالله وتوفيق ، وكلما طلب منه الدعاء قال كعادته : أسأل الله أن يتقبلك شهيداً في سبيله . ثم سلم مروان على الشيخ وحاول أن يقبل يده فشده بقوة كعادته ، فقال مروان : _ أريد أن أراكم يا سيدي لأمر هام . _ متى يا مروان ؟ _ اليوم إن أردتم ؟ _ خيراً ، انتظرني الساعة العاشرة بمكتب المهندس (  رامي علواني  ) .

افتتح الشيخ الجلسة بالدعاء إلى الله عزوجل أن يفرج على المسلمين ، ثم قال لمروان هات ما عندك ؟ فأجاب مروان :

_ يا سيدي ، بدأ البعثيون في تنفيذ مخططهم ، لقد صفوا الجيش من الضباط المسلمين ، ثم بدأوا بتصفية التعليم ، فنقلوا بعض مدرسي التربية الإسلامية من حماة إلى مناطق يبعدونهم فيها عم الدعوة إلى الله ، أو بعيدة عن مراكز دعوتهم وأنشطتهم . كما أنهم يضايقون الطالبات في حجابهن ، ويتحدون الطلاب جهاراً في هجومهم على الدين .

_ هذا دينهم ، قاتلهم الله ، وليس هذا جديداً منهم ، فهم أعداء المسلمين ، وعلينا الاستمرار في دعوتنا ؛ لنرمم بعض ما أفسدوه ونحافظ على شبابنا قدر طاقتنا ، والله المستعان . _ يا سيدي ، مهما ضاعفنا جهودنا فإننا نرمم عشر ما يفسدون أو أقل ، لأنهم دولة بيدهم الإعلام والجيش والتربية ، لقد سلبوا الحكم منا ليقضوا علينا بواسطته ، ويقضوا على ديننا ، فماذا ينفع ترميمنا !؟ . _ ما العمل غير ذلك يا مروان !؟ _ لِمَ لا نعلن الجهاد !؟ الجهاد السلمي ياسيدي الشيخ ، كالاضراب ، والمظاهرات ، والاعتصام ، ومقاطعة السلطة ، .....إلخ  ، وندعو المسلمين إليه فنقضي على هؤلاء الفسقة في مهدهم ، قبل أن يستفحل أمرهم ويتمكنوا من رقاب المسلمين . _ من معك يا مروان !؟ _ الشعب كله ، الشعب المسلم ؛ هل يرضى بذلك !؟ _ الشعب متفرج يا بني ، ولن يجتمعوا حولك ، بل قد يجتمع بعضهم ضدك . _ أقصد يا سيدي الشيخ أن يقوم الإخوان المسلمون بالجهاد ضد الطغاة ، فيتبعهم المسلمون . _ الجهاد سبيلنا يا بني ، والجهاد ضد الحاكم يكون بالسياسة ، أي الجهاد السياسي ، وليس الجهاد العسكري ، أما الجهاد العسكري فهو ضد العدو الخارجي مع وجود الحاكم المسلم ، الذي يعلن الجهاد ويقوده .

ـ طيب نعلن الجهاد السياسي  . ـ  لا لم يحـن وقته بعد ._ ومتى يحين وقته إذن!؟

_ عندما تتكون الجماعة المسلمة في صفوف الشعب ويصبح لها قاعدة شعبية صلبة يتحرك الشعب لنصرتها ، إذا حاولت السلطة ضربها ، ألا تذكر موقف الشعب من الجماعة المسلمة في مصر ، خلال الخمسينات ، عندما سلطت عليهم السلطة الكلاب المدربة تنهش أجسادهم ، والشعب صامت كأنه لا يسمع ولا يرى ، ولا يهمه سوى البحث عن الخبز والطعام وضرورات العيش التي حجبها عنه الطغاة ليشغلوه بالبحث عنها . _ وكيف نتمكن من صفوف الشعب ، ومتى ‍‍‍‍‍‍ ؟ _ الدعوة مستمرة ، والقدوة الحسنة ، ومد الجسور مع فئات الشعب كلها ،والعمل على نصرة المظلومين ، فما زلنا يا مروان نحصر وجودنا بين المثقفين فقط ، وتركنا العمال والفلاحين للاشتراكيين ؛ يغزونهم ويضحكون عليهم بسراب التأميم والإصلاح الزراعي ، هذه واحدة من أخطائنا يامروان ، يجب أن نتلافاها ـ ولكنهم سبقونا إلى العمال والفلاحين ، وقد ساعدتهم الظروف التي هيأها لهم الإقطاعيون والبرجوازيون ، فأحسن الاشتراكيون استغلالها ـ سوف تنكشف دعواهم ، وسيأتي اليوم الذي ينقلب عليهم العمال والفلاحون ، ويعودون إلى دينهم معنا ضدهم . ـ المثقفون طليعة الشعب ، والطلاب وقوده ، وكلاهما معنا الآن . ـ هذا صحيح يابني ، لكنهم الأقل عدداً ، لابد من بناء القواعد في صفوف العمال والفلاحين يامروان . ـ مشكلة الفلاحين ياسيدي أنهم خدعوا بسراب الاشتراكية . ـ وعلينا يامروان أن نعلمهم كيف يميزون بين السراب والمـاء . ـ هذا ضروري ياسيدي ، لكن الزمن في صالح السلطة ، وليس في صالحنا ، فالهدم أسهل وأسرع من البناء ، ومؤسسات الدولة بيدهم ، وعندما يصفون مؤسسات التربية كما صفوا الجيش ستكون كارثة علينا . ـ نظرتك صحيحية يامروان ، لكن نحن ضعفاء ، وقوتهم تتزايد بسرعة ، ولن تحقق المواجهة السياسية هدفها الآن .ـ ماهدف المواجهة ياسيدي . ـ سوف تقول النصر أو السجن أو الشهادة ، اليس كذلك يامروان !؟ ـ بلى ياسيدي ، وسوف نحقق أحد هذه الثلاثة .

ـ ( ضحك الشيخ ) وقال : هذه عاطفة الشباب ، وهذا إخلاصهم ، وأسأل الله عزوجل أن يعطيكم على هذه النوايا الطيبة ، لكن الحكمة والتعقل لايريان ماترى ياولدي ، لايصح الخروج على الطغاة إلا إذا توقعنا النصر بدرجة معقولة ، ولايجوز الإقدام على إزالة منكر يؤدي إلى منكر أكبر منـه ، إننا بصطلاح الفقهاء نختار مجبرين أخف الضررين ، ولانريد أن نعطي السلطة ذريعة أمام الشعب كي تذبح العلماء ، وتهدم المساجد ، وتزج الآلاف في السجون .

ـ ذاك ياسيدي الذي تقوله ينطبق على الخروج عسكرياً على الحاكم ، ولكني أريـد الخروج السياسي فقط .

ـ ينطبق عليه ما ينطبق على العسكري ، فالحاكم لا يريد خروجاً عليه ، لا سياسياً ولا عسكرياً . لا تدع لهم ذريعة أمام الشعب ، يذبحوننا بسببها ، والشعب يتفرج علينا ، كما حصل في مصر .

ـ يا سيدي عندما يتمكنون من رقاب الشعب ؛لن يحتاجوا إلى ذريعة أمامه ، وسيفعلون ما يحلو لهم ، وما يخدم مخططهم نحو ضرب الإسلام والمسلمين .

ـ اسمع يا مروان لن يوقف الدعوة في حماة نقل بعض الأخوة مدرسي التربية الإسلامية منها ، وتهجم الحزبيين على الإسلام لن يزيد الشباب إلا تمسكاً به ، أما خروجنا ضد الحكومة في هذه الحال سيضرنا كثيراً وليس في صالح المسلمين .

_إذن ندعو الشعب إلى الإضراب والمقاومة السلبية .

ـ الشعب غير موجود الآن يا مروان ، مزقته الحزبية إلى أجزاء متناحرة ، وعندما ندعو إلى الإضراب ستجد من يصطاد في الماء العكر . _ نحرك الطلاب يا سيدي فيحركون البلد كله . ـ الأفضل بل الواجب أن لا نحرك أحداً ، لأن الحركة ستؤدي إلى فتنـة أكبر منا ونعجز عن مواجهتها . ـ الفتنة موجودة الآن يا سيدي ، ألا تراهم يفتنون الناس عن دينهم صباح مساء ـ وقد أمرنا الله عزوجل أن نقاتل حتى لا تكون فتنة ، ويكون الدين كله لله . فلنخرج سياسياً ، ونقاتلهم بالكلمة ، والمظاهرة ، والإضراب ، حتى نسقطهم . ـ اسمع يا مروان ، القضية خطيرة ، والحكم فيها صعب جداً ، لا يمكن استخلاصه من آية واحدة بهذه البساطة ، ولابد من الرجوع إلى العلماء ، أنت وأنا لا نكفي ، يجب الرجوع إلى مجالس العلماء ، لأن الفهم الجماعي للدين هو المطلوب ، ومادام أي تحرك سيعود أثره على الجميع ، لابد إذن من مشاركة جميع العلماء في اتخاذ مثل هذا القرار . ـ سيدي الشيخ !!! أليس الجهاد مفروضاً علينا !!ـ بلى ، ولكن يفرض علينا الإعداد قبل الجهاد ، إعداد الرجال والعتاد . ـ يا سيدي الزمن في صالحهم ، نعد رجلاً فيعدون جيشاً ، نشتري مسدساً فيشترون طائرة .

ـ يبدو أنك لن تقتنع مني يا مروان ، وأخشى أن تفعل ما تقول ، وتخالف رأي جماعتك ، جماعة الإخوان المسلمين  ، وأدعو الله عزوجل أن يهديك إلى الالتزام بقرار الجماعة، وخطتها وعملها ، كما أسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ هذه المدينة وسائر بلاد المسلمين من الفتـن ، والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين .(( سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك )) .

ـ 5 ـ

عاد مروان من لقائه مع الشيخ متردداً بين الالتزام برأي الجماعة ، وهو الصبر والاستمرار في الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ، وتحمل أذى الحكومة والصبر عليه ، وبين ما يراه من ضرورة الجهـاد السـياسـي ، وهو حق طبيعي لكل مواطن ،  وبذل الأرواح دفاعاً عن العقيدة المهددة ، ودفعاً للفتن المحيطة بالمسلمين ، تارة يرى الالتزام بالجماعة يفرض عليه الطاعة والانقياد ، ولو خالفت رأيه ، وتارة يرى أن شيوخ الجماعة مبالغون في الحذر والسكينة ، حتى طمع فيهم أعداؤهم فاستنسر البغاث في أرضهم .

ولما وصل مسجده جدد وضوئه ، ثم صلى لربه ودعا دعاء الاستخارة وقال : (( اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن خروجي على هؤلاء الطغاة الآن خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ، ثم بارك لي فيه ، وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، فاصرفه عني واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ، ثم رضني به . )) .

ثم جلس مدة طويلة وقد سيطر عليه التفكير في حال المسلمين ، وما آلوا إليه من الذل والهوان ، ومد بصره إلى الإمام ، ليرى المستقبل من ثقوب الحاضر ، وغشاه النوم ، وطار به الحلم شفافاً ، فرأى عسكراً بثياب مبرقعة يأخذون الرجال من البيوت ، ويجمعونهم في ساحات الحي ؛ ثم يقتلونهم رمياً بالرصاص ، أمام أطفالهم ونسائهم ، ورأى سيارة عسكرية تحمل عدداً آخر من المسلمين إلى خارج المدينة ، ثم يحفرون لهم ويدفنونهم أحياء ، ثم رأى منظراً مروعاً ، جندياً ممتلئ الجسم ( .... )  ؛ يجر فتاة في ريعان صباها من يدها ، وهي تصرخ وتستغيث ، وجندي آخر يرمي ذويها بالرصاص ، ثم ساعده على حملها حتى أدخلوها السيارة ، والفتاة تصرخ وتستغيث بعد أن قُتل أهلها ( واإسلاماه ...واإسلاماه ) . عندئذ نهض الشيخ مروان من نومه مذعوراً ، وهب واقفاً ، حتى أدرك أنه كان في حلم ، فبصق شماله وقال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .

لم يستطع مروان أن يتخلص من ذلك الحلم المرعب ، فصوت الفتاة يملأ أذنيه صباح مساء وهي تستغيث ( واإسلاماه ) وصار متأكداً أن حال المسلمين ستؤول إلى هذه الحال ، إذا سكتوا حتى يتمكن الطغاة من رقابهم . ووصل إلى نتيجة تقول :

إن الجهاد السياسي ؛ للدفاع عن الدين وعرض المسلمين فريضة لا يصح تأجيلها ، عندئذ اتخذ مروان قراره النهائي ، فوقف يدعو ربه : ( اللهم اشرح صدور علمائنا وقادة جماعتنا إلى ما شرحت صدري له ، اللهم إن مخالفة أمرهم أمر خطير ، ولكن الأخطر منه أن نترك ديننا وعرضنا نهباً لهؤلاء الطغاة . اللهم اجمع كلمة المخلصين من عبادك على الجهاد في سبيلك ، واجمع المسلمين حولهم على نصرة شريعتك ، ووفقنا إلى ما ترضاه لنا ، اللهم إني أسألك الشهادة لي ولإخواني المخلصين ، فأكرمنا بها يا كريم .

دخل محمود ومنقذ المسجد فصليا ركعتين ، ثم وصل توفيق وعبد الله فسلموا على الشيخ مروان الذي فرغ لتوه من قراره الخطير  فقال محمود : _ ما الأخبار يا أبا خالد ؟ _ ما زال قادتنا يخافون من الثورة ، ويسمونها إجهاضاً للدعوة . _ اللهم اشرح صدورهم لما فيه خير المسلمين . _ نحن لا نريد ثورة ، وإنما نريد أن تكف السلطة عن مهاجمتنا . _ هذا بلد مسلم ، ويجب أن يتحرك أهله كلهم إذا أهينت شعيرة من شعائر دينهم . _ لو قمنا بمظاهرة ستخرج معنا ثانوية الحوراني وأهل الحاضر ، نهتف فيها ضد الحكومة ، فتخاف الدولة منا . _ لكن ، هل تخرج معكم الثانوية  !!؟ _ ألم تسمع بنقل مدرسي التربية الإسلامية !؟ _ الأفضل أن يكون المحرك سبباً من الثانوية نفسها فيتحرك الطلاب بشكل مباشر . _ إنهم يتحدوننا كل يوم ، ويكتبون على السبورة (تسقط الرجعية)

والرجعية عندهم هي الإسلام . _ بل هم الرجعيون ، نحن نرجع إلى الإسلام ، وهم يرجعون على الجاهلية التي سبقت الإسلام ، ويتباهون بها وبأخلاقها . _ إذن ننتظر سبباً مباشراً من ثانويتنا للإضراب . _ نعم هذا أفضل ولا تقطعوا الصلة اليومية معي ، وأخلصوا النية لله ، ومن توكل على الله فهو حسبه .

ارتفع منسوب مياه العاصي نتيجة للأمطار الغزيرة في آذار ( مارس ) ، فأسرعت النواعير ، وارتفع أنينها وتغير إيقاعه ، كان هادئاً رتيباً يبث آلامه بوقار على ضفاف العاصي وبساتينه ، بعد أن تعرت الأشجار من ثيابها الخضراء ، واستعدت لتلبس ثوباً جديداً مزركشاً مع إطلالة ربيع جديد من عمرها ، وصار الأنين قوياً كأنه طبول حرب تريد أن توقظ النائمين ، الذين ملهم الفراش ، وهم نيام ، يتقلبون نحو الغرب تارة ونحو الشرق تارة أخرى ، اعتادوا على الأكل الكثير ، والماء البارد المثلج ، فبرزت لهم ( كروشاً ) و( أردافاً ) ثقيلة عجيبة شوهت أجسادهم ، وزادتها كسلاً ورخاوة ، ومع شدة أنين النواعير لكنه لم يصل إلى قلوبهم التي أحاطوها بأكداس الشحم واللحم ، تراهم كباراً وهم صغار العقول والنفوس ، يركضون وراء الدنيا لاهثين ، وقد تعس عبد الدرهم ، تعس وانتكس ، تركوا الجهاد فألقوا بأيديهم إلى التهلكة ، ونسوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل أمروا بالمنكر ونهوا عن المعروف ، فحقت عليهم فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منهم خاصة ، وقليلون من سمعوا أنين النواعير القوي ، فأصاخوا السمع وكأنهم يسمعون {انفروا خفافاً وثقالاً ، وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون }. سمعوا الحداء فهيأوا الزاد ، ولامست وجوههم نسمات الجنة ، فقرروا أن يفوزوا بإحدى الحسنيين النصر أو الشهادة .

_ 6 _

كان محافظ  حماة السيد عبد الحليم خدام ، يقطع الصالة ذهاباً وإياباً ، يصطنع التفكير لعله يصل إلى أكثر الطرق يحفظ فيها كرسيه في دمشق ، وهو ينتظر الرفيقين أمين الفرع ، وقائد الحرس القومي . كان المحافظ قلقاً جداً على كرسيه الذي ضحى من أجله بكل ما يملك من قيم ، أما حماة بالنسبة له فوحش فاغر فاه ، يحاول أن يبتلع كرسيه الذي شارف ( البنّاء ) على إتمام صنعه في دمشق ، وقد بات واضحاً أن المسمار الأخير في هذا الكرسي هو ( إخماد ثورة ) حماة ، يستلم لقاءها كرسياً ثابتاً في حكومة الطغاة .

_ تأخر الأشقياء ، عليهم اللعنة ( قال المحافظ ) ونظر في ساعته الذهبية .

وصل أمين الفرع وقائد الحرس بصحبة رفيقين آخرين ، فأسرع المحافظ نحو باب الصالة وقال : أهلاً بالرفاق ، أنعمتم مساء أيها الرفاق ، تأخرتم عشرين دقيقة فقط ، لا عليكم ، أعرف أن وقتكم مملوء جداً . _ أفسدت علينا ليلة ( ... ) يا سيادة المحافظ . ( قالها أمين الفرع ورائحة الخمر تتسرب من أسنانه المسوسة ) . _ سيادة المحافظ قلق أكثر من اللازم . ( قال قائد الحرس ) . فأجاب المحافظ : _ أين كانت ليلتكم يا رفاق !؟ _ أين تكون ، طبعاً عند الرفيقات ، هناك بشر يا رفيق ، هناك الرفيقات كالبراعم والأزهار . _ في هذه المدينة نعيش بين أشباح ، لا نرى الحسناوات . فأجاب المحافظ : _ متى تصلون إلى سن الرشد يا رفاق !؟ الحزب بحاجة لجهودكم ، ويريد أن تفكروا لمصلحته ، أما زلتم مراهقين !!؟ قهقه أمين الفرع وقال : نعم ، ما زلنا مراهقين ، ولا تنس أننا لا ننتظر مثلك كرسياً في دمشق . ثم قال قائد الحرس : هذه أيامنا ، وبعدها سنسقط من الغربال ، وتقولون عنا ( سقطوا على الدرب ) . _ الثورة والحزب يا رفاق في خطر ، وأنتم مشغولون بشهواتكم !؟ ولعبكم !؟ _ الرفيق المحافظ أثرت فيه الرجعية في حماة ، إنه يسمي النضال لعباً ، نحن نناضل لتغيير القيم والعادات البالية الرجعية ، فنكون قدوة لغيرنا في سلوكنا وأخلاقنا الثورية .

عندئذ دخلت رفيقتان رشيقتان كأنهما من ( ألمانيا ) ارتدت كل منهما بنطالاً وقميصاً ، تحمل الأولى صينية الفواكه التي أحضرت من أطراف الدنيا لقادة الحزب ، وكانت أنوار الثريا تنعكس على الفواكه فترسمها على خدي الفاتنة الحسناء ، أما الثانية فتحمل عدداً من الزجاجات والكؤوس وقطع الثلج وضعتها على الطاولة ، بينما كان أمين الفرع فاغراً فاه وقد غاصت رقبته بين كتفيه ، وامتلأ أنفه برذاذ العطر المنبعث من شعرها الأشقر ، وقد وزعت الثلج على الكؤوس وهي تصب الخمر فيها . فهمس أمين الفرع لقائد الحرس : _ الرفيق المحافظ ليس لديه وقت ليلعب مثلنا !!؟ _ لا ، لا تسيء الظن ، لا تنس أنه عزب . _ فضحك أمين الفرع وقال : نعم ما زال عزباً . وفهم الرفيق المحافظ على همسهما فقال : _ عيونكم ضيقة يا رفاق . ألست مناضلاً مثلكم !!؟ _ بل أنت أستاذنا في النضال والتحرر ( ويقهقهان في الضحك ) .

أومأ المحافظ للفتاتين بالانصراف ، فقال أمين الفرع حالاً : _ أنا رهن إشارتك سيدي المحافظ ،على شرط ... _ لك ما تشترط إن لم تقصر في النضال ضد الرجعية ، عندئذ قام أمين الفرع ونفخ عضلات صدره وقال : _ سأسحق الرجعية كلها ، سأذبح العلماء ، وأهدم المساجد ، وأدوس المصاحف ، وسأبني مكانها مراقص الرفيقات ، يا قائد الحرس نفذ أوامري غداً واقتل الرجعيين غداً . ثم يقول أمين الفرع : _ الآن قل لِمَ دعوتنا يا رفيق ؟ فقال المحافظ : مشيراً إلى رفيق في الصالة (مخبر) وقال تكلم يا رفيق : فقال المخبر : _ لقد أثار نقل المدرسين من حماة أهالي المدينة ، وخاصة الرجعيين ، وأولهم الإخوان المسلمون ، الذين زادت حركتهم كثيراً ، وسمعنا من أفواه طلابهم عبارات التهديد والوعيد . فقال أمين الفرع : _ يهددون من !؟ الثورة !؟ أم الحزب !؟ ويقهقه ثم يفرغ كأس الخمر في جوفه ، ويضربها على الطاولة ويقول : _ من هم !؟ كم شيخ !!؟ ألا يعرفون أن جيشنا العقائدي بالمرصاد ، والله ثلاثة عساكر فقط يقضون عليهم من بكرة أبيهم . فأجاب المحافظ : من قال لك أن الجيش يتدخل !؟ _ طبعاً وبالتأكيد ، لماذا إذن الجيش العقائدي !؟ إذا لم يقض على المشايخ والعلماء والإخوان المسلمين وأعوانهم ، ما الفائدة إذن منه !؟ _ هل يضرب الجيش الشعب !؟ _ نعم لماذا إذن الجيش العقائدي إذا لم يضرب الشعب ( ويقهقه الثلاثة قهقهة عالية ) . _ لكن ما زالت الرجعية معشعشة في كثير من عساكرنا ، أليس كذلك ؟ فيجيب قائد الحرس : _ ليس كلهم ، والله عندنا عساكر يكرهون الحمويين أكثر من اليهود ، ولا تنس الأحقاد التاريخية في قلوبهم ضد الحمويين . _ والقيادة هل توافق على نزول الجيش ليضرب الشعب يا ترى !؟ _ نعم توافق ، والله الرفيق القائد يغلي من الحقد على حماة خاصة وعلى الرجعية عامة . وأخيراً قال المحافظ : _ المهم أيها الرفاق إن لم يسارع الجيش إلى دخول حماة واحتلالها فسوف نغادر المدينة أو نموت فيها قريباً . _ فأجاب أمين الفرع : _ أنا مسافر صباحاً إلى دمشق ، سأقابل الرفاق في القيادة ولن أعود إلا وقد سبقني الجيش إلى حماة . _ لا تنس غربلة الوحدات العسكرية التي ستكلف بذلك.

ثم يهجم الثلاثة على الطعام والشراب ، ويصفق المحافظ فتدخل الفتاتان تقدمان الكؤوس والابتسامات ، فيرفع المحافظ كأسه قائلاً : كأس الحزب الثوري . فيقهقه أمين الفرع ويرفع الكأس ويقول : _ كأس الرفيقة الشقراء ، ثم يتابع موجهاً كلامه لها : سنقتل كل الرجعيين من أجلك ، هل يرضيك هذا يا سيدتي !!؟ فتجيب الرفيقة بلغة ماجنة: _ اسمح لي ببندقية لأقتلهم معكم يا رفيق .

*     *     *

دق أمين الفرع باب العمارة التي يسكن فيها الرفيق الأمين المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي اللواء صلاح جديد ، الساعة التاسعة صباحاً ، ثم أدخل إلى غرفة الضيوف وراح يطالع صحف الصباح التي تمجد الحزب الثوري والجيش العقائدي ، ثم قال لأحد الحراس : أين الرفيق ؟ _ نام بعد الفجر ، بعد سهرة طويلة كالعادة مع بعض الرفاق والرفيقات ، وكان هذا الحوار سبباً في إيقاظ الرفيق الأمين المساعد ، فنهض يفرك عينيه ، ثم أشعل سيجارة يطرد بها رائحة فمه المنتن ثم قال : _ أهلاً بالرفيق ، أنعمت صباحاً . _ أنعمت ظهراً يا رفيق ، الساعة الآن تقارب العاشرة .

_ والله كان عندنا أمس سهرة حلوة لطيفة ، وطبقنا حكمة عمر الخيام . _ طبعاً أنتم تلعبون وتمرحون ، ورميتمونا في حماة الرجعية . _ ما زلتم تخافون من الرجعية !؟ _ الرفيق المحافظ خائف جداً ، كان يود أن أسافر إليكم ليلاً . _ طبعاً الرفيق المحافظ قلق وخائف على مستقبل الثورة والحزب ، وعلى الكرسي المهيأ له في دمشق . ماذا يريد بالضبط !؟ _ يريد إعداد الجيش لدخول حماة حالاً . _ ومن قال له أن القيادة غافلة عن ذلك . _ يريد عساكر منتقين من نوعية خاصة . _ يا عمي العبوا وامرحوا ، ولا تفوتوا لحظة طرب ، الرفاق في القيادة سبقوكم كثيراً ،إنهم يسهرون من أجلكم يا رفاق ، والذين تفكرون فيه انتهوا من مناقشته واتخذوا فيه قراراً ، لقد كلف العقيد ( قائد اللواء 45 ) أن يستعد لذلك . _ ولماذا اللواء ( 45 ) !؟ _ هذا ذكاء الرفيقين الكبيرين ، ربما لأن قائده يكره الحمويين كثيراً ، وله معهم ثارات منذ أديب الشيشكلي ، وكذلك لأن اللواء ( 45 ) يوشك أن يصبح عقائدياً كاملاً . _ المهم لا بد من مقابلة الرفيق القائد ، وإلا لم أنفذ المهمة التي كلفني بها المحافظ . _ غريب !؟ المحافظ يكلفك من هو !؟ ومن أنت !؟ ألست أمين فرع الحزب !!؟ _ بلى ، لكن هذه المرة كلفني ، وصرت تلميذاً له ، إنه أستاذنا في النضال ، أمس كان عنده (زوج) رفيقات أخذن عقلي ........  _ عجيب ، محافظكم صار عنده رفيقات ! ؟ .

بعد دقائق كانت ( المرسيدس ) الفاخرة تنقل الرفيقين عبر شوارع دمشق الجميلة الواسعة ، والتي صارت واسعة جداً ، تكفي لتحرك الوحدات العسكرية بآلياتها داخل العاصمة الأموية بحرية كبيرة . ووصلت السيارة مبنى القيادة حيث دهاقنة الحزب يخططون لسوريا ، فالحزب صار حزبين أحدهما عام شكلي ، والآخر خاص فعلي ، وهذا الخاص هو الذي يحكم سوريا ، ومما سلكه الحزب الخاص لعبة الأسد والثيران الثلاثة ، فبعد أن قام العقيد المستقل ( زياد الحريري) بالانقلاب العسكري بمساعدة ثلاثة من الضباط الناصريين ، استدعى الحزب مئات الضباط الاحتياط من طائفة معينة ، وسرح العقيد المغفل ومجموعة كبيرة من الضباط الناصريين . ثم أعدت دفعة في الكلية العسكرية على عجل خلال سنة واحدة ، وبعد تخرجها سرحت أعداد من الضباط العاديين ، ومعظمهم من الفنيين المحترفين في الجيش ، وهم عصب القوات المسلحة ، ثم وصل التسريح إلى الحزبيين أنفسهم ، فسرح الحزبيون الذين ينتمون للحزب العام ( القيادة القومية ) ، وملأت أماكنهم بضباط من الحزب الخاص من طائفة معينة ( القيادة القطرية )  ، حتى صار الجيش عقائدياً كما قالوا ، وصار جاهزاً لضرب الشعب وتدمير المساجد وذبح الأطفال والنساء والشيوخ .

خرج العقيد قائد اللواء ( 45 ) من مبنى الأركان العامة مرفوع الرأس ، يمد رقبته كأنه يحاول أن يكلم عشيرته على بعد مائة كيلومتر جنوب دمشق أو تزيد ، ثم جلس في سيارة ( المرسيدس ) متجهاً إلى درعا حيث يعسكر اللواء ( 45 ) ، وفي الطريق كان يتلذذ بالأحلام الوردية حول الثأر الذي انتظره طويلاً ، فقد ضرب العقيد فؤاد الأسود ( الحموي ) بلدة السويداء بأمر من الشيشكلي  ، في بداية الخمسينات ، على أثر اكتشاف الحكومة كميات من الأسلحة تهرب وتخزن في السويداء ، استعداداً لإعلان انفصال  جبل الدروز ليكون عاصمة للدولة الدرزية ، ولم يرض يومئذ مسلم ولا عربي ولا حموي بضرب مدينة السويداء ، خاصة وأن الإسلام لا يبرر ضرب الأبرياء من النساء والأطفال بما يفعله بعض المجرمين ، ولم يكن الشيشكلي ملتزماً بالإسلام ، ولا ممثلاً له ، بل اضطهد الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله وهو أمير الحركة الإسلامية يومئذ ، ونفاه إلى لبنان طيلة فترة حكمه . كما لم يكن سياسياً ولا زعيماً ، لذلك سيطر الاشتراكيون على البلاد بانقلاب عسكري ، وانهزم أديب الشيشكلي إلى الأرجنتين حيث لحقه أحد الدروز وقتله هناك عام ( 1966م ) .

لذلك انتقت قيادة الحزب العقيد حمد عبيد ( الدرزي ) ( قائد اللواء 45 ) لينتقم من أهالي حماة ، فيضربون الشعب بالشعب ، ويشجعون الثارات والنزعات العشائرية والمحلية والطائفية .

وصل العقيد حمد عبيد إلى نادي ضباط درعا ، واستدعى قادة الكتائب لاجتماع هام وبعد دقائق بدأ العقيد الاجتماع فقال :

_ أعلموني عن استعداد كتائبكم ؟ وما أن سمعها قادة الكتائب حتى اصفرت وجوههم ورجفت أطراف بعضهم ، والعقيد يوزع بصره على رجاله ، وطال الصمت حتى قطعه قائد كتيبة الدبابات قائلاً : _ لو اجتهدنا أسبوعاً نجهز نصف الكتيبة ، والباقي يستحيل تجهيزه لأنها قديمة ، ومحركاتها معطلة ، ثم قال قائد كتيبة المشاة الأولى : _ والله الحقيقة ما عندنا رجال يواجهون اليهود ، قالها وهو ينظر في وجوه رفاقه الآخرين ، فأسرع قائد الكتيبة الثانية وقال : القيادة تعرف هذا ، ومن المجازفة والحمق أن ندفع هذا اللواء العقائدي في فم إسرائيل .

كان قلب العقيد يقفز هلعاً كلما سمع ( إسرائيل ) ، لذا لم يطق مزيداً من الصبر حتى قال : _ من قال لكم سنواجه إسرائيل !؟ عندئذ تهللت وجوه الرفاق القادة وعاد الدم إليها ولمعت عيونهم وعاد الوعي إلى أذهانهم فتحسس بعضهم كتفيه وتأكد أن نجومه ما زالت موجودة .

_ من سنواجه إذن ؟ حلفاء إسرائيل مثلاً ؟ _ نعم _ الرجعية العربية ؟ _ لا ، وإنما الرجعية الداخلية ، لا بد من تصفية الرجعية المحلية أولاً ، ثم العربية ثانياً ، ثم يأتي دور الإمبريالية الدولية ، وبعد ذلك سنواجه إسرائيل بعد أن نستند إلى أرض ثابتة آمنة . _ قال أحد الرفاق : مخطط سليم ، وعظيم ، متى نهجم على قصور الرجعية وننهب ما فيها من ذهب وجواهر . فأجاب قائد اللواء : _ لا بد من ذلك ، لكن بعد أن نهادن الرجعية العربية ريثما نقضي على الرجعية المحلية . عندئذ تلمظ أحد قادة الكتائب ووقف باستعداد وقال : كتيبتي جاهزة سيدي العقيد ، ونستطيع الاشتباك غداً .

فأجاب العقيد : _ سوف ننفذ أول مهمة للجيش العقائدي ، وهي البدء بتطهير القطر من الرجعية الداخلية ، لكن لا بد من عملية فرز ، نغربل فيها العساكر ، ونترك المشكوك في ولائهم لنا ، حتى لو كانوا حزبيين ، هل فهمتم ؟ فلنبدأ الفرز منذ صباح الغد ، قولوا لهم سيذهب اللواء إلى المشروع السنوي ، وسوف تبقون هنا للحراسة . _ كيف سنشتبك مع الرجعية بدون دبابات ؟ _ سيدعمنا اللواء الخامس بدبابات حديثة من طراز ( ت54 ) .

بعد يومين تحرك اللواء العقائدي ( 45 ) لينفذ أول مهمة له ، وعسكر في حمص على بعد ( 48 ) كم من حماة ، وعسكر يشحذ أسلحته وأنيابه للانقضاض على الشعب الأعزل في حماة ، فينفذ أول مهمة لجيش عربي يشنها على الشعب في تاريخ العرب الحديث ، وعندها سيعرف العرب معنى الجيش العقائدي الذي ملأ الصحافة ووسائل الإعلام ، فالجيش الحقيقي يدافع عن البلاد ضد العدو الخارجي ، كما يفعل أي جيش في العالم ، أما الجيش العقائدي فمهمته ذبح المواطنين العزل فيمهد البلد لأعدائه فيدخلونه بدون قتال ، وبعد انتهاء مهمة الجيش العقائدي يتحول إلى عصابات تهرب المخدرات ، وتتعاون مع اليهود على احتلال البلاد وإذلال العباد .

_ 7 _

اكتبوا شعارات الحزب في كل مكان ، على السبورة والجدران وفي الشوارع ، قالها المسؤول الحزبي في ثانوية الحوراني ، فتململ الطلاب المسلمون عندما رأوا الأكاذيب تكتب شعارات للأمة . وقرروا أن يواجهوا الشعارات الكاذبة بشعارات صادقة ، وكتب أحدهم على السبورة قوله تعالى }ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون {.

_ محمود ، هيا نذهب إلى الشيخ مروان ، لقد اعتقلوا الأخ سمير الذي كتب الآية على السبورة أمس . _ الآن سوف تخرج الثانوية للإضراب . _ وسنهتف لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، والحزب عدو الله . _  لا المهم لا إله إلا الله ، محمد رسول الله . هذا هو المهم .

وصل محمود وإخوانه إلى المدرسة باكراً يوم السبت ، وقد تمنطق كل منهم بسلسة من الحديد

( الجنزير ) وفور وصولهم اتصلوا بزملائهم الذين يثقون بهم يحرضونهم على الإضراب احتجاجاً على اعتقال سمير . وعندما دق الجرس في الساعة الثامنة انطلق صفير ثم ضجيج من أفواه بعض الطلاب ، ما لبث أن عم وشمل الطلاب كلهم ، وبعد ثلاث دقائق فقط كان محمود على الأكتاف يحمله منقذ ويحيط بهما عبد الله وتوفيق وغيرهم يرددون مع محمود : ( لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ) ، فاجتمع الطلاب يرددون هذا الهتاف الخالد والحقيقة الكبرى ، ثم فتح الباب وخرجت المظاهرة سيلاً عرماً من الطلاب تتدفق في عروقهم دماء الشباب الجياشة وتملأ قلوبهم عاطفة إسلامية صادقة ، وخرج أهالي الحاضر من حوانيتهم ، ووقفت بعض النسوة على الشرفات ملثمة تشهد ابنها أو أخاها يهتف بحماس ( لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ) فترفع يديها إلى السماء وتدعو ( الله يحميكم ،وأغلق بعض الباعة حوانيتهم وانضموا إلى المظاهرة ، كما أسرع البعض إلى مسدسه يلقمه الطلقات احتياطاً لاستعمالها ، ثم تعب محمود ، فهبط ليحمل منقذ الذي هتف بقوة : ( إسلامية إسلامية ، لا شرقية ولا غربية ) فزاد حماس المتظاهرين وزاد عددهم ، وزاد الهتافون ، وخرجت المظاهرة من قيادة محمود وإخوانه _ كعادة المظاهرات _ لتصبح سيلا جارفاً يصعب قياده وتوجيهه ، ووسط هذا الحماس لوح أحدهم بالسيف ، وهو على الأكتاف وهتف : ( لا إله إلا الله ، والحزب عدو الله ) ، فالتف حوله عدد كبير من المتظاهرين ورددوا بحماس وقوة وبصوت تجاوبت أصداؤه في دار الحكومة وساحة العاصي كلها .

وأمام مسجد الأربعين وضعت الحكومة رجال الشرطة لتبديد المظاهرة ، ومنعها من الوصول إلى دار الحكومة ، وكم تألم محمود عندما رأى رجال الشرطة ينفذون أوامر الحاكم وكلهم بسطاء وقفوا بين نارين ، نار الرفض والتمرد ، ونار التنفيذ وضرب الشعب ، لذا لم يتمكنوا من فعل شيء سوى الانهزام أمام الطلاب الذين قذفوهم بالحجارة ، فاندفع سيل المظاهرة إلى جسر السرايا ، وهناك التقت المظاهرة بأول سرية من اللواء العقائدي ( 45 ) .

قال قائد السرية : افتحوا النار بسرعة في الهواء وارعبوا الناس مجرد وصولكم إلى الجسر ، وبعد ثوان جلجلت الرشاشات فطمست أصوات النواعير وأصوات الهتافين ، وهرب بعض المتظاهرين عندما سمعوا ورأوا لأول مرة الجيش العربي السوري يفتح النار على الشعب ، وفعل ما لم يفعله المستعمر الفرنسي الذي لم يستعمل الرصاص لتفريق المظاهرات .

ابتسم محمود وهو ينظر في وجه منقذ وقال : اقتربت الشهادة يا أخي ، بعد قليل سأقفز على إحدى السيارات المصفحة واستلم رشاشها . _ لا ، لا يا محمود ، لم نخرج لهذا ، إياك ، لم نخطط لمثل هذا . _ الشهادة يا منقذ لا تحتاج إلى تخطيط . _ من قال لك ذلك !!؟ دع هذا ليوم آخر ، إنهم يضربون في الهواء ، لا تخف . _ سينفض الطلاب من حولنا . _ لا ، لا تخف ، كثير منهم لا يخاف من الرصاص .

وفجأة صعد طالب شجاع ( من آل جواد ) على الأكتاف ، وقد فتح صدر قميصه ، واحمرت عيناه ، وهتف بقوة وحماس ( لا إله إلا الله ، والحزب عدو الله ) ، فردد معه الطلاب بقوة وحماس ، ظناً منهم أن من حقهم التعبير عن رأيهم في المظاهرات ، كما يفعل الكفار المتحضرون . والتهبت عاطفة الجماهير ، والتهب الحماس والشـجاعة ، واندفع المتظاهرون غير مبالين بأزيز الرصاص فوق رؤوسهم .

عندئذ انتفخت أوداج قائد السرية فقال : _ يا رقيب ، اقتل ذلك الرجعي الذي يشتم الحزب ، ألا تسمع ما يقول ؟ اقتله حالاً . _ صحيح يا سيدي أنت جاد !؟ _ هذا أمر عسكري ، هيا نفذ (وارتفع صوته غضباً) ولما سمع الرقيب ذلك سدد بندقيته من أعلى السيارة إلى صدر الطالب البطل ورشقه عدة رصاصات سقط شهيداً على الفور ، وانهزم الطلاب وتفرقت المظاهرة ، وتجولت السرية العقائدية في شوارع الحاضر ، تنثر الرصاص في سمائه ، فطارت أسراب الحمام الآمنة وارتفعت في الجو ، وراح بعض الجنود يتسلون برميها وإرهاب المواطنين العزل ، ثم عادت السرية إلى أرض الملعب البلدي على مشارف المدينة بعد أن نفذت أول مهمة للجيش العقائدي ، ريثما يصل بقية اللواء لإكمال مهمته العقائدية .

عاد الطلاب إلى بيوتهم مذعورين خائفين ، فلم يسمعوا من قبل أن الجيش يتدخل في مظاهرات الطلاب ، ولم يسمع أحد من آبائهم أن الهتاف بالكلمة جزاؤه القتل رمياً بالرصاص ، في الشارع بدون محاكمة ، إنها تغيرات وتطورات ومفاجآت لم تدخل في حساباتهم من قبل .

_ 8 _

كانت مفاجأة تعيسة لأهالي حماة ، عندما سمعوا أن الجيش العقائدي قتل عن عمد طالباً بسبب الهتاف ، وتذكر الناس أيام المستعمر الفرنسي وترحموا عليها ، فلم يكن يدخل المساجد ، ولم يكن يطلق النار على المتظاهرين ، وهم يهتفون بسقوط فرنسا ، ويطلبون رحيلها عن بلدهم ، فكيف يفتح الجيش النار على المواطنين !!؟ بينما لم يفعل المستعمرون ذلك !؟ وهاجت حماة وماجت واجتمع عدد من وجهائها لدراسة الموقف المتدهور ، وبعد التداول قرروا : الإضراب العام لجميع المدينة ، والاستمرار بالإضراب حتى تسقط الحكومة ، وقاسوا عملهم على إضراب الستين يوماً خلال الانتداب الفرنسي ، كما أنهم يسمعون عن الإضرابات في بلاد الكفار المتحضرة ، وقرروا إرسال مندوبين عنهم إلى المحافظات يدعونها إلى الإضراب السلبي ، فسافر الوفد إلى المحافظات ، ثم رجع بخفي حنين ، وقد باشرت حماة بالإضراب قبل سفر الوفد .

قبل رجوع الوفد الذي ذهب يحث المحافظات على الإضراب ، دعا وجهاء البلد على اجتماع شعبي في مسجد الشيخ زين ، تحدث فيه الشيخ سعيد حوى ، وهدد الحكومة وتوعدها ؛ فأجج نار الثورة في قلوب الحاضرين ، وباتت المدينة كأنها على قلب رجل واحد ، وقد قررت الإضراب والاستمرار به ، حتى يعم الإضراب سوريا كلها ، وتسقط الحكومة .

وفي صباح يوم الاثنين التزم الناس بالإضراب العام ، فأغلقت المؤسسات والدوائر الحكومية والأسواق ، وتحولت المدينة إلى جدران وشوارع من حجارة صماء .

وبعد أن استمع مروان إلى تقارير إخوانه الطلاب ، وعرف أن المدينة استجابت للإضراب العام ، وعرف أن الشوارع خالية من المارة الآن ، وهاهي الأمور تمشي كما خطط لها . وبعد الانتهاء من التقارير قال محمود : _ والآن ما العمل ؟

فأجاب مروان : _ الاعتصام في مسجد السلطان ، سنجعله مقراً لقيادتنا ، ونذيع منه تعليماتنا للمواطنين ، نحثهم ونشجعهم على الاضراب ، ونقود الاضراب بواسطة مكبرات المسجد ، وبعد الاضراب المظاهرات السلمية ، والاعتصامات المدنية ، حتى نسقط الحكومة . _ وهل يحمينا المسجد منهم !؟ _ نعم ، لم يدخل الفرنسيون إلى المساجد . وهل يعقل أن يفعلوا ما لم يفعله الفرنسيون !!!؟ .

وخرج موكب مروان من البارودية إلى مسجد السلطان مع عدد من الطلاب ، منهم محمود ومنقذ وعبد الله وتوفيق يحيطون بالشيخ ، والشوارع خالية ، وقد انفرد أنين النواعير يزمجر في أرجاء المدينة ، بعد أن سكتت سياراتها ، كان الأنين قوياً لغزارة مياه النهر في مطلع الربيع كل عام فأسرعت النواعير وارتفع أنينها ، وبعد أن دخل الموكب مسجد السلطان بدأت إذاعة المسجد تبث إعلاناتها للمواطنين ، وتشرح لهم هوية الحكومة وأهدافها ، وتطلب من المواطنين التضامن في تنفيذ الإضراب العام حتى تسقط الحكومة .

ظهر القلق على صفاء ، وهي تصغي إلى إذاعة المسجد وزاد شوقها لرؤية محمود وقد شمر عن ساعديه واستعد للجهاد في سبيل الله ، إنه الرجل الوحيد الذي ترضاه زوجاً لها ، فهي تريد الرجل شجاعاً لا يهاب الموت ، وتكره المخنثين من الرجال الذين يختبأون بين النساء عندما تشتد الأزمات . وعندما تعاظم شوقها لرؤية محمود ، استأذنت والدها وارتدت حجابها لتطمأن على أخوة محمود لأن والديه ذهبا إلى الحجاز لتأدية الحج . فمرت بالسوق الفارغ بخطى مسرعة حتى دخلت دار محمود فقابلتها أخته بالدهشة وقالت : _ كيف جئت يا صفاء !‍!‍‌‍ ؟ _ جئت ماشية على قدمي ، ولم ألق أي أذى ، هل عندكم ما تأكلون !! ؟ _ نعم عندنا خير كثير ، وتمر وماء يكفينا عشرات الأيام . _ هل ملأتم خزان الماء ؟ وهل اشتريتم خبزاً كافياً ؟ والغاز ؟ .. _ جهزنا محمود قبل التحاقه بالمسجد ووفر لنا كل هذه الحاجات . _ وماذا أوصاكم محمود ؟ عندئذ اقتربت أخته من صفاء وقالت : _ كم تمنيت لو لم ينس البلطة ، فإنه يحبها كثيراً ، وكم سمعته يقول : سأقطع بها رأساً كافراً . أمعنت صفاء النظر في البلطة ، فخيل إليها أنها تقطر دماً ، وقد نزعها محمود من رأس أحد الكفار ، فقالت : _ هات هذه البلطة ، سأوصلها له إن شاء الله . ودستها في كيس صغير من القماش ، ثم خرجت متجهة إلى دار إحدى زميلاتها ( من آل الأسود )  الملاصقة لمسجد السلطان ، ولما دخلتها رحبت بها زميلتها _ أهلاً صفاء ، كيف وصلت ‍‍‍  ؟ ألا تخافين الموت !! ؟ _ الموت يكون مرة واحدة لذلك لا يخيف . وخاصة إذا كان شهادة في سبيل الله . _ ماذا معك يا صفاء ؟ _ هذه بلطة خطيبي محمود وسلاحه المفضل ، نسي أن يأخذها معه ، وهو الآن في مسجد السلطان ، وأذكر أن في داركم نافذة مطلة على صحن المسجد ، فهل تسمحين لي أن أرميها له من النافذة ؟ _ حسناً هذه النافذة .

نظرت صفاء من ثقب النافذة إلى صحن المسجد فرأت بركة مسجد السلطان ، وحولها عدد من الشباب يتوضأون استعداداً لصلاة مغرب أول يوم قضوه فيه معتصمين ، وقد وقف بعضهم للحراسة على باب المسجد ، وذاك هو محمود وتلك هي لحيته الصغيرة التي لم تكتمل بعد ، عندئذ تفقدت صفاء غطاء شعرها ، ثم فتحت النافذة ورمت البلطة في زاوية فناء المسجد بعيداً عن الشباب ، ثم أغلقت النافذة ولصقت وجهها بزجاجها تنظر إلى البلطة .

_ محمود ‍ هذه بلطتك بعينها . قال منقذ . _ نعم هي بذاتها ( ونظر محمود إلى النافذة فرأى وجه صفاء خلف الزجاج ، رأى وجهاً يشع نوراً ،ومع أن صفاء بيضاء نقية ، لكن هذا الوجه يضيء ويبعث نوراً ، وكأنه وجه حورية من الجنة ، ولربما هذا وجه صفاء ( الحورية ) وليس وجه صفاء ( الدنيا ) . تبسم ثغرها لما عرفت أن محمود ينظر إليها ، ورأته عملاقاً عجيباً ، طويل القامة أكثر مما تعرفه ، وقد اكتملت لحيته ، وأضاء وجهه نوراً ، وكأنه في الثلاثين من عمره ، أو في الثالثة والثلاثين . ودون أن يدري محمود تحرك لسانه ونطق يقول بصوت سمعه منقذ (تعالي بثوبك الأبيض يا صفاء)ولما سمعه منقذ قال : _ ماذا تقول يا محمود ؟ فأجاب محمود : _ أحس يا منقذ أن زفافنا قريب ، وقد طالت الخطبة كثيراً . _ ألا تنتظر حصولك على الشهادة الثانوية ‍ ؟ _ سأحصل عليها إن شاء الله قريباً . _ أي شهادة تقصد ؟ _ الشهادة ، سوف أحصل عليها قريباً بإذن الله، ثم تزف إلى صفاء ، كم أنا سعيد يا منقذ ، وما أجمل خطيبتي وما أطهرها ، كم سنكون سعداء بعد الزفاف  ، وستزيد فرحتي وسعادتي إذا حضرت حفلة زفافنا يا منقذ . _ لا بد من حضوري يا أخي ، سأترك مشاغلي كلها ، مهما كانت ، وأحضر زفافك ، وسأغني لك أغنيتنا الشعبية الحموية ( يا عريس كل ملبس ) وضحكا معاً ، ثم ضم محمود البلطة إلى صدره وقد عاد له وعيه بعد لحظات الشفافية والأحلام الوردية . وذهب إلى مروان وقال : أعاهد الله أن أقطع بها رأس من يحاول دخول المسجد ، ولما دخل محمود إلى المسجد أسدلت صفاء ستار النافذة ، وشكرت زميلتها ، ثم عادت إلى بيتها ، وعيون الحرس القومي وأذناب المخابرات تتابعها وترفع التقارير العاجلة للمخابرات العسكرية .

‍‍بات الجو ملتهباً في حماة ، وخاصة بعد أن كتب زكي الأرسوزي في مجلة الجيش والشعب كلاماً سمى فيه قصة آدم بالأسطورة ، واعتبر الجاهلية أرفع مقاماً للنفسية العربية ، وفكر بعض الوزراء بإلغاء الأوقاف ، وإلغاء تدريس التربية الإسلامية ، واعتدي على الشيخ عبد الكريم الرفاعي بدمشق ، ثم نزل الجيش إلى حماة ، وأطلق النار على المتظاهرين فقتل الطالب ( سمير جواد ) يرحمه الله  ، واعتصم مروان وإخوانه في مسجد السلطان ، وتوافد الناس على المسجد يستمعون إلى البلاغات المذاعة منه ، ثم طلب المحافظ من أعيان البلد أن يجتمعوا لإيجاد الحل ، ثم أمر المحافظ باعتقال الشيخ عبد الله الحلاق وغيره ، وبدأت السلطة تساوم العلماء لإصدار بيان ينهي الإضراب مقابل إطلاق سراح الشيخين المعتقلين . وطرح الشيخ سعيد حوى على المجتمعين في دار عثمان الأمين فكرة حلف الفضول ، كي تقف حماة كلها موقفاً واحداً بكامل قواها السياسية والعشائرية ، ورأى المجتمعون أن يستمر الإضراب السياسي ، والعصيان المدني ، حتى تسانده بقية المحافظات ، ... ولكن السلطة صعدت الأحداث وسنت سنة ما سبقها إليها أحد ، وكان لما سنته الدولة أثره على سوريا لعشرات السنين أو تزيد ، ومازالت سوريا تئـن مما سنته سلطة البعثيين فيها .

كانت ليلة الثلاثاء ليلة جديدة فريدة في تاريخ حماة ، تميزت بإطلاق رصاص متقطع من الأهالي ، بعضهم يجرب سلاحه ، وبعضهم يتحدى السلطة ، وبعضهم يصطاد في الماء العكر ، كما قام بعض الشباب المسلم وغيره بقرار فردي دون الرجوع إلى قيادة ، قاموا بقطع الشوارع المؤدية إلى مسجد السلطان بحواجز من الحجارة والبراميل التي تمنع مرور السيارات .

وأشرقت شمس يوم الثلاثاء وزحف الخوف إلى القلوب عندما تكاثرت السيارات العسكرية المصفحة والمجنزرة في شوارع حماة ، بعيداً عن الحواجز ، تنثر الرصاص في الهواء ، فيطير الحمام الآمن مذعوراً ، وبين الحين والآخر يطلق أحد المواطنين النار باتجاه الجيش الذي يصب وابلاً من الرصاص على الجدران والنوافذ ، لذلك لجأ الناس إلى الأقبية حيث لا توجد نوافذ ، وإلى الأدوار السفلى من العمارات .

كانت الحواجز التي نصبها بعض الشباب في الشوارع كمائن يصطاد بها الشباب ( من أهالي حماة ، وليسوا من جماعة مروان ، ولامن الاخوان المسلمين ، وهذه مشكلة مرسخة في حماة ، وهي التصرفات الفردية في المظاهرات والاضرابات والاعتصامات ) يصطادون بها الجنود إذا نزلوا من مصفحاتهم لإزالتها ، حيث يقنصهم الكامنون فوق الأسطحة وفي بعض البيوت ، وهكذا سقط عدد من جنود اللواء ( 45 ) العقائدي ، خلال يوم الثلاثاء الذي انقضى وكأن الأمور تميل إلى كفة الشعب ضد الحكومة ، واستمرت إذاعة مسجد السلطان تحث المواطنين على الإضراب العام والصبر والمقاومة حتى يسقط النظام الكافر .

وكان الغضب ظاهراً على وجه العقيد وهو يشعل سيجارة من أخرى ثم يهتف إلى الرفيق القائد الذي أحضر معه رئيس مجلس الرئاسة ، واتخذوا من الثكنة العسكرية مقراً لهما منذ البارحة ، قال العقيد : _ الرفيق الرئيس يريد أن نقبض على بعض الأشخاص ، يظن أنهم سبب الإضراب ، مع أن المدينة كلها ضدنا ، يأتينا الرصاص من كل جانب ، ويسقط الجنود في كل مكان ، ثم أنا أتلقى أوامري منك يا رفيق وليس من الرئيس ، فأجاب الرفيق القائد : _ تعال عندي ولا تتكلم هكذا على الهاتف . عندئذ توجه العقيد إلى الثكنة الواقعة في الزاوية الشمالية الغربية من مدينة حماة ، وحالما دخل أدى التحية العسكرية للرفيق القائد اللواء ( صلاح جديد  ) ثم قال : _ جنودنا العقائديون يموتون عند الحواجز ، نحتاج إلى حزم ، وإلا خسرنا اللواء العقائدي . _ غريب يا عقيد !! ماذا تنتظر !! اهدم البيوت على رؤوسهم ، فقال الرئيس : لا ، انتظر أيها الرفيق ، ما ذنب الأهالي الأبرياء !!؟ فغضب الرفيق اللواء وحملق في وجه الرئيس ثم قال : _ اسكت يا رفيق ، حماة كلها رجعيون ، وما فيها بريء ، يجب هدمها كلها ، إما أن نهدم أو نسحب اللواء العقائدي قبل أن يدمر . وعندئذ قال العقيد : _ نحن بحاجة ماسة إلى الدبابات ، أين الدبابات التي وعدتموني بها !!؟ وحالما سمع الرفيق اللواء ذلك ، أخذ سماعة الهاتف وأمر قائد اللواء الخامس ( الرائد مصطفى طلاس ) بإرسال سرية دبابات ( ت 54 ) حالاً .

تحركت سرية الدبابات ( ت 54 ) المزودة بمدفع عيار ( 100 ) ملم ، دفع الشعب ثمنها من قوت أطفاله ، ليحرر بها فلسطين من اليهود كما قالوا للشعب  ، وما زالت الأسلحة تتكدس منذ ( 1949م ) تنتظر يوم التحرير كما يظن الشعب العربي ، ثم وصلت الدبابات حماة بعد فرض منع التجول وإطلاق النار على كل من يتحرك بالشوارع . ودخلت حماة من شارع العلمين الواسع ثم وصلت ساحة العاصي تحفر الشارع بسلاسلها ، وتطمس بهدير محركاتها الضخمة أنين النواعير ، ولما سمع العقيد هديرها انتفش مزهواً وقال : اليوم الأربعاء وليس الثلاثاء ، سأهدم البيوت فوق رؤوسكم أيها المسلمون ، ثم هتف إلى الرفيق القائد : _ نحن جاهزون لهدم المسجد ، مسجد السلطان سليم التركي ، رمز الاستعمار العثماني البغيض ، الذي حصرنا في الجبال واضطهدنا ، يجب إزالته يا رفيق ، هذه المآذن دبابيس في عيني أتمنى إزالتها ، فأجاب الرفيق القائد : _ نعم يا رفيق ، وزفر من أعماق صدره وكأنه يخرج حقداً دُفن عدة قرون ، إنه رمز الاضطهاد الذي قهرنا في الجبال ، ومسح آثار دولتنا . _ هل أدمره يا سيدي ؟ _ تريث قليلاً سيأتيك أمر خطي من الرئيس . _ لا أظنه يفعل ذلك . _ غصباً عنه ، هل صدق أنه رئيس حقيقي ( ثم يضحك ) .

كان الرفيق الرئيس يدور في الغرفة كأنه يبحث عن حل يحافظ فيه على كرسيه المهزوز في دمشق ، ويقول لنفسه : هل يسمح بهدم المسجد !؟ ألا يشم رائحة الطائفية الحاقدة على الإسلام والمسلمين !؟ رائحة كريهة قوية وواضحة علينا !!؟ نعم ولكنه لا يجرؤ ، سيفقد كرسيه في دمشق ، ثم يتمنى أن يتصرفوا دون الرجوع له ، فينجو من المسؤولية أمام الشعب ، والتاريخ .

أما الرفيق القائد فقد وصل بشدة دهائه وخبثه إلى أن الرئيس يجب أن يأمر بهدم المسجد ، أما هو فلولاه لدمرت المدينة كلها ، وهكذا يحمل الرئيس المسؤولية أمام الشعب والتاريخ ، ويحصل هو على وسام من الشعب بأنه أنقذ المدينة من التدمير الكامل . لذل دخل إلى مكتب الرئيس وقال :

ـ الدبابات جاهزة تنتظر أمرك لهدم المسجد . فأجاب الرئيس بصوت مضطرب : ـ هل هناك مقاومة من المسجد ؟ ـ نعم رصاص متقطع من المئذنة . ـ إذن نحاصر المسجد ونقطع عنهم كل شيء حتى يستسلموا لنا ، عندئذ غضب الرفيق القائد ودق على الطاولة في وجه الرئيس قائلاً : ـ اين العنف الثوري !!؟ واين ديكتاتورية البروليتاريا !!؟ يجب استئصال الرجعية الداخلية يارفيق ، هل نسيت دروسك !!يجب استئصالهم لنبقى في الحكم ، وتبقى رئيساً لمجلس الرئاسة ، فأجاب الرئيس : ـ لكن هدم المسجد سيؤلب علينا الشعب كله يارفيق . ضحك الرفيق القائد وقال : ـ الشعب يارفيق سيكون كالنعجة في يـدنا ، بعد أن نطرقه عدة طرقات ساخنة سيلين ، ثم نرمي لـه بعض الفـتات من موائدنا فيصفق لنا ، ويتسابق إلى مسح أحذيتنا . فيقول الرئيس : ـ كما ترى يارفيق ، أنت فيلسوف الحزب ومخططه . فيغضب الرفيق مرة أخرى ويقول : ـ لكن أنا لست رئيساً لمجلس الرئاسة ، ولا قائداً عاماً للقوات المسلحة ، هيا اكتب ياسيادة القائد العام ، اكتب أمراً خطياً بهدم مسجد السلطان في حماة ، وسوف يعيد الجيش بناءه من ميزانية القوات المسلحة ، فأنت المسؤول الأول ، وأنت مثلنا يهمك بقاء الحزب والثورة ، ومن أجلهما يسقط كل شيء ، حتى المساجد ، المهم أن يبقى الحزب وتعيش الثورة .

انتظر الرئيس وقتاً غير قصير يبتلع الإهانات التي ركبتـه هذا اليوم ، ثم تحسس كتفيه ، ومرت أصابعه على نجومه وطيوره وسيوفه ، ومـر بخاطره مكتبـه في دمشق ، وسياراته ، وزجاجات الخمور المستوردة خصيصاً لقادة الحزب ..... وغيرها ، هذه الامتيازات ستضيع كلها إن هو أصغى لنداء ماتبقى فيه من ضمير ، الذي صار يصرخ ويبكي الماً ويقول : ... تمـرد ....ياأمين ... تمرد قبل فوات الأوان ... انتبه للحقد الطائفي ...عـد إلى الله ... مازال في الجيش من يساعدك لو غامرت ، إنها مناسبة ممتازة ، حماة كلها معك ، وثلاثة أرباع الشعب سيكون معك ، لكنها مغامرة ، والكرسي لذيذ ، وعصفور في اليد ولاعشرة على الشجرة ، وأطعمني اليوم واذبحني غداً ، كلها إجابات شيطانية ملأت سمع رئيس مجلس الرئاسة ، ذو الإرادة الضعيفة ، والتي أنهكها الخمر والفسق والانحراف عن شريعة الله ، لذلك حسم النقاش داخل نفسه وقال : المهم كرسيي في دمشق وليذهب المسجد إلى الجحيم ، وازداد اجمرار وجهه وهو يوقع أمراً خطياً لقائد اللواء (45) يأمره بهدم مسجد السلطان في حماة ، وهرب حالاً من واقعه المؤلم إلى زجاجة الخمر فأفرغها في جوفـه الملتهب ناراً فزادته جحيماً .

ولما صار الأمر الخطي في جيب قائد اللواء (45) الذي رقص طرباً ، سيدمر المسجد بأمر من الرئيس ، وستنتصر الدبابة على المئذنة ، يعود إلى بلدته وعشيرته مرفوع الرأس والجبين ، يقول لهم : دمرت أ‘ز مساجد حماة وأغلاها عندهم ، ثم هتف بجهلز اللاسلكي :

ـ آلو (11) أنا (1) كيف تسمعني أجب . ـ فأجاب قائد السرية : أنا (11) أسمعك جيدأص أجب . ـ يا (11) طوق المسجد حالاً ، ثم دمر المئذنة والقبة ، واعتقل أو اقتل من يوجد فيه ، واعلمني حالاً . ـ حاضر سيدي العقيد .

تكاثرت الدبابات حول مسجد السلطان ، ترافقها المصفحات ودبابة قائد السرية التي كتب عليها بخط عريض أبيض ( يسقط الدين ، ويحيا الحزب ) ثم أمر قائد السرية بعض جنوده بدخول المسجد . لكن الرصاصات القليلة المنطلقة من المئذنة كانت تقتنصهم قبل ذخول المسجد ، عندئذ هتف الملازم أول قائد السرية بجهاز اللاسلكي : ـ آلو (112) هل تسمعني أجب . ـ أنا 0112 اسمعك جيداً أجب . ـ يا (112) ارم المئذنة بقذيفة خارقة في أسفلها ـ حاضر سيدي الملازم أول . وكشر الرقيب قائد الدبابة عن أنيابه القذرة ، ثم بصق في جهة المئذنة ، وجلس مكان الرامي وبعد أن قال الملقم : ـ خارقة جاهز . وأمسك قبضته في جدار برج الدبابة ، سدد الرقيب بهدوء على أسفل المئذنة ثم تحسس الزناد الكهربائي وصاح : يحيا البعث ، وارتجت الأرض واهتزت الدبابة كحصان يجمح ، وتململت المئذنة .

ـ آلو يا (112) كرر أحسنت كرر بنفس المعطيات ، فزمجرت الدبابة ثانية وثالثة ورابعة ، بينما كانت المئذنة تميل في كل مرة بلطف وهي متماسكة الحجارة ، حتى لامست أرض المسجد فانفرطت حجارتها ، وخرج منه الأخ المختبئ فيها سالماً ، وفـر من ساحة المعركة ، وعاش بعدها عشرات السنين . ومازال حياً حتى كتابة هذه الرواية ...

ـ آلو (1) سيدي وقعت المئذنة . ـ هيا اقتحم المسجد ، مادام القنص انقطع من المئذنة .ـ حاضر سيدي العقيد . وتقدم عدد من الجنود مع طرفي الشارع لاقتحام المسجد ، وقد شـد كل منهم يتده جيداً على الزناد .

تحسس محمود بلطلته جيداً ونظر إلى منقذ وقال : ـ جاء دوري ، أوصيك بتقوى الله ، وقفز محمود إلى قرب الباب الرئيسي الشرقي ، ووقف كالنمر منتظراً دخول أول جندي كي يقطع رأسـه ، فيأخذ سـلاحه ويواجه الأنذال . وعندما رأى راس البندقية دخلت رفع بلطته جيداً ثم هوى بها على رأس العسكري فقطعها ، وخطف بندقية (كلاشن ) وفيها ثلاثون طلقة صحيحة ، وبلمح البصر قفز محمود إلأى الشارع يفرغ الطلقات الثلاثين في صدور الجنود المتحفزين لدخول المسجد الذين تساقطوا كالعصافير ، بينما ثبت رامي رشاش المصفحة نيرانه على محمود ورماه بأكثر من مائة طلقة مزقت جسده الطاهر رحمه الله تعالى عند الباب الشرقي لمسجد السلطان ، بعد أن قتل أكثر من عشرة من جنود النظام سقط محمود وهو يردد( أشهد أن لاإله إلا الله ، ,اشهد أن محمداُ رسول الله ، الحمد لله لم يدخلوا المسجد وأنا على قيد الحياة ) .

كاد يجن قائد السرية فراح يهذي في اللاسلكي : ـ آلو (1) ياسيدي ، شيطان أو جني ، لا أدري ... ارتعدت أوصال العقيد من هذه الألفاظ ، فتكلم في جهاز اللاسلكي ، لكن قائد السرية لايسمعه لأن يـده جمدت على مفتاح الإرسال ، ومازال يهذي : ملك ، جني ، شيطان ، لا أدري قتل لنا نصف جنود الفصيلة . كرر العقيد النداء عدة مرات : ـ آلو يا (11)  ماذا جرى ؟ ومازال قائد السرية جامداً على مفتاح الإرسال ، لذلك دخل العقيد على تردد السرية وقال : ـ آلو يا (112) هل تسمعني أجب ، أنا (1) ـ احترامي سيدي ، أنا (112) أسمعك جيداً ـ يا( 112) قل لي ماذا جرى ؟ هل فطس قائد السرية ؟ ـ لاياسيدي ، قائد السرية حي ، وإنما خرج من المسجد واحد عجيب قطع رأ س العسكري ( ابو عرب ) بالبلطة  وأخذ بندقيته وقتل أكثر من عشرين من عناصرنا ، وااحبط أول هجوم على المسجد . ـ وهل قتلمتوه ؟ ـ نعم سيدي قتلناه برشاش المصفحة ، وذاك جسده ممزقاً عند باب المسجد . عندئذ قال العقيد : ـ اسحبوا الجنود من الشوارع المحيطة بالمسجد بسرعة ، وأدخلوهم في الدروع ، وبعد أن هدأت أعصاب الملازم الأول (قائد السرية) ترك مفتاح الإرسال ، فتحول الجهاز إلى الاستقبال وسمع أوامر العقيد وهو يتحدث مع الرقيب . فقال : ـ أنا (11) ياسيدي ، خرج علينا واحد من المسجد قتل أكثر من عشرين عسكرياً منهم الملازم قائد الفصيلة الذي قاد الاقتحام على المسجد ، والرقيب أول قائد الأربجي ، ـ وهل قتلتموه ‍‍؟ ـ نعم قتلناه .ـ هل أنت متأكد أنه قتل ‍‍؟ ـ نعم سيدي ذاك هو مـمدد عند باب المسجد . قال العقيد :     يا ( 11) اسحبوا الجنود من الشوارع المحيطة بالمسجد ، ولاتخرجهم من الدروع ، ثم دمـر قبـة المسجد ، واستمر بالقصف حتى يخرجوا مستسلمين أو يموتوا كلهم . ـ حاضر سيدي العقيد .

انهالت القذائف المتفجرة من عدة دبابات على قبة المسجد ، فتساقطت بينما التصق الطلاب عند الزوايا يحتمون من شظايا القذائف الضخمة عيار (100) ملم ، وعندها نظر منقذ في وجـه توفيق وقال : ـ وماذا بـعد ؟ هل نموت هكذا !! لقد سبقنا محمود ، والآن جاء دورنا ، أين زجاجات المولوتوف ؟ ـ هاهي ، ـ سنجعل الفتيل قصيراً جداً ، ولنرمها على خزانات الوقود في الدبابة ، فإذا انفجرت اشتعلت النيران في الدبابة ، ثم تنفجر الدبابة بذخيرتها ، ثم تناول منقذ زجاجتي مولوتوف ، ونظر إلى كوة جديدة فتحتها القذائف قبل قليل ، وأحس بقوة تدب في أوصاله يشعر بها كل من يعانق السلاح ، فأشعل الفتيلين ، ورمى الزجاجتين على دبابتين معاً قبل أن يمزقـه الرصاص ، وعندما كان يتضرج في دمـه سـمع انفجارين متتاليين دوت لهما أرجاء حماة كلها ، وارتفع اللهب من الدبابتين ، وتحولتا إلى كومة من الخردة والفحم والدخان ، بينما ذهل الجنود لهول المفاجأة ، قفز توفيق إلى الجانب الغربي وفجر دبابتين أخريين ، وسقط هو الآخر شهيداً عند الباب الغربي .

ـ آلو سيدي (1) دباباتنا تحترق ، خسرنا أربع دبابات في لحظات ، وما عرفنا نوع السلاح الذي دمرها . أجاب العقيد : ـ يا ( 11 )  ياحمار ، ِلم َ لم ْ تدمر المسجد حتى الآن ‍‍؟؟ ـ ياسيدي رميت القبة وتهدمت ، لكن واجهنا سلاح عجيب متطور جداً ، أقوى من دباباتنا فماذا أفعل ؟

دخل الرعب قلب العقيد فاتصل مع الرفيق القائد : ـ ياسيدي عندهم سلاح عجيب ، أكيد زودتهم به الامبريالية الأمريكية ، إنه من أحدث أسلحة الترسانة الأمريكية ، صواريخ عجيبـة ، وموقفنا صعب للغايـة ، فأجال الرفيق القائد :

ـ ماهذه الانفجارات التي هزت حماة كلها !!!؟ ـ أربع دبابات لنا احترقت بهذه الصواريخ الأمريكية العجيبة . ـ عيب يارفيق !!! ماذا تريد !!! هل نطلب الطيران !!! والله عيب ، نادوا عليهم بمكبرات الصوت ، قولوا لهم سوف نحفظ لكم أرواحكم ، اقسموا لهم بالشرف العسكري ، والقبض عليهم أحياء أفضل من قتلهم ، يجب أن يحاكموا ، وتبين عمالتهم للإمبريالية ، لكن احذروا من غدرهم بكم . ـ حاضر سيدي اللواء .

عندما سمع مروان مكبرات الصوت تنادي المعتصمين ، وتطلب منهم الاستسلام ، وقد اختلط الغبار بالدخان مع رائحة البارود ، ودماء الشهداء ، وجثث الجنود في الشارع ، نظر حوله فآلمه منظر أطفال في المدرسة المتوسطة والثانوية ، بعضهم مازال متحمساً للموت في سبيل الله ، وبعض آخر أصابه الذهول لما سمع ورأى ما لم يخطر في بـاله أبداً ... وبعضهم يصرخ خوفاً وهلعاً ...

وكانت الساعات التي عاشها مروان في المعركة كافية لتبين لـه أنـه أمام عـدو شـرس ، أشـد كفراً وحقداً من الفرنسيين والانجليز ، وتبين له أن هؤلاء الأعداء لايجدي معهم الجهاد السياسي ، فقد قابلوا جهاده السياسي بالدبابات والمصفحات منذ اللحظة الأولى ، وقتلوا طالباً في المظاهرة لأنه يهتف ، يتكلم ، فهؤلاء لايسمحوا بالكلام ، ومن يتكلم يقتل فوراً بلا محاكمة  ، وعرف مروان أن مواجهة هذا العدو تحتاج إلى إعداد طويل لتكون مواجهة عسكرية منذ البداية ، لامواجهـة سياسية ، لقد تغيرت قناعته من هذا الحدث ، كان يريد من اعتصامه في المسجد أن يقود أهل حماة في إضراب ، واعتصامات مدنية ، ومظاهرات ، وغيرها من الأعمال السياسية ، حتى يسقط الحكم العسكري ، وقرر الاعتصام في المسجد لأن الجميع يعرفون أن المسجد لاتدخله القوات المسلحة ، لايدخله الجيش ، كما لاتدخله الشرطة . ولكن هذا العدو حاول دخول المسجد مذ وصوله ، لم ينتظر لحظة واحدة ، ولولا مسدس (نمرة سبعة ) في المئذنة لدخل الجنود المسجد حال وصول القوات إلى المسجد ، ثم لولا أن أعان الله محمود ، وقطع رأس العسكري بالبلطة ، لدخل الجنود بعد أن دكوا المئذنة ، ولما تعذر عليهم دخول المسجد هدموه فوق رؤوس أطفال في المرحلة المتوسطة .

تبين لمروان أن هذا العدو لايفهم السياسة ، ولا العمل السياسي ، وأنه أشـد بطشاً بالمواطنين من الفرنسيين والانجليز ، وتبين له كذلك أن عشرات مثل محمود ومنقذ وتوفيق يرحمهم الله تعالى ، سيرغمون هذا العدو على الانهيار ، وسيدمرون جبروته ، وهكذا نبتت فكرة الطليعة المقاتلة في ذهن مروان في تلك الساعة ، عندئذ صف الأولاد والشباب في صفين وخرجوا من المسجد رافعي الأيدي ، ثابتي الجأش والخطى ، وقد آمنوا أنه لن يصيبهم إلا ماكتب لهم .

ـ آلو ، سيدي العقيد ، خرج من المسجد شيخ شاب طويل القامة جداً ، خلفه مجموعة من الأولاد ، فأجاب العقيد : ـ هذا هو المجرم الرجعي ، اعتقلوهم وحافظوا على حياتهم لمصلحة التحقيق ، سوف نفضح أمرهم أمام الشعب كله .

تكاثر الجنود حول الأطفال الصغار يصوبون بنادقهم نحو صدورهم الصغيرة المؤمنة، ثم فتشوهم واحداً واحداً ، وحملوهم في السيارات العسكرية .

قبل أن يصل التفتيش إلى عبدالله قرر أن يخطف البندقية من العسكري ، ويفعل كما فعل محمود الذي سبقه إلى الجنة ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، وطمأنه صعود أكبر عدد من إخوانه إلى السيارات ، ولم يبق سوى القليل منهم ، ولن تصيبهم رصاصات المعركة المنتظرة ، وفي لمح البصر ضرب العسكري بقبضة يديـه معاً خلف أذنه فخر صريعاً ، بينما أخذ عبدالله بندقيته ، وعندها خرقت جسده الطاهر رصاصات قائد الفصيلة ، وجثى عبدالله على الأرض واستفاد من البندقية وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ، وقتل بضع جنود العدو قبل أن يموت ، عندما صوب العدو رشاتهم على دماغه يرحمه الله .

وسقط على الأرض التي سقط عليها محمود ومنقذ وتوفيق ، فقد ولدوا في عام واحد ، عندما جلا الفرنسيون عن سوريا ، وترعرعوا في بلد واحد ، وتعلموا في مدرسة واحدة ، واستشهدوا في مكان واحد ، ويوم واحد ، وسار موكب الأربع تزفهم الملائكة وحور العين إلى جنة الرضوان برحمة ربهم وإذنه إن شاء الله تعالى .

وفي دار الحكومة ( السرايا) فرز الأسـرى حسب أعمارهم إلى ثلاث فئات : مروان والجامعيين ، ثم طلاب الثانوية ، ثم طلاب المتوسطة ، ,أحضر الجيش كميات من الأسلحة وضعت أمام الأولاد والتقطت لهم الصور التي نشرت في صحف اليوم التالي ، وكتب تحت الصور العناوين التالية :

جيشنا العقائدي يعتقل مجموعة من الرجعيين

استلم الرجعيون أسلحة من إسرائيل والإمبريالية

المواطنون في حماة يتظاهرون تأييداً للحزب الثوري

ـ 10 ـ

تشكلت المحكمة العسكرية في حمص ، بقيادة الرفيق الرائد مصطفى طلاس قائد اللواء الخامس ، ومثل أمامها عدد من الأخوة منهم مروان حديد الذي دخل قاعة المحكمة بقامته المديدة ، ولحيته الكثـة ، باسم الثغر ، يشع النور من وجهه ، نور يبهر من يراه فينسيه الزمن ، ويعود به إلى العصور الإسلامية ، قال رئيس المحكمة :

ـ مااسمك ؟ ـ مروان خالد حديد ، مسلم عربي سوري ، من مدينة حماة ، تخرجت من جامعة عين شمس مهندساُ زراعياً منذ سنتين ، وسأعمل فلاحاً .

ـ ألم تحصل على وظيفة ؟ وأنت مهندس زراعي والبلد بحاجة ماسة إليك !؟ ـ لا أريدها ، كي لا أصبح عبداً للدولة ، فتمن عليّ براتبي منها ، عندئذ ضحك أحد الضباط الحاضرين ، واقترب من الشيخ مروان ، ومـد يـده يريـد شـعرة من لحيتـه ، ومع أن يـديه كانتا في القيـد ، لكنه رفعهما معاً بقوتـه العجيبة وهوى بهما على رأس الضابط فرمـاه أرضاً .

هاجت المحكمة وماجت ، وحمل الضابط مغمياً عليه ، وتناول بعض الضباط مسدساتهم للدفاع عن أنفسهم ، إن لزم الأمر ، وتحولت المحكمة إلى معركة ، فدق طلاس بيده على الطاولة بقـوة وصاح بأعلى صوتـه : ـ محكمة ، أخرجوا الضابط إلى المستشفى ، وليلزم كل واحد مكانه ، فهدأت الحال وتابع رئيس المحكمة .

ـ لماذا حاربت الدولة ؟ ـ أنا لم أحارب الدولة ، بل أردت أن أفعل مايفعله المواطنون في الدول التي تحترم شعبها ، أردت أن أعلن عن عدم موافقتي على سياسة هذه الدولة ، وأردت أن أشجع المواطنين على الاضراب ، والمظاهرات ، والعصيان المدني ، كما تفعل الشعوب المتحضرة ، حتى تسقط الحكومة ، وتجرى انتخابات نيابية في سوريا ، ويعود لها الحكم الديموقراطي . ـ لماذا لاتعجبك سياسة هذه الدولة ؟ ـ لاتعجبني لأنها تحارب الله ورسوله . ـ كيف تقول ذلك ، نحن مسلمون .

ـ مسلمون بالبطاقة الشخصية ، وتحاربون الله ورسوله . ألم تسمع قول الله عزوجل ] ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون [ . ـ كيف نحكم بالقرآن اليوم ؟ ـ لقد جعله الله صالحاً لكل زمان ومكان . ـ لكن الانسانية تقدمت يامروان . ـ ربها أعلم بها منك يامصطفى . ـ قل ياسيدي الرئيس . ـ لست سيداً لي . ـ أنا سيدك غصباً عنك . ـ كذبت .

اصفر وجه الرائد مصطفى طلاس ، وتفقد الطير فوجده مازال على كتفيه ، وأمعن النظر في عملاق لو فكت قيوده لقطعهم كما يقطع الرجل الجائع رغيف الخبز . وخاف الرائد مصطفى من ضربة مزدوجة مثل رفيقه الضابط الذي وصل المستشفى لذلك عدّل نوع الأسئة وقال :

ـ لماذا اعتصمت بالمسجد ؟ ـ لأنني ظننت أنكم على الأقل مثل الفرنسيين ، تحترمون بيوت الله .

ـ من يترك عدوه يامروان ‍‍‍‍‍‍؟ حتى لو دخل المسجد ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ـ هكذا كان الفرنسيون ، لايدخلون المساجد ، وكان الثوار إذا تضايقوا دخلوا المسجد فيعود الجنود الفرنسيون ويكفون عن مطاردتهم . ـ إذن أنت تفضل الفرنسيين على الحكم الوطني ‍‍‍‍‍‍‍‌‌‌‌‌!! ـ أقول الحقيقة مع أنها مرة كالعلقم ، كان الفرنسيون يحترمون ديننا أكثر منكم بمئات المرات . ـ نحن حكماً وطنياً يامروان . ـ من قال ذلك !! أنتم وصلتم إلى الحكم بانقلاب عسكري ، ووصل الفرنسيون إلى الحكم بدخول جيشهم من بيروت إلى دمشق ، هل جاء بكم الشعب !! هل انتخبكم أحد !!

كانت المساجد مراكز الثورات ضد الفرنسيين ، ولم يهدم الفرنسيون مسجداً واحداً ، وكان العلماء قادة الثورات ، ولكن الجيش الفرنسي لم يدخل مسجداً واحداً ، ولم يعتقل عالماً ، ولم يدمر مئذنة ولامسجداً بالدبابات ، هذه الدبابات يامصطفى اشتراها الشعب بقوت أولاده كي يحرر بها فلسطين ، ولم يشتريها ليهدم بها المساجد .

عندئذ ارتفع صوت المؤذن في مدينة حمص لصلاة الظهر ، ( الله أكبر ، الله أكبر ، ......) تردد الأذان من مسجد خالدبن الوليد ، والمسجد الكبير ، ومسجد جورة الشياح ، وغيرها كثير ، وتجاوبت أصداء كلمة التوحيد في أرجاء حمص كلها ، المدينة الوادعـة ، فيصمت مروان ليردد مع المؤذن كما أمر سول الله r ، بينما تابع رئيس المحكمة : ـ أنتم عملاء ، وكل المشايخ عملاء للغرب والامبريالية والصهيونية ، ولكن مروان ظل ساكتاً ولم يـرد ، لأنه غارق في كلمات الأذان وشعوره بلذتها ، ويتابع رئيس المحكمة : ـ من الذي دفعك إلى مافعلت ؟ ولايرد مروان ، فغضب الرائد مصطفى طلاس وقال رافعاً صوته : ـ تكلم ، أجبني ، ولكن لايـرد مروان ، فيضرب رئيس المحكمة الطاولة بيـده ثم بالمطرقة بعنف يفزع منه رفاقه الضباط ويقول : ـ نحن في محكمة عسكرية ، ولسنا في زاوية ، لكن مروان كان في عالم آخر ، عالم الذكر يردد مع المؤذن بلسانه وقلبه وعقله ، يردد النداء الخالد ( الله أكبر .... اشهد أن لا إله إلا الله ....... ) ، ولما انتهى المؤذن قال مروان بصوت عال يسمعه الحاضرون : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ، آت محمداً r الوسيلة والفضيلة ، وابعثه اللهم مقاماً محموداً الذي وعدته ، واحشرنا معه ، وارزقنا شفاعته ، واسقنا من حوضه شربة هيئة مريئة لانظمأ بعدها يارب العالمين . ثم تكلم مروان موجهاً خطابه للرائد طلاس : ـ أريد مـاء للوضوء . فرد الرائد : ـ ويمكن ستقول سجادة أيضاً !!! فقال مروان : ـ وسجادة أيضاً وهيا قم نصلي ( يخاطب طلاس ) ، ألم تسمع المؤذن نادى للصلاة ، لقد نادى المسلمين للصلاة ، قبل قليل أكدت أنك مسلم أيها الرائد ، هيا نصلي معاً ، غضب مصطفى طلاس وقال : ـ وهل الإسلام بالصلاة ، وطول اللحية !!! الإسلام بالقلب وليس بالصلاة والصوم وطول اللحية ... فقال مروان : ـ كذبت يارئيس المحكمة ، قال رسول الله r [ الصلاة عماد الدين ، من أقامها أقام الدين ، ومن هدمها هدم الدين ] أو كما قال r ، عندئذ تكلم ضابط وقال : ـ من قال لك أن رسول الله r قال هذا الحديث !!!؟ . ـ هذا حديث صحيح ـ وكيف عرفت أنه صحيح !!؟ ( وهو يضحك ) ستقول رواه أبو هريرة ، أليس كذلك !!!؟ ويتابع الضحك ...ها ...ها كلهم كذابون عملاء للبرجوازية والإقطاع ، غضب مروان أيما غضب ، ومشى نحو ذلك الضابط وقال : ـ اسكت ياعدو الله ، يامرتد يازنديق ، وتابع المشي نحوه يريد أن يبطش بـه ، ولكن الجنود أحاطوا بمروان ومنعوه من الوصول إلى ذلك الضابط ، ـ أنت تناقش أم تقاتل !!؟ قال ذلك الضابط . فأجاب مروان : ـ مثلك لايناقش أيها المرتد . ثم يتجـه مروان إلى الرائد رئيس المحكمة ويقول : ـ قلت أريد ماء للوضوء . فيجيب الرائد : نحن في محكمة عسكرية ولسنا في مسجد السلطان ( سابقاً ) قبل أن يهدم . فأجاب مروان : الأرض كلها مسجد لنا ، فكوا وثاقي كي أصلي . الأرض لله ، ونحن عباد الله ، فأجاب الضابط بسرعة : ـ سيدي رئيس المحكمة أرجو أن لايفك وثاقه ( وهو يرتجف خوفاً ) ، والله يأكلنا هذا الوحش !!!ـ أنا لست وحشاً أيها الجبان ، أنا عبدلله ، استمد قوتي من قوتـه ، فأجاب رئيس المحكمة : ـ أنت أسير عندنا ولانفك يديك ، ولايوجد ماء للوضوء عندنا ، نحن في محكمة عسكرية .

عندئذ مسح مروان يديه بالجدار المغبر للتيمم ، ثم اتجه نحو القبلة وكبر للصلاة ، كأنه تمثال لايتحرك .

غضب طلاس وصرخ : ـ امنعوه من الصلاة ، فتقدم عدد من الجنود ينظر كل منهم إلى الآخر ، وكأنه يقول : كيف نمنع مسلماً من الصلاة !!! وكانوا يرتجفون خوفاً ، وحاولوا شـد مروان من كتفيـه ، أو يحولوه عن القبلة ، ولكن عبثاً حاولوا ، كان كالجبل ،  ثابتاً بين يدي ربـه ،وأسقط في يـد الجميع ، فسكتوا وكأن على رئوسهم الطير ، وانتظروا مكرهين حتى صلى مروان الفريضة ، ثم الراتبة ، ثم أتم الأذكار حتى أتم صلاته ، ونظر إليهم وقال : ـ هات ماعندك يارئيس المحكمة .

ـ قال طلاس : ـ ماهي صلتك بالإقطاع !!؟ يامروان ؟ ـ نحن مسلمون ، لا إقطاع ولا برجوازية ، هذه اصطلاحات الكفار ، مثلها مثل الشيوعية والاشتراكية ، كلها جاهلية ، ونحن مسلمون ، والإسلام ضد الجاهلية ، يعني ضد الإقطاع والرأسمالية والبرجوازية والشيوعية والاشتراكية ..

قال طلاس : ـ سنقطع رأسك إن شاء الله يامروان ( وهو يضحك ) .ـ الله هو المحيي والمميت ، ولن يصيبنا إلا ماكتب لنا ، وموتي على يديكم أكبر شهادة أنالها ، فسيد الشهداء حمـزة ، ورجل قام على حاكم ظالم فقتله .

رفعت الجلسة وأعيد مروان إلى الزنزانـة ، وفي خلوته مع نفسه استعرض أحداث الأيام الماضية واستنتج منها ومن خلال ماقدمه الشهداء الأربعـة الأبطال ( محمود ، ومنقذ ، وتوفيق ، وعبدالله ) يرحمهم الله تعالى ، استخلص من ذلك مروان أنه لابد من تربية الصغار في المدرسة المتوسطة تربية إسلامية مكثفة ، يركز فيها على الجانب الروحي ، ثم العسكري ، وذلك بالإكثار من الصلة بكتاب الله عزوجل ، ثم تقوى أجسادهم بالسباحة والتمرينات الرياضية ، كما تقوى نفوسهم لتكون صلبة تتحمل أعباء الجهاد في سبيل الله ، وذلك بالإكثار من التمرينات الرياضية والتدريبات العسكرية كالقفز والمشي الطويل ، ثم تدريبهم على الأسلحة الفردية بأنواعها، ضمن إطار تنظيمي متين ودقيق وفي غاية السرية والكتمان الذي يحيط التدريب والإعداد ، ثم الانقضاض على أزلام النظام بحرب عصابات داخل المدن ، حتى تشتعل الثورة الشعبية ، فيقوم الجيش والشعب معاً ضد هذه السلطة الحاقدة ، ولابد من :

1 ـ جمع البراعم المسلمة وغرس حب الشهادة والجهاد في قلوبهم منذ الصغر .

2 ـ تدريبهم تدريباً عالياً على الأسلحة الفردية ، وثبات الجأش ، وبرود الأعصاب عند التنفيذ ..

ويهمس مروان لنفسه : عندئذ سوف يقتنع الإخوان المسلمون بتعجيل الجهاد ضد الطغاة ، وسينضمون كلهم جنوداً وقادة ، تحت لواء الحركة الجهادية لأن السلطة ستعلن الحرب على الإسلاميين كلهم ، بعد أن يقوم شباب الطليعة بعملياتهم ضد النظام الحاقد ، وسيضطر الإسلاميون إلى حمل السلاح للدفاع عن أرواحهم وأعراضهم ، ثم قام مروان إلى الصلاة ودعا ربه ( اللهم يامقلب القلوب اشرح قلوب الإخوان إلى ماشرحت قلبي له ، يامقلب القلوب ، أخرجهم عما هم فيه من الدعـة والطمأنينة ، والتسويف ، إلى ساحة الجهاد وميدانـه ، اللهم ثبتنا على دينك ، واتباع كتابك وسنة نبيك ، وامدد اللهم في عمري حتى أرى الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين تقض مضاجع الطغاة وتخيفهم ، إنك على كل شيء قدير ) .

يدخل السجان وينادي على مروان فيقوده إلى ساحة المحكمة حيث دخل رئيسها وأعضاؤها ومازال الجميع واقفين ورئيس المحكمة يقرأ الحكم :

ـ بناء على قرار مجلس الرئاسة القاضي بمحاكمة المتهم مروان خالد حديد ومن معه ، وبعد اعترافات المتهم بكل مانسب إليه ، وبناء على قناعة المحكمة ومصلحة الحزب والثورة فقد حكمت المحكمة  على المتهم مروان خالد حديد بالاعدام شنقاً ، وينفذ الحكم بعد تصديقه من رئيس مجلس الرئاسة .

ابتسم مروان وقال بهدوء : ـ كذبت ياطلاس ... أنا لست مجرماً .. الله يحكم بالموت ولست أنت .. . والأعمار بيد الله وليست بيدك ، والمعركة مستمرة بيننا وبينكم ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .

ـ 11 ـ

ـ تعالي بثوبك الأبيض ... آخر جملة سمعتها صفاء من محمود قبل رحيله عن الدنيا ، سمعتها كالهمس ، كما سمعها منقذ ، ثم رحل محمود ومنقذ إلى الجنـة ، وتسابقت حور العين إليهما ، إلى محمود ومنقذ ، ومحمود رائد الشهداء في العصر الحديث ، الذي فتح باباً تسابقت إليه براعم الشباب ، وهزت كراسي الطغاة في العالم العربي والإسلامي ، وتناقل الناس أخبارهم كالأساطير ، لكن ماذا يريد محمود من صفاء !!؟؟وماذا يقصد بالثوب الأبيض !!؟؟ ذاك الذي فهمته صفاء وحدها . فالأرواح جنود مجندة ، لذلك أعدت صفاء ثوب عرس أبيض ، مع بعض التعديلات الخاصة فصار ثوب زفاف إلى الجنـة ، ثم لبسته ونظرت إلى نفسها في المرآة ، وقالت لنفسها : ـ أين أنت من حور العين اللاتي سبقنك إلى محمود !!؟ ثم تذكرت أن المؤمنة سيدة الحـور في الجنة ، وحور العين وصيفات عندها ، يفوق جمالها جمالهن ، وتفوق ثيابها ثيابهن وحليهن ، ثم بدا لها جمالها بهذا الثوب الأخروي ، فاغرورقت عيناها بالدموع ، فهربت إلى محرابها ، ودعت في صلاتها ( اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك ، وألحقني بمحمود ، إنك كريم ورحيم ، وعلى كل شيء قدير ) ، وبعد أن أتمت صلاتها استأذنت والدها وذهبت إلى دار محمود ، ولما فتحت أخته لها الباب ؛ سبقت دموعها كلامها ، فضمتها صفاء إلى صدرها بحنان وقالت :

ـ لا ... لايا أختاه ، محمود شهيد ، بل هو من سادة الشهداء ، لايبكى عليه ، بل نفرح لهذه المنزلة التي أكرمه الله بها ، ونهنأ أنفسنا بالفوز الذي نالـه محمود .

ـ كنت أحلم بعرسكما ياصفاء . ـ ادع الله أن يلحقني بـه ، وسيكون عرسنا رائعاً في الجنـة ، ما أجمل العرس هناك ، كأني أرى الولدان المخلدون يحملون كؤوس الشراب وأطباق الفاكهة كأنهم لؤلؤ منثور ، وحور العين عن يميني وعن شمالي تزفنـي إلى محمود ، كل ذلك سيتحقق إذا أهدى الله لي الشهادة ، وليس ذلك على الله بعجيب .

ـ ألا توجد حاجات خاصة لمحمود أرثها عنـه ؟ ـ نعم ، صندوق خشبي يهتم بقفله ، ولما حاولت صفاء رفعـه وجدته ثقيلاً ، لذلك أصرت على فتحه فوجدت فيه فتيلاً صاعقاً وكمية من المتفجرات [ وقد عرفت ذلك من دروس الفتوة ] ، ووجدت حزاماً عريضاً أحاطت به خصرها النحيل ، وتذكرت ما سمعته من مدرس التربية الإسلامية عن الشهداء الأربعين الذين أوقفوا هجوم الهنود ( عباد البقر ) على المسلمين الباكستايين ، عندما رأى القائد الباكستاني كثرة القوات الهندية المدعومة من روسيا وأمريكا وعملائها ( ..... ) وتفوق هذه القوات بالعتاد والعدة ، وكانت ظروف المعركة كلها لصالح الهنود ، ورأى ذلك القائد المسلم أن حب الشهادة هو الشيء الوحيد الذي يملكه الباكستانيون ولايوجد عند الهنود ، عندئذ طلب أربعين فدائياً استشهادياً يبيعون أرواحهم لله ، طمعاً في دخول الجنـة ، فتقدم لـه المئات يتزاحمون ويتنافسون حتى انتقى منهم أربعين من الشباب ، وألبسهم هذه الأحزمة الناسفة وطلب منهم أن يكمنوا على طريق الدبابات الهندية ، حتى إذا صاروا وسط الرتـل ( قرابة مائة دبابة ) قفز كل منهم على دبابة وفجر نفسـه على الدبابة ، فاحترقت أربعون دبابة في ثوان ، وتطايرت الشظايا فأحرقت عشرات الدبابات والآليات الأخرى ، وقتل مئات الهنود في دقيقتين أو ثلاث ، وتعطل مسير الرتل الهندي مما ساعد القوات الباكستانية على النيل منه ، وحصر الرتل المدرع الهندي ولم يكن أمامـه سوى الفـرار .

*   *    *    *   *

استرد أمين الفرع وقائد الحرس القومي أنفاسهما ، بعد أن رفع الأهالي الرايات البيض فوق دورهم ؛ علامة على استسلام المدينة ، وبعد أن تمكن الجيش العقائدي من بث الرعب في قلوب أبنائها ، ونمت ثقـة الحزب بالجيش العقائدي ، وزادت آمالهما بمزيد من الجولات على الرفيقات ، لولا حديث الناس عن محمود الذي صار اسطورة ينغص على الحزبيين البعثيين ورجال السلطة لذة نصرهم على الشعب الأعزل ، محمود الذي قطع رأس العسكري بالبلطة ، وقتل أكثر من خمسة وعشرين جندياً من الجيش العقائدي ، وصارت قصته  تبث الرعب والهلع في قلوب الكفرة والمرتدين ، وزاد فيها خيال المتحدثين والناقلين ، لذلك صار اسم محمود كافياً لاصفرار وجه كل من أمين الفرع وقائد الحرس القومي والعقيد قائد اللواء (45) يرتعدون خوفاً كلما ذكر لهم اسم محمود صاحب البلطة .

ومازالت الآنسة مديرة السيدة عائشة يأكل الحقد والحسد قلبها ، تنفث دخان سيجارة (الكانت ) كلما تذكرت صفاء التي تحدتها باستعلائها عليها ، وقد واتت الفرصة لتنتقم منها ، كلمة واحدة ( لصاحبها ) قائد الحرس القومي تقول له أن صفاء خطيبة محمود (صاحب البلطة ) ، الذي يرعبهم اسمه ، ويتمنون لو أحرقوا كل أرض مشى عليها محمود ، وترددت بين الغيرة والحقد من جهة ، والرحمة من جهة أخرى ، ثم حزمت أمرها عندما وسوس لها الوسواس الخناس ( صفاء رجعية من بقايا العصور الوسطى ، تعيق تقدم المجتمع نحو التحرر من قيود الماضي ، ويجب أن تزول من طريقه ) ، وأخيراً كزت على أسنانها النجسة القذرة ، ذات الرائحة المنتنتة ، وفركت أصابعها ، ثم أدارت قرص الهاتف :

ـ آلو ، أعطوني الملازم أول ـ اسعد الله صباحك ، كيف وقتك ؟ ـ مازلنا في حالة التأهب القصوى ، وأنتم في عطلة تهنأون بتعبنا . ـ لاعليكم مادمتم تنظفون البلد من أدران الماضي العفن ، أنا الآن في البيت وحدي ، وعندي الطعـام والشـراب ، و(الكانت ) ... ـ وأنا في الطريق إليك حالاً .

ـ أهلاً بالرفيق ، طالت لحيتك ، وصار منظرك رجعياً .

ـ لاتذكريني بالرجعية ، فإنهم مرعبون حقاً ، وكلما سمعت اسماً لهم ينخلع فؤادي .

ـ لقنتموهم درساً لن ينسوه ياعزيزي . ـ ( يضحك ) الحقيقة أرعبونا وأرهبونا ايتها الساذجة ، أنت لاتفهمين في الحرب . ـ لمَ لا أفهم !!؟ ( ومسحة الغضب على وجهها ) . ـ ألم تسمعي بمحمود !!؟ الذي قطع رأ س العسكري بالبلطة !! ثم أخذ بندقيته وقتل أكثر من عشرين جندياً من خيرة جنودنا العقائديين ، وأوقف الهجوم على المسجد ، وعطل تقدم مجموعة الاقتحام من المشاة ، مما أجبرنا على تهديم المسجد بالدبابات .

لما سمعت الآنسة اسم محمود ارتفعت دقات قلبها ، واحمر وجهها وقالت : ـ أعرف محمود وأعرف خطيبته أيضاً !! ـ خطيبة محمود !!! ـ نعم !! من هي !!؟ وما اسمها ؟ ـ صفاء ... طالبة في الثالث ثانوي ، إنها شريكة أفكاره ، تحدتنا في الثانوية ، ونشرت الجلباب بين الطالبات ، غصباً عنا ، تكره الحزب والثورة ، لكنها قوية الشخصية ، عندئذ هب الملازم أول واقفاً ,قال : ـ أين بيتها ؟ يجب أن اسبق الجميع بهذا النصر ـ بيتها في الدباغة ... شارع ... جانب دكان ... ووالدها ( ...) كتب الملازم أول هذه المعلومات ثم استأذن بالانصراف ، فوقفت في وجهه : ـ كيف تنصرف ولم تأكل شيئاً وأنت جائع بالتأكيد !! ألست جائعاً !!!؟ ـ سوف نأكل ونمرح بعد إيصال هذه المعلومة إلى مدير الأمن السياسي ، ويجب أن أكسب هذا السبق العقائدي قبل المخبرين ، ولك جائزة أيتها المناضلة الجميلة .

وصل قائد الحرس إلى مدير الأمن السياسي وفور وصوله قال :

ـ هل عرفت الفتاة ؟    أجاب : أي فتاة ؟  ـ التي دخلت دار محمود قبل موته وبعده ؟ ـ هل عرفتها أنت ؟  ـ نعم ، إنها صفاء ( ....) خطيبته ، رجعية كبيرة جداً ، وهي شريكة أفكاره ونشاطه ، عنوانها : الدباغـة ، .....  ـ وكيف عرفت ذلك ؟  ـ معلومات موثوقة من مصادري الشخصية .....

بعد يومين كان التقرير كاملاً عن صفاء وعملها ووالدها وبيتها وصلتها بمحمود ، ونشاطها في الثانوية ، وتحريضها الطالبات على لبس الحجاب ، ومحاربة السفور والتبرج بين الطالبات ، واتخـذ القرار النهائي بشأنها ، يجب أن تعتقل ولأنها فتاة سوف تخاف وتعترف بكل شيء  ، وستكون ورقـة رابحـة عند المحقق والمدعـي العام .

ــ 12 ــ

شعرت صفاء بموجات من الغبطة والفرح تغمرها ، حتى بدا ذلك جلياً في وجهها ، فنظرت إلى والدها بأدب جـم وقلب متين وقالت :

ـ أبي ، إني اشعر بقدوم حدث عجيب ، نادر في نوعـه ، أرجوك يا والدي أن تنقل أهلي من هذا البيت ، إلى أحد أقاربنا !!؟   ـ لِـمَ ياصفـاء !!؟ خير إن شاء الله !! ـ لا أريد أن ينالهم أذى ، مازالوا صغاراً ، أريد أن يكبروا وينالوا أكبر شهادة في هذا الوجود . ـ هيا نرحل كلنا عن هذا البيت ياصفاء . ونسكن عند خالك حتى تهدأ العاصفة  . ـ أرجوك ياوالدي ، خذ أهلي كلهم ماعداي ، ربما كنت مطلوبة ، وإن لم يجدوني هنا ، سيبحثون عند خالي ، وسيلحق الضرر عدداً كبيراً من كم ومن أخوالي ، وأرجوك ياوالدي أن تربي إخوتـي كما ربيتني ، وكأنني أراهم أبطالاً مثل محمود ، ولاتنساني من الدعاء يا أبي ، وسوف نلتقي بإذن الله ...

كان لكلامها وقع سحري وغير عادي في ذهن أبيها ، وبتقدير الله ، جعله يعمل بنصائحها وكأنه مريد عندها ، فجمع الأسرة وهيأهم لمغادرة البيت ، ثم دخل غرفة صفاء فوجدها ممسكة بالمصحف ، تحبس دموعاً حارة في عينيها ، ثم تجلدت صفاء وتجلد والدها بقدرة قادر ، وكانت لحظات أكبر من طاقة البشر العاديين ، عندما نظرت صفاء إلى والدها نظرة الوداع ، وما اصعب نظرة الوداع ، ومن يتحملها دون دموع ونحيب سوى الأبطال الذين هيأهم الله بطاقة ربانية ، وانسابت دموعها بصمت ينما جمد وجهها كالصخر ، فضم الأب ابنتـه إلى صدره بحنان الأب وهطلت دموعه وقال : لا تخافي ياصفاء ،  سوف أودع أهلك عند خالك وأعود لك يا بنتي ، لن أتركك وحدك ، مادمت تصرين على البقاء في البيت ، سأعود لأبقى معك ، وقلبه يرجف من المصير المجهول الذي ينتظر ابنته الغالية التي رباها منذ الصغر على القرآن وسيرة المصطفى ، وشهداء الاسلام في عهد النبوة ، حتى نقش في قلبها حب الشهادة في سبيل الله ، ولكنه يخاف مما هو أكبر من الموت ، وبمرارة وصعوبة تهد الجبال الراسيات  هدأ من روعـه وقال بصوت متقطع : لا أخاف عليك من الموت يا ابنتي !!.. فأدركت صفاء مرماه ، لذا اسرعت إلى خزانتها وفتحتها أمامه فرأى عدداً من القنابل اليدوية ، ورأى الحزام الناسف ، وقالت أمامه بصوت الرجال : ـ سأقتلهم قبل أن تلمسني أيديهم النجسـة ، وأعاهد الله وأدعوه أن لاتلمسني أيديهم القذرة وأنا على قيد الحياة ، ولابعد الممات .

وللسلاح رهبة وشجاعة يبثها في الإنسان ، ويجعل نفسه شفافة ترنو إلى السماء وتتغلب على ثقلة الأرض ، لذلك هدأ روع الأب وقال : ـ متى فطنت إلى ذلك !!؟  أجابت : ـ أنا ابنتك ، ألم تربينا على الجهاد في سبيل الله !! ألم تعلمنا أن المسلمين ذلوا وهانوا عندما تركوا الجهاد ؟ هذه من تركـة محمود ، عندئذ ضـمها إلى صدره ثانيـة ، ثم أغمض عينيه واتجـه نحو الباب وهو يقول : ـ أودعتك في خزائن الله الذي ىتضيع ودائعه ) ، ,اسرع الخطى على أمل العودة بعد ساعات قليلة ، في حين دعت صفاء ربها أن يحول دون عودة أبيها إلى البيت ، تريده يربي إخوانها الصغار كما رباها ...

*     *   *

استحمت صفاء ، ولبست ثوبها الأبيض فوق الحزام الناسف ، ثم تعطرت وتزينت كما تتزين العروس

، وجلست تتلو كتاب الله عزوجل ، بصوت ملائكي مطمئن ، وصورة محمود ترتسم بين الفينة والأخرى على الصفحات أمامها ، ثم أرهفت سمعها فسمعت صوت محود يناديها :

ـ لاتنـس الصواعق .... ركبي الصواعق ...  فهبت مسرعة مذعورة وقد نست تركيبها ، وركبت الصواعق في الرمانات ، وفي الحزام الناسف ، كما سبق وعلمها محمود على ذلك ، ثم عادت إلى المصحف ، وما أن جلست حتى سمعت هدير المصفحات تدور حول البيت ، بعد أن عزل حي الدباغة ، ومنع فيه التجوال ، وبصعوبة بالغة خرج والدها من الحي ، وهو يلتفت وراءه والدموع تنسكب من عينيـه ، فلن يسمح له بالعودة إلا بعد أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً ، وسمعت مكبر الصوت ، ( يمنع التجول في حي الدباغة كله ، سنقتل كل من يمشي في الشوارع ، أغلقوا أبواب بيوتكم ونوافذها ) ... ثم وقف رتل من السيارات العسكرية المصفحة أمام بيت صفاء ، وهبط منها ضابط مع عدد من الجنود ، يحرسونه من كل الجهات ، ودق على الباب ، واستمر يدق دقيقة كاملة ولم يرد عليه أحد ..

نظرت صفاء من النافذة فرأت سيارة مملوءة بالجنود ، جاءوا ليهدموا بيتها ، ويقتلوا كل من فيه ، وبعد ثوان ألقت القنبلة الأولى عليهم وهي تتلو { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } فوقعت القنبلة في وسط سيارة الجنود ، فتطايرت أشلاؤهم بعيداً عن السيارة ، وفتح آخرون النار هلعاً وخوفاً من المفاجأة فقتلوا بعض رفاقهم  بينما دارت صفاء إلى الجهة الثانية ورمت القنبلة الثانية وهي تكرر { ومارميت إذ رميت ولكن الله رمى } فأصابت الأخرى ودب الهلع والذعر في جنود الجيش العقائدي . ...

ـ آلو (1) أنا (12) ياسيدي في البيت عدد كبير من المقاتلين الشرسين ، قتلوا منا حتى الآن أكثر من خمسة عشر جندياً ، بينهم الرقيب والمساعد ، وسيطر العب على الباقين ، سيدي نحتاج فصيلة دبابات لابد منها ...

ـ من أجل فتاة ياجبان ، تريد دبابات !!!؟ وصار العقيد يشتم ويعربد ثم صاح دمر البيت بالآربجي ..

اقتربت إحدى المصفحات وفتحت الباب بصدمه عدة مرات ، واندفع الجنود داخل البيت فرمتهم صفاء بالقنبلة الثالثة ، وامتلأت الدار بانار والدخان والأشلاء ، ورائحة البارود والدم ، عندئذ أمر قائد السرية جنوده بالابتعاد عن البيت ، وتدميره بالاربجي ...

لجأت صفاء إلأى تحت الدرج حيث عضائد الاسمنت القوية ، ولم يبق عندها سوى الحزام ، وبعد دقائق دوى انفجار عنيف غطى كل صوت في المدينة ، ثم صعدت سحابة دخان كثيفة فوق بيت صفاء ، شاهدها والدها ، فلجأ بالدعاء إلى الله أن يرزق ابنـته الشهادة ، وأن لاتقع أسيرة بأيدي الأنذال ، ثم هدأ كل شيء ، وسمع صوت الناعورة يتردد صداه في شواطئ العاصي ، ومازالت صفاء حية ، ولما انقشع الدخان ولم يبق في البيت مايخفيها عنهم ، خرجت ترفع يديها وتعلن الاستسلام ..

ومشت ببطء تتخطى الركام ، كتبها ودفاترها ، وأقلام أخواتها وإخوانها ، ركام بيتها الذي نشأت وترعرت فيه . وقد تناثر أثاث البيت والكتب ، ولعب الأطفال ، وتطايرت أوراق المصاحف فداسها الجنود ، وقد صمت كل شيء ، وعيون الجنود مندهشة ترقب صفاء .. وقد أكد لهم قائد السرية أنهم جاءوا لأسرها وليس قتلها ، للاستفادة من المعلومات التي تعرفها عن محمود وجماعته .. ولأنها تمتلك معلوما ت ثمينة عنهم .

أما قائد السرية فقد لجم لسانه ، بالأمس واجه محمود الموت علناً يتحداه ، وتبعد منقذ وتوفيق وعبدالله ، والآن هذه خطيبة محمود ، تخرج من الركام كأنها جنيـة ، إنها جميلة جداً كما تحكي له جدته عن الجنيات ، وكان جهاز اللاسلكي يردد :

ـ آلو يا  (12) ياملازم أول ... ياقائد السرية ..آلو .. آلو .. أنا العقيد ...هل تسمعني ؟ ثم يكرر : آلو .. يا .. يا .. فسمعه ضابط آخر فتناول الجهاز وقال : أنا (12 ) اسمعك جيداً سيدي ،

ـ أين (12) فطـس إن شاء الله !!؟  ـ لاياسيدي ، كأنه أصيب بالصمم ...

فقال العقيد : ـ قل لي ماذا جرى ؟

ـ ياسيدي العقيد ..خرجت علينا من ركام البيت بعد تدميره بالآربجي عروس بثوبها الأبيض ، ترفع يديها ، تمشي ببطء ، تتقدم نحونا ، ....

قال العقيد : ـ ابحثوا بين الركام عن الرجال أحياء وأموات ، واحذروا ، هذه العروس لك يا (121) إن اسرتها حيـة ..

تقدم بعض الجنود وأمسكوا صفاء من يدها وقادوها إلى إحدى السيارات وهي صامتة مستسلمة لاتتكلم ، ثم بحثوا بين الركام فلم يجدوا أحداً ، لذلك اجتمع الضباط الثلاثة حولها ومعهم (121) وعدد من ضباط الصف والجنود ،اقتربوا بدافع من حب الاطلاع ، وقد ذهب روعهم عندما نطقت وقالت : قتلتم زوجي .

ـ إنها إنسانة إذن وليست جنيـة ، عروس حقيقية ، وثوب عرس حقيقي ، ألا تـرون !!! ، هكذا قال قائد السرية ومـد يـده إلى ثوبها ، وحالما لامست أظافره ثوبها قالت :

ـ أنا عروس محمو د ... ودوى انفجـار بعد كلمة ( الله أكبر ) انطلقت قوية من فـم (صفاء ) عالية مجلجلة ... غطى عليها الانفجار ، انفجار الحزام الناسف الذي قطعها أشلاء طاهرة وقطع معها عشرة من الضباط والجنود حولها ...

ولما تطاير الجسد الطاهر أسرعت إليه الملائكة تلفـه بشا ش الجنة ، وتطيبه بعطر الخلود ، وتدوس الملائكة على أشلاء عشرة من الأنجاس المجرمين ، قدمتهم صفاء عربوناً للجنة ، وهرب الباقون من الجنود في كل اتجاه وهم يصرخون : جنيـة .. جنيـة .. وليست عروساًُ حقيقة .

*   *   *

ورددت شواطئ العاصي صدى الانفجار ، وطارت أسراب الحمام جماعات جماعات فوق حي الدباغة ، وازدحمت سماء حماة بالملائكة وأرواح الصديقين والشهداء يشهدون زفا ف ( صفاء) إلى ( محمود ) ، وتمايلت حور العين طرباً تملأ الأفق ، ومئات الوصيفات أسرعن لاستقبال سيدتهن ( صفاء ) وهي تزف إلى سيدهن ( محمود ) ... ثم علا صوت النواعير يردد نغمات قدسية أشبه بألحان عرس تزف صفاء بثوبها الأبيض إلى محمود .

*  *   *

 

انتهت في (11 / 3 /1403 هـ )

 
RocketTheme Joomla Templates