تصويت

ما تقييمك للموقع ؟
 

المتواجدون الآن

يوجد حاليا 34 زوار 
دماء على الجولان -

بسم الله الرحمن الرحيم

دمـاء على الجـولان

رواية سورية معاصرة  بقلم خالد الأحمد نشرت عام 1982م

-1-

في كل عام يعود الخريف ، وتتلبد السماء بقطع الغيوم البيضاء ، وتترطب النسمات فتفتح المدارس أبوابها ، ويعود عمار وسعيد ومحمد ومصعب ومحمود إلى ثانوية ابن رشـد للدراسة في الصف الثالث الثانوي .

أما عمار فقد جاء من القرية مع محمد ومصعب ليسكنوا في غرفة واحدة للعام السابع ، حيث ماتزال المدارس الثانوية محصورة في المدينة ، ولاتوجد إلا بعض الإعداديات في المناطق الريفية الكبيرة ، التي ميزها المستعمر الفرنسي حسب الخريطة الطائفية ليفرق العرب السوريين .

فحيثما كانت قرى طائفـة معينـة كان الجهل والتخلف . ومع طائفة أخرى تجـد المدارس وطرق الاسفلت وغيرها من أسباب الحضارة .

وقد مرت سبع سنوات عجاف على محمد وعمار قاسيا خلالها آلام الجوع والسهر في سنوات جدب وقحط مرت على سوريا ، حيث انحبس المطر وجف الضرع ، وباع الفلاحون أغنامهم بأثمان بخسة ، ليسدوا بثمنها جوع أولادهم .

تلك بعض محتويات الشريط الذي كان يمر في ذاكرة عمار وهو يتجول في ساحة ابن رشـد الواسعة والجميلة ، وبجانبه محمد الذي كان ينتظر أفراد الشـلة .

ـ عمار ، هاهم محمود وسعيد !

وأسرع الأربعة نحو بعضهم ، وكان لقاء بالأحضان ، وعناق طويل ، ثم قطع عمار الصمت فقال :

ـ مبروكة هذه اللحية الصغيرة يامحمود ، ماشاء الله ، والله جميلة جداً .

ـ جزاك الله خيراً ، إنها سنة رسول الله r، ولايهم إن كانت جميلة أو غير جميلة .

ـ ولكن هل فكرت قبل إطلاقها جيداً ؟

ـ وهل يحتاج الأمر إلى تفكير !!؟

ـ نعم ، أنت هذه السنة تجتاز المرحلة الثانوية ، وهذه اللحية تحرمك من أكثر مجالات الدراسة والعمل .

ـ لقد قررت دخول الجامعة ، ولاشيء غيرها .

عندئذ تدخل سـعيد وقال :

ـ الحمد لله دخول الجامعة مرهون بالدرجات ولايتعلق بالتقرير السياسي .

أجاب عمار : ـ ولكن هل نذهب كلنا إلى الجامعة !!؟.

ـ أين نذهب إذن !!؟

ـ إلى الكلية العسكرية ، أجاب عمار .

ـ والتقرير السياسي !!؟

ـ أنا محايد ولا أنتسب إلى أي حزب من الأحزاب ، وهذا مقبول عندهم الآن .

ـ ولكنهم يتهمون كل من يصلي من طلاب الكليات العسكرية بأنه من الإخوان المسلمين .

قال سعيد : ـ أنا لاأدري لماذا يخافون من الإخوان المسلمين كل هذا الخوف !!؟

أجاب محمود : ـ إنهم يعرفون أن هذا البلد إسلامي ، ولايمكن أن يستقر فيه غير الحكم الإسلامي .

ـ ألا يريـدون لهذا البلد أن يسـتقر !!؟

ـ لا ، لايريدون لهذا البلد أن يستقر ، لأن أسيادهم لايريدون أن يستقر .

عمار : ـ المهم أنا منذ سنين أحلم بالكلية العسكرية ، أريد أن أكون ضابطاً ،  أدافع عن بلدي ضد الصهاينة .

ـ إن سمح لك البعثيون أن تدافع عن بلدك !!

ـ وهل يمنعونني عن الدفاع عن بلدي !!؟ لايستطيعون ذلك أبداً .

وفي تلك اللحظات ظهر طالب طويل القامة ، أشـقر الشـعر ، وأزرق العينين ، وجاء نحو الشلة قائلاً :

ـ السلام عليكم .

ـ وعليكم السلام ، كيف حالك يامصعب ، لم نرك طول الصيف ، أين كنت !؟

ـ كنت في لبنان ، أعمل لأجمع مصروف العام الدراسي  وقد رزقني ربي ، مصروفاً وافياً هذا العام ولله الحمد . وهذه المرة الأخيرة ، ولن أعود إلى لبنان بعد هذه المرة . سأذهب إلى الكلية الجوية إن شاء الله ، فمنذ صغري أحلم بقيادة الطائرة ، والانقضاض على جيش الصهاينة .

قال سعيد : ـ إخواننا أبناء الريف يحبون النجوم !!

فأجاب عمار : ـ لماذا نترك الجيش لغيرنا !!؟

قال محمود : ـ وما الفائدة من الجيش !!؟

أجاب عمار : ـ غريب ، ألاترى أن الجيش يملك سوريا ، من بابها إلى محرابها . منذ سنة (1949م ) عندما قام حسني الزعيم بأول انقلاب في سوريا ، وجعل الجيش يحكم البلاد .

ـ لكن هل خدم الوطن !!؟ أم خـربـه !!؟

ـ لو كان فيه عناصر جيدة ، لخدم الوطن ، لذلك يجب أن نشارك فيـه .

ـ أختلف معك في هذا ، فقد أسـس هذا الجيش منذ أن بناه المستعمر الفرنسي ، ليكون عدواً لهذا الوطن ، يخربـه ، ولايعمره . وعناصر جيدة لن تستطيع أن تفعل شيئاً .

ـ أنا لاأتفق معك يا أخ محمود ، أجاب عمار .

وهنا قال سعيد : ـ لكن افرض وجود عناصر جيدة في الجيش ، ماذا ستفعل !!؟

أجاب عمار : ـ انقلاب عسـكري ، ( ضحك محمود ) وابتسم سعيد ثم قال محمود :

ـ لقد تعبت بلادنا من الانقلابات العسكرية ، وتأكد لدينا أن كل انقلاب عسكري هو بداية لانقلاب عسكري آخر .

ـ ماالعمل إذن !!؟

ـ الثـورة الشـعبية ..

ـ أليس الانقلاب ثورة شعبية !!؟

ـ لا ... أراك نسيت دروس علم الاجتماع في العام الماضي ، الانقلاب غير الثورة .

ـ لماذا يقولون ثورة الثامن من آذار !!؟

ـ هذا إدعاء باطل ، يكذبون بـه على الغوغاء والرعاع أمثالهم ، إنـه انقلاب عسكري ، سـرق عدة مرات ، حتى صار في أيدي البعثيين .

ـ وكيف تكون الثورة الشـعبية إذن !!؟

ـ يقوم أكثر الشعب ضـد الحكومة الظالمة والفاسدة .

ـ وهل يستطيع الشعب الأعزل من السلاح أن يـثور ضد الحكومة !!؟

ـ نعـم .  عندما توجد لدينا قاعدة إسلامية صلبة ، تمتد هذه القاعدة حتى تستحوذ على جزء من الشعب ، فيتربى تربيـة إسلامية من خلال تكوين الفرد المسلم ، ثم الأسـرة المسلمة ، ثم المجتمع المسلم ، عندها لايرضى هؤلاء أن يعيشوا في مجتمع لايحكم بشريعة الله ، بل يحارب شريعة الله ، عندها تقوم الثورة المسلمة .

قال عمار : ـ ولكن هذا يحتاج زمناً طويلاً جداً ، إن سارت الأمور كما تريد ياأخ محمود .

ـ حياة الأمم ياعمار لاتقاس بعمر الفرد .

أجاب مصعب : ـ ولكن أريد أن أرى بعيني هاتين عزة المسلمين .

ـ هذا ليس ضرورياً ياأخ مصعب ، المهم أن نسير في الاتجاه الصحيح ، قم بواجبك ، وانتظر النتائج من الله عزوجل ، يخلقها في الزمان والمكان الذي يريده سبحانه وتعالى .

*    *    *

دق جر س الحصة الأولى في العام الدراسي ، وجمع طلاب السنة الثالثة كلهم في مدرج العلوم الكبير ، ليدخل عليهم ( الشيخ ) مدرس التربية الإسلامية في ثانوية ابن رشـد .

كان الشيخ طويل القامة ، عريض المنكبين ، تقطر لحيته البيضاء وقاراً وهيبة ، وكان معروفاُ في القطر كله ، يحترمه الكبار والصغار ، والحكومة والشعب .

جلس فوق الطاولة ـ كعادته ـ وقال :

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام عللا رسول الله ، اللهم لاعلم لنا إلا ماعلمتنا إنك أنت العليم الحكيم .  يقول رسول الله r : [ يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها ، قالوا أو من قلة نحن يومئذ يارسول الله !!؟ قال : بل أنتم كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور أعدائكم المهابة منكم ، وليقذفن في قلوبكم الوهن ، قالوا : وما الوهن يارسول الله ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت ] . هذا الحديث من معجزاته r ، فهاهم المسلمون كثير ، حوالي ( مليار ) مسلم ، أي ربع البشرية ، ومع ذلك  ضعفاء ، تطمع فيهم الدول الكافرة ، وتتقاسم بلادهم وخيراتهم . لقد ضعف المسلمون وصاروا غثاء كغثاء السيل لأنهم أحبوا الدين وكرهوا الموت . لذلك لم يخفهم الكافرون ؛ كما كان الفرس والروم يخافون المسلمين ، عندما كان المسلمون يحبون الموت ، ويكرهون حياة الذل والهوان ، ومن يحب الموت !!؟ إلا من عرف أن الموت في سبيل الله أسمى أماني المؤمن ؛ لأن الشهداء أحياء وليسوا أمواتاً ، ومقام الشهداء في الجنة مع مقام الأنبياء .

إن حالة المسلمين اليوم يرثى لها ، فمنهم المرتدون عن الإسلام ، ومنهم المنحرفون عنه ، ومنهم الفاسقون ضعاف الإيمان . وقد اغتصب الصهاينة ثالث الحرمين وأولى القبلتين ، والمسلمون مشغولون بسفاسف الأمور ، والانقلابات العسكرية ، والخلافات السياسية ، بل العشائرية والقبلية والطائفية .

إن مشكلة فلسطين لاتحلها إلا القوة ، ولابد أن يعود المسلمون إلى التمسك بكتاب الله وسنة رسوله r ليعودوا أقوياء كما كانوا ، ويحرروا فلسطين .

وهكذا مضى الوقت سريعاً ولم يشعر بـه الطلاب ، ومازالت عقولهم متحفزة ومنتبهـة ، وعيونهم تمعن النظر في هذا المدرس الذي يختلف عن المدرسين . يختلف عنهم في مظهره ولباسه ، ولحيتـه وعصاه التي لاتفارقـه ، ويختلف عنهم بجـده واجتهاده فلايضيع دقيقـة واحدة من زمن الدرس ، وقد يقف معه طالب أو أكثر فيشغل وقت الاستراحة معـه .

كان عمار أشد الطلاب إعجاباً بالشيخ وصوته الجهور ، وهيبتـه ووقاره ، يشعر بالعطف والأمن عندما يستمع لـه . وقبيل انتهاء الحصة بقليل طلب الشيخ من الطلاب أن يوجهوا أسئلة إن وجدت .

وقف مصعب وقال : ـ سيدي الشيخ : ألا توجد دول صديقة لنا من الكافرين ، يحبوننا ولايتداعون علينا !!؟

ـ لايابني . إنهم أعـداء وليسوا أصدقاء ، يقول سبحانه وتعالى ] ولاتأمنوا إلا لمن تبع دينكم [ ، فلا تصادق منهم أحداً ، لأنه لا أمانة لهم  . ويكذبون علينا بأنهم أصدقاء ، ويعضون علينا الأنامل ، ويصدق بعضنا لأننا صرنا غثاء كغثاء السيل . نصدق كلامهم ، ولانصدق قول ربـنا عزوجل .

قال محمود : ولماذا صرنا غثاء كغثاء السيل ؟  وقد كنا سـادة العالم ، لما كنا رهبان الليل ، فرسان النهار .

ـ دخل الدخن في قلوبنا ، فتغيرت ، وران عليها خبث أفعالنا فعميـت .

ـ وما الذي أدخل الدخن إلى قلوبنا ؟

ـ الدنيا ، حب الدنيا ، وصدق رسول الله r القائل : [ ما الفقر أخشى عليكم ، ولكن أخشى أن تسلط عليكم الدنيا كما سلطت على من كان قبلكم ، فتنافسوها كما تنافسوها ، فتهلككم كما أهلكتهم ].

قال سعيد : ـ وما العمل يا سيدي الشيخ !!؟

ـ أنتم الدواء أيها الشباب ، أنتم دواء هذه الأمـة ، إن صلحتم صلحت ، وكيف تصلحون ؟ إذا عـدتم إلى كتاب الله وسنة رسوله وتمسكتم بهما . وهناك خطوات متسلسلة منها :

1 ـ إصلاح الفرد :

آ ـ بدءاً من إصلاح عقيدته ، وذلك بحصر التلقي عن الله ورسوله فقط ، ] وما آتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا [ .

ب ـ وعندما تصلح العقيدة تصلح العبادة ، ويصلح العمل ، والخلق ، ويتكون الفرد المسلم .

2 ـ تكوين الأسرة المسلمة .

3 ـ تكوين المجتمع المسلم .

وبذلك تخرج أمتنا من الضياع ـ بإذن الله ـ وعسى أن يكون ذلك قريباً بإذن الله عزوجل .

ودق جرس الاستراحة ، وتسابق الطلاب إلى تقيبل يـد ي الشيخ ، وهو يمتنع ويبعد يـديه عنهم ، حتى وصل حجرة المدرسين .

ـ ما رأيك ياعمار ؟ قال محمود .

ـ والله وقع كلامه في قلبي ، وأتوق إلى سماع المزيد من هذا الشيخ .

ـ لنذهب إذن بعد صلاة المغرب إلى مسجد السلطان نحضر درسـه اليومي .

*     *     *

في قلب مدينة حماة ، جغرافياً وروحياً ، يقع مسجد السلطان ، ولـه أطول مئذنة في حماة يومذاك قبل أن يهدمها الجيش البعثي (1964م) . وقد تسلم الخطابة والدرس فيه الشيخ المجاهد محمد الحامد يرحمه الله ، وعلى يـده تربت جماعة الإخوان المسلمين في حماة ، ومن هذا المسجد شـع نـور الوعـي واليقظـة . لم لا ، والشيخ يرحمه الله عرف الإمام حسن البنا يرحمه الله ، وخالطه في مصر ، وفهم مضمون حركة الإخوان المسلمين التي أسسها الإمام الشهيد حسن البنـا يرحمه الله . وكان الشيخ والدكتور مصطفى السباعي طالبين في الأزهر يومذاك ، وقد عرضت جامعة الأزهر على الشيخ محمد الحامد يرحمه الله متابعة الدراسة للحصول على الدكتوراة ، لكنه آثـر العودة إلى حماة ، والتدريـس في مدارسها ومساجدها ، آثـر ذلك على شهادة  الدكتوراة .

لذلك كان مسجد السلطان ملتقى يومي لشباب الإخوان المسلمين ، يسمعون الدرس من شيخهم يرحمه الله ، ويلتقون بقادتهم دقائق معدودة كل يوم يتلقون فيها بعض التعليمات اليومية ، لذلك كان مسجد السلطان أول هدف تدمره دبابات الجيش البعثي بقيادة العقيد ( حمد عبيـد ) عام (1964م ) وكان في المسجد الشيخ المجاهد مروان حديد يرحمه الله ، وعشرات من أشبال الإخوان المسلمين ([1]).

ثم أعادت وزارة الدفاع بناء المسجد ، وعاد إليه الدرس اليومي للشيخ محمد الحامد بعد أن ظل فترة في مسجد الأحدب في السوق الطويل .

كان مؤذن مسجد السلطان ( الشيخ مصطفى الرهوان ) يدعو الناس إلى صلاة المغرب بصوته العذب المميز في حماة كلها  ، عندئذ كان عمار ومحمود ومصعب يدخلون الباب الشرقي للمسجد ، ويتوجهون إلى البركـة ، فيتوضأون مع جمور من المصلين تشع وجوههم نوراً ، وتقطر مياه الوضوء من لحاهم الصغيرة كحبات اللؤلؤ وسـط تسبيح الملائكة واستغفارهم .

ثم انتظمت الصفوف للصلاة بأدب وخشوع ، ومن ثم تحلق الطلاب حول الشيخ في درسـه اليومي .

كان عمار ينصت بأدب وينظر إلى الشيخ والطلاب حوله ، ويجيل نظره في قبة المسجد ، وسجاده ، ويقول في نفسـه : كل شيء هنا يشع منه الأدب والطمأنينة والخشوع ، وراح يردد في سـره : لماذا يكرهون الإخوان المسلمين !!؟ ألأنهـم يربون الشباب على الإسلام !!؟ فيأتون بهم إلى المساجد ، بدلاً من دور السينما ، ويعلمونهم الإسلام بدلاً من القمار والخمور .

عشرات الطلاب في المسجد منذ العصر ، معهم كتبهم ودفاترهم ، يحلون واجباتهم ويذاكرون دروسهم ، ويساعدون بعضهم في فهم ومذاكرة الرياضيات والفيزياء واللغات ، وبالتالي يعيش الطالب المسلم يومه بين المدرسـة والمسـجد والأسـرة ، ولايعرف غير هذه الأماكن الثلاثة .

هل تريد الحكومة أن ينفلت الشباب من دينـه وقيمـه وتقاليده ، وأن يتربى كالبهيمة يأكل ويشرب ويرقص ... ووصل عمار في تفكيره الصامت إلى أن الإخوان المسلمين هم جماعة المسلمين التي أوصى رسول الله r بالالتحاق بها والالتزام معها .

ارتفع آذان العشاء وتوقف الدرس خلال الآذان ، وهم يرددون سـراً مع المؤذن ، ثم يدعون : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً r الوسيلة والفضيلة ...... ثم يستمر الدرس ساعة أو نصف ساعة بعد آذان العشاء ، ثم تصلى العشاء في مسجد السلطان بعد مساجد المدينة كلها .

وتنقضي الصلاة ، فيلتقي الأحباب مع بعضهم ، هذا مروان ، وعبد الستار ، وهشام وبسام ، وغيرهم كثير ، ومعهم محمود ومصعب وعمار .

ـ سنداوم على هذا الدرس يامصعب . قالها عمار .

ـ نعم ، إنه عظيم ، يصقل القلب وينظفه من الأدران .

ـ هل لاحظتم أن معظم الحاضرين من طلاب الثانويات والجامعات والمدرسين والمهندسين والأطباء .

ـ إنهم صفوة البلد ، والعقول العاملة فيـه .

ـ مساكين أهل الريف ، كم يحتاجون لمثل هؤلاء الشيوخ المجاهدين ، ليدلوهم على الطريق الصحيح . قالها عمار .

ـ ويرتاحون من الدجالين الذين يكذبون عليهم باسم الإصلاح الزراعي والاشتراكية والعمال والفلاحين .

ـ المشكلة هي الجهل ، وتثبيت الجهل في عقولهم من طرف الدجالين ، المتاجرين بكرامة الشعوب .

- 2 –

ـ أخي محمود ، أستشيرك في رغبتي بالانضمام إلى الاتحاد الوطني لطلية سوريا .

ـ متى شكل هذا الاتحاد ياعمار !!؟

ـ في الصيف الماضي ، وهذا أول تنظيم طلابي يشهده قطرنا في أيامنا .

ـ وما هي أهدافـه ؟

ـ يقولون مساعدة الطلاب في دراستهم ، ومساهمة الطلاب في مسيرة القطـر .

ـ وهل تصدق مايقولون !!؟

ـ لا ، أدري ، لم أتعرف عليهم بعد .

ـ وهل فيـه غير البعثيين !!؟

ـ فيـه قليل من غير البعثيين ، ولا أخفي عليك أريد أن أجرب وأعرف بالخبرة العملية صدق هذه المؤسسات وهذه الشعارات .

ـ لكن مخالطتك لهؤلاء الأشرار تضرك ياعمار .

ـ سأبقى على صلة معك يامحمود ، ولن أنقطع عن درس الشيخ في مسجد السلطان .

ـ أنت دائماً تفعل مايعجبك ياعمار . أنا لاأستطيع أن أنصحك بدخول هذا الاتحاد .

صمت عمار ، فلم يحصل على موافقة محمود ، ولم يقتنع بالمقاطعة السلبية ، لهذه المنظمة وتركها للبعثيين ، يسخرونها كما يشاءون ، ثم إنه يحلم بالكلية العسكرية ، ولعل مشاركته في الاتحاد في بداية قيامه ، وهم بحاجة لأمثاله ، لعلها تشفع له في قبوله في الكلية العسكرية . ويكتب عنه تقرير سياسي يساعده على دخول الكلية العسكرية .

عين حزب البعث مكتباً إدارياً مؤقتاً للاتحاد الوطني لطلبة سوريا في محافظة حماة ، ريثما يتـم انتخاب مكتب إداري من قبل الطلاب المشاركين في الاتحاد , والطالب ( صاعد ) هو المسؤول المؤقت المكلف من قبل الحزب بالاتحاد الوطني لطلبة سوريا ، وصاعد طالب في السنة الثالثة من زملاء عمار ، ويشرف على (صاعد) المراقب ( أبو هدام ) .

دق جرس الفسحة ، وخرج عمار يبحث عن صاعد في باحة المدرسـة ، فرآه ماشياُ وحده ، يفكر في أمر مـا ، فقطع عليه عمار تفكيره .

ـ السلام عليكم ياصاعد .

ـ أهلا وسهلاً عمار ، كيف حالك ؟ وشبك يده في يـد عمار ليمشي معـه في باحـة المدرسـة .

ـ لو أردت الانضمام إلى الاتحاد الوطني للطلبة ، هل تشترطون عليّ الدخول في الحزب ؟

ـ لا .. أبداً ياعمار ، الاتحاد لكل الطلاب ، بعثيين وغير بعثيين ، وإذا ماتصدق جـرب .

ووقع عمار طلب انتساب للاتحاد الوطني لطلبة سوريا ، ثم سلمه إلى صاعد الذي أوصله إلى أبي هدام .

فرح أبو هدام كثيراً الذي سبق له أن عرض على عمار ومصعب الا لتحاق بالحزب لأنهما قرويان ، وأكثر لهما من الوعود المعسولة والدنيا الزائفة ، ثم قال لصاعد :

ـ بعد أسبوع فقط نعين  ( الشيخ ) عمار أميناً للصندوق في اللجنة الإدارية ، ولن نجد أكثر أمانة منـه ، كما نحمل عليه أكبر قسط من العمل .

ـ أجاب صاعد : عظيم يارفيق ، هذه عبقرية فعلاً . أنا معك في هذا القرار .

وبعد أسبوع فقط اندفع صاعد نحو عمار مبتسماً :

ـ  مبروك ياعمار ، تقرر تعيينك أميناً لصندوق اللجنة الإدارية في الثانوية .

ـ لكن أنا لا أطمح إلى ذلك .

ـ نحن نطمح إليه ، ولانجد أكثر منك أمانة للأمور المالية .

وشـغل عمار باستلام اشتراكات الطلاب ، وتسليمهم الايصالات مقابل ذلك ، ثم تسليم هذه الأموال إلى أمين صندوق المحافظة .

وجاء يوم الانتخاب ، انتخاب اللجنة الإدارية في المدرسـة ، وأعضاء مجلس المحافظة ، فاجتمع الطلاب الاتحاديون في صالة السينما ، وهي أكبر صالات المدرسـة ، وكان أبو هدام يذهب ويعود منهمكاً في هندسـة الانتخاب كما يريد الحزب .

ثم دخل عمار إلى مكتب المراقب أبي هدام ، فوجد صاعدا ً عنده ومجموعة من البعثيين وسمع أبا هدام يقول :

ـ يجب أن ينجح : صاعد وعمار وفلان وفلان ....  اسمع ياصاعد عندما يفتح باب الترشيح اكتب اسمك ، ثم اسم عمار ، ثم أكمل أسماء الثمانية كما حددتهم لك . وهذه هي الأسماء التي قررها الحزب ، ويجب أن تنجح ، ثم اكتب أسماء بعض المرشحين بعد هذه الثمانية .

وأنت يارفيق خـذ اثنين من الرفاق معك ومـروا على الطلاب الحزبيين واهمسوا في آذانهم أن الثمانية الأول هم قائمة الحزب ، وإياكم أن تنتخبوا غيرها .

وأنت ياصاعد تجمع الأوراق وتشطب فيها وتعدل ماتريد كي ينجح هؤلاء الثمانية . مفهوم ، فأجاب صاعد : حاضر يارفيق .

قال عمار : والديمواقراطية يا أستاذ أبا هدام !!؟

ضحك أبو هدام وقال : مازلنا في الديكتاتورية ، ديكتاتورية الطبقة الكادحة ، ديكتاتورية البروليتاريا ، أما الديموقراطية فهي كلمة نواجـه بها الرعاع والغوغاء ، وسوف توافق معنا فيما بعد ياعمار . وضحك مرة أخرى وقال : سوف توافق يارفيق عمار ... اسمك مع الثمانية الناجحة .

وقف صاعد أمام المؤتمر الطلابي ، وقدم تقريراً سريعاً شكر فيه اللجنة الإدارية السابقة على جهودها ، المبذولة من أجل تشجيع الطلاب على الالتحاق بالاتحاد ، وتعالت أصوات الطلاب :

أمة عربية واحدة .... ذات رسالة خالدة ... أهدافنا : وحدة .. حرية ... اشتراكية ...

ثم فتح صاعد باب الترشيح ، فرفعت أيدي نصف الحاضرين تقريباً ، يريدون الترشيح ، يجرون وراء المنصب الفارغ ، فكيف لو كان منصباً حقيقياً !!؟ وتعجب عمار ، كل هؤلاء دخلوا في الاتحاد ليصلوا إلى المسؤولية ، كلهم طامعون في المسؤولية .

وبدأ صاعد يكتب حتى وصل الثمانية ثم ترك فراغاً صغيراً وتابع الكتابة بعده ... ثم مـر الرفاق يهمسون : الثمانية الأول هم قائمة الحزب ... ثم كان المرشحون الثمانية أنفسهم يجمعون الأوراق ، ويشطبون كما يريدون خلف السـتار .

ثم بدأ الفرز تحت مراقبة المرشحين ، وكان صاعد يقرأ :

ـ الثمانية الأولى  .... الثمانية فقط ...  من واحد وحتى ثمانية ...

ونجح الثمانية واجتمع مجلس المحافظة المكون من خمسة وثلاثين طالباً وخمس طالبات . ولأول مرة في عمـر هؤلاء المراهقين والمراهقات يجتمعون في مبنى الاتحاد الوطني لطلبة سوريا ، من أجل انتخاب المكتب الإداري للمحافظة ، المؤلف من سبعة أعضاء ، ينتخبون بالتصويت السري من مجلس المحافظة . ويشرف على الانتخاب طالب جامعي كان يدخن على الملأ في نهار رمضان . وبدأت المداولات ، وبدأ الترشيح بنفس الطريقة واللعبة ، ونحج ( صاعد ) رئيساً للمكتب الإداري في المحافظة ، ونجح ( عمار ) عضواً في المكتب الإداري ، ونجحت ( جهينة ) أمينة للسـر .

وقام صاعد فشكر الحاضرين على ثقتهم بـه ، ثم ارتجل كلمة شكر فيها أعضاء مجلس المحافظة ، ووعد أن يكون عند حسن ظنهم ، ثم انصرف المجلس ليبدأ أول اجتماع للمكتب الإداري ..

ـ باسم حزبنا العظيم أفتتح اجتماعنا الأول ، للاتحاد الوطني لطلبة سوريا ، في حماة ، أيها الرفاق ( ويسرق نظرة إلى عمار ) لقد اختارنا الحزب ، ومهد لنا الوصول إلى هنا ، فليكن هذا واضحاً ، ومن عبقرية الحزب أن يختار معنا الزميل ( عمار ) وهو زميل قروي غير بعثي ، ليظهر الحزب للناس أن الاتحاد الوطني لطلبة سوريا ليس مؤسسة حزبية ، إذ من أعضاء المكتب الإداري عضو ( غير بعثي ) ، هذا أمام الجماهير ، أما الحقيقة فأنتم تعلمونها جيداً ، لقد عدلتم في أوراق الناخبين ، وهندستم الانتخاب لينجح الثمانية الأول كما تعلمون .

نظر عمار إلى سـاعته ، وعصر قلبه ألم الحرمان من درس الشيخ هذا اليوم ، وسماع هذا الهـراء الفارغ ، ومازالت ( جهينة ) معهم في الاجتماع والساعة زادت على التاسعة ليلاً ، أهكذا تكون الطالبات التقدميات !!

تابع صاعد حديثـه :

ستكون لنا مساعدات خاصة للنجاح ودخول الجامعة والكليات العسكرية ، فلاتشغلكم الدراسة عن النضال من أجل الجماهير ، وسيزود كل منكم ببطاقة طلابية تمكنه من الخروج أو الدخول إلى  المدرسة متى شـاء .

ثم نظم جدول المناوبة في مقر الاتحاد بالمحافظـة ، بواقع يوم لكل عضو في الأسبوع ، ماعدا الرئيس وأمينة السر حيث يداومان ساعتين كل يوم من السادسة وحتى الثامنة مساء .

وصل عمار إلى مقر الاتحاد ليناوب في يومـه المحدد منذ الثانية ظهراً ، وحتى التاسعة مساء ، فوجد عدداً من الطلاب والطالبات ينتظرونه لعلاج مشكلاتهم .

دخلت الطالبة الأولى : ـ مرحباً يارفيق ، أنعمت مساءً ، وأسرعت تمـد يـدها لتصافحـه ، ولكنه بقي في مكانه ، ورد عليها السلام بدون مصافحة : أهلاً بالزميلة ، ماذا عندك ؟

ـ تغير وجهها ، وصمتت فترة وهي تعيد مخطط أفكارها ثم تكلمت :

تغيبت عدة أيام ، لذلك فصلتني المديرة من المدرسـة .

ـ هل قدمت تبريراً للغياب ؟

ـ جئت كي تعطوني هذا التبرير .

ـ لكن تبرير الغياب من الوحدة الصحية ، وليس من عندنا !! فنحن لانملك صلاحية تبرير الغياب .

ـ أنا في الواقع لم أكن مريضة ، وإنما كنت في مهمـة حزبيـة ، وقدمت بطاقة صغيرة كتب فيها : الرفيق صاعد ...ساعدوا الرفيقة ...في تبرير غيابها ، حيث كانت مشغولة عندنا طوال غيابها . التوقيع : أمين فرع الحزب .

ـ أرجو أن تعودي الساعة السادسة والربع كي تقابلي الزميل صاعد ، ودفع إليها البطاقة .

ودخلت الطالبة الثانية :

قدمت نفسها : أنا رئيسة اللجنة الإدارية في ثانوية السيدة عائشة ، عندنا مدر س التربية الإسلامية رجعي كبير ، يسمم عقول الطالبات ، وبدأ الحجاب ينتشر بين الطالبات ، وخاصة أن شقيقات المدرس طالبات معنا ، وبدأن بارتداء هذا الحجاب الذي انتشر بين الطالبات بسرعة .

ـ وأين الخطر أو الضرر في انتشار الحجاب بين الطالبات يازميلة !!؟

ـ كيف أين هذا الخطر ، يارفيق !!؟ الحزب يناضل من أجل القضاء على هذه التقاليد البالية الرجعية ، وهذا المدرس ينشرها ويدعو لها ، الحزب يدعو إلى تحرر المرأة العربية من هذه القيود العفنة ، وهذا المدرس يخرب نشاط الحزب ودعوتـه .

كاد أن ينفجر عمار لولا أنه ضبط أعصابـه ونظر إلى محدثتـه فابتسمت ابتسامة عريضة وقالت :

ـ هل يسـرك لو أنني محجبـة الآن مثلاً ... وقهقهت بضحكة مزقت كبد عمار قـرفاً وألمـاً .

ـ وماذا نفعل !!؟

ـ أقترح نقـله إلى مناطق متحررة مثل شـطحة مثلاً ، وهناك تغسل الرفيقات مخـه ويتحرر من هذه الخرافات .

كتب عمار بعض الكلمات في كراسته ، وقال : سنقترح ذلك .

ودخلت الطالبة الثالثة : طويلة القامة ، عريضة المنكبين ، غلبت عليها الذكورة فطال شعر وجهها ، وخشن صوتها .

ـ مساء الخير يارفيق ، أنا أمينة سر اللجنة الإدارية في ثانوية شطحة المختلطة ، جئت أرفع لكم مقترحات الرفيقات هناك :

1ـ يدعونكم لزيارة الثانوية وبحث الأمور على الطبيعة ، الطبيعة الخلابة هناك !!

2 ـ تطلب الرفيقات السماح لهن بالتقدم إلى الكليات العسكرية ، أسـوة بالرفاق ، وبالتالي مشاركتهن في الخدمة الوطنية ، والخدمة في الشـرطة كذلك .

ـ هل يرغبن في التقدم إلى الكلية الجوية أيضاً ، وضحك عمار .

ـ نعم ... وأنا أولهن .

ـ أجاب عمار نفسـه بصمت : أنت أولهن وآخرهن ، فأنت رجل في ثياب امرأة .

ـ ألا تخافين من قيادة الطائرة ؟

ـ هل تخاف أنت ؟

ـ نحن رجـال ..

ـ غريب ، مازلت أسمعها ، حتى من الرفاق التقدميين ، ما الفرق بين النساء والرجال ، متى ننتهي من أخلاق البرجوازية ، وتسود عندنا أخلاق ( الاشتراكية العلمية ) .

ضحك عمار ، وكتب بعض الكلمات في كراسته ، ثم صرفها ليدخل طالب قروي .

ـ السلام عليكم ياعمار .

ـ وعليكم السلام ...

ـ كيف حال الدراسـة بشـر ، إن شاء الله على مايـرام .

ـ كما تـرى ، هذا يوم في الأسبوع ، ماعدا الاجتماعات الطارئة والدروس التي تضيع علينا .

ـ لاعليك ياعم ... النجاح مؤمن لكم ، ودخول الكلية العسكرية في جيبكم منذ الآن ، ويكفي الحوار والمناقشـة مع ( الرفيقـات ) وضحك .

ـ المهم ، كيف حال دراستكم ؟

ـ أنت تعرف ، أنا لست اتحادياً ، ولاحزبياً ، نريد أن نتأكد أن الاتحاد للطلاب جميعاً وليس للبعثيين فقط .

ـ الاتحاد لجميع الطلاب .

ـ نريد المساواة أمام الطلاب في دخول الكليات العسكرية ، لماذا يقبل ( 80 ) بالمائة من فئة معينة ( ....) تعرفها أنت ، ويحرم الآخرون !!؟

ـ عفواً يازميل ، الطرح الطائفي مرفوض تماماً .

ضحك الطالب الضيف وقال :

ـ يبدو أنهم استعمروا عقلك بسرعة ، أو بالأصح استعمرن عقلك بهذه السرعة .

ـ أرجوك ، أجل هذا الحديث ، سنتابعه في القرية معاً .

- 3 –

اعتادت إذاعة دمشق أن تذيع إعلاناً كل يوم طيلة أشهر الصيف ، من وزارة الدفاع ، يطلب من الشباب التطوع في الكليات العسكرية ، كما يقدم التلفزيون عروضاً دعائية يرغب الشباب في هذه الكليات ، عروض تظهر فيها الطائرات المقاتلة والدبابات ، وتدعو الشباب إلى المجـد والسيادة .

وكان عمار ومصعب ينتظران يوم (24/8) المحدد لهما للفحص الطبي في نادي الضباط بحمص ، والآمال العريضة تداعب خيالهما في القرية ، اللباس العسكري والسيادة العسكرية ، ثم السلاح ، الميغ والدبابة ، وكان مصعب يعاني من حلم يتكرر معه ثم تحقق في الواقع ، يرى نفسـه قائداً للميغ (17) يحوم بها فوق القريـة ، وشباب القرية وبناتها يتفرجون على مهارته وبراعته ، بينما يسـرع أخوه الكبير إلى إطلاق الرصاص فرحاً وابتهاجاً بذلك . كما يتحدث الناس عن الطيارين الحمويين بما يشبه الأساطير .

ودخل عمار ومصعب نادي الضباط في حمص يوم (24/8) والتفت عمار إلى مصعب ضاحكأ : نحن ضباط منذ اليوم يامصعب .

وبدأت المعاينات على يد أطباء مهرة من تخصص العينية ، والعصبية ، والداخلية ، والعظمية ، والسنية ، .... وأكمل مصعب وعمار الفحص الطبي بنجاح ، فعادا في المسـاء للفحص الثقافي ( المقابلة الشخصية ) .

ـ اسمك ... ، بلدك ؟

ـ عمار .... من قرية ... محافظة حماة .

ـ أين تقع هذه القرية ؟

ـ ذكر عمار اسماً لقرية معروفة عند الضابط ( قرب قرية .... ) .

ـ لماذا تريد الانتساب إلى الجيش ؟

ـ كي أساهم في تحرير فلسطين وغيرها من الأجزاء العربية المغتصبة ..

ـ وماذا أيضاً ..

ـ وكي أدافع عن وطني ضـد الامبريالية والرجعية والعملاء والطابور الخامس ...

ـ عظيم ، مع السلامة .

ثم عاد عمار ومصعب إلى القرية ، فطافوا على المختار ، والحلقة الحزبية ، وكل من يتوقعون وصول المخابرات العسكرية إليهم وأوصوهم :

ـ لا تقولوا أننا نصلي ، احذروا تقطعوا نصيبنا ، قولوا شباب متحررين ومتفتحين ، ومن بيئة كادحة ، وإذا سألوكم عن الصلاة بالتحديد قولوا : لاندري .

وسألت المخابرات العسكرية صاعداً عن عمار فقال : سوف ينتسب للحزب في الكلية العسكرية بسهولة ، وقدمت القرية تقريراً جيداً عن مصعب .

وجاءت مرحلة الانتظار ...

ثم جاءت البرقيات : عمار يلتحق بالكلية الحربية في حمص ، ومصعب يلتحق بالكلية الجوية في حلب .

*     *     *

دخل عمار مبنى الكلية الحربية في حمص وكان يتأمل التماثيل المنحوتة لدى الباب الرئيسي عندا سمع صوتاً يصيح :

ـ يامستجد ... يامدني ... يامستجد ياتعبان ..

لم يفهم عمار أنه المطلوب في هذا النداء ، فتابع المشي والتأمل في التماثيل ، وتذكر أصنام قوم إبراهيم عليه السلام ، وكيف كسرها إبراهيم ...

ـ يامستجد ...يامدني ... يابني آدم ..ياتعبان ... يا ....

التفت عمار فرأى عسكرياً عرف فيما بعد أنه الطالب الضابط المتقدم .

ـ هل تنادي عليّ ( قالها عمار بروح مدنية ) !!؟

ـ نعم عليك .. ياتعبان .. يا أخوت ..ألا تسمع ؟

ـ مستجد ...مدني ... تعبان .... أخوت ... لم أفهـم شيئاً !!

ـ اخرس ، ولاتنطق بكلمة واحدة ، هيا ازحف من هنا وحتى هناك .. ابدأ .

نظر عمار إلى الأرض التي نثر فيها الحصى والشوك عن عمد وقصد ، ، وصعب عليه أن تبدأ حياته العسكرية بهذه العقوبة ، لكنه حفظ من دروس الفتوة ( نفذ ثم اعترض ) . لذلك انبطح على الأرض وبدأ الزحف حتى سالت الدماء من الركب والأذرع الغضـة . وزاد عدد الزاحفين حتى ضاق بهم المكان ، وعرف عمار فيما بعد أن المستجد يبدأ بهذا الزحف حالما دخل مبنى الكلية العسكرية .

ـ انتبـه ، واقفـاً ، كل واحد يحمل حقيبته على كتفـه ، واصطفوا رتلاً ثنائياً أمامي ، استرح ، استاعد ، هل تشاهدون هذه الساحة ؟ هيا اركضوا على محيطها برتل أحادي حتى إشعار آخر .

وبدأ الجري ، والحقائب تنقر على الأكتاف ، وبدأ النخـر في البطون ، وسال العرق من الثياب ، وعمار يحلل مامعنى ( حتى إشعار آخر ) ، يعني إلى أجل غير مسمى ، ساعة ، ساعتين ، ثلاث ، ...يوم كامل ...حتى نقع مصابين بالإغماء .. وعند ذلك يطردوننا من الكلية بحجـة أننا غير صالحين جسدياً .

وبينما هم كذلك ، مر طالب ضابط متقدم آخر ، عنده نجمتين داخل المعين ، لذلك صاح الطالب المتقدم :

ـ انتبـه ، استعد ، استرح ، استعد ... ثم جرى باتجاه الطالب الضابط الآخر ، ووقف أمامه باستعداد وهو يقدم التحية العسكرية وقال : ـ الطلاب الضباط المستجدون حضرة الطالب المتقدم .

ـ رد عليه المتقدم بالتحية العسكرية وقال : تابـع . ثم مشى .

فاتجـه الطالب الضابط إلى هؤلاء المستجدين وقال : تابع الجـري إلى إشعار آخر .

حان وقت الغداء ، فصف المستجدون رتلاً ثنائياً ، وجروا رملاً إلى المطعم ، وتركهم يجرون في المكان ، ثم رجع إليهم وقال : سنبقى هكذا نراوح في المكان حتى يجهز الطعام .

أكثر من طالب تمنى لو سقط على الأرض ، في إغماءة تأتي سيارة الإسعاف تنقله إلى المستشفى ، ومنها يطرد من الكلية ... لولا أن العذاب مع المجموعة يهون ، كما يقول علماء الاجتماع ويسمونه ( التيسير الاجتماعي ) .

وأخيراً دخلوا المطعم ، وقد عصرهم جوع لم يذوقوا مثله في حياتهم ، ثم صاح الطالب المتقدم : سـكوت : فجمدت الأيدي في أماكنها . وتسمرت العيون على قطع اللحم والحلوى ثم تابع الطالب المتقدم :

ـ خلال خمس دقائق فقط الجميع خارج المطعم ، باشر الطعام .

وهجم الجياع على الطعام يلتهمونه بشراهة ، والطالب المتقدم ينظر في ساعته ويعد لهم : باقي دقيقتان ... دقيقة ونصف ... وهم يلتهمون ، وفطن أحدهم إلى وضع الطعام في جيوبه فقلد الآخرون ، ولما قال الطالب المتقدم : انتهى الوقت . خرج الجميع من المطعم .

ومن المطعم ذهبوا إلى مستودع الثياب فاستلموا الثياب العسكرية ، واستمر الجري ، واستمر اليوم الأول حتى حان وقت النوم ، فوقع الطلاب المستجدون على وجوههم على فرش لم يعرفوا عنها شيئاً وغطوا في النوم العميق بعد يوم من التعب لم يشهدوا مثله .

وفي منتصف الليل ، في أواخر الخريف السوري ، حيث البرد القارس ، انطلق الطالب المتقدم إلى مذياع الكلية :

ـ انتبـه الطلاب المستجدون إلى ساحة العلم ، بعد دقيقتين بلباس الرياضة  .

ـ أكرر : الطلاب المستجدون إلى ساحة العلم بلباس الرياضة .

وبعد دقيقتين ، دخلوا ساحة العلم شبه عرايا ، ونسمات البرد الآتي من جبل عكار يلفح أجسادهم ، وبعد دقيقتين أيضاً وصل الضابط المناوب : فصاح المتقدم :

ـ استرح ، استعد ، الطلاب المستجدون سيدي الملازم أول .

ـ وصلتم أيها المستجدون الجبناء ، سأمسح بكم أرض الكلية كلها ، لا أسمع واحداً يقول : حلال ، حرام ، الله ، محمد ، ...كل هذه الكلمـات اتركوها خارج الكلية ..أنتم بعثيون كلكم ، بمجرد قبولكم في الكلية صرتم بعثيين . والبعثي الحقيقي يتحرر من قيود الماضي ، ثم انصرف الضابط المناوب بعد أن تركهم تحت قيادة الطالب المتقدم .

وبدأت سهرة الليلة الأولى : قاس الطلاب مساحة الساحة بعود الثقاب المربع ، ودفعوا بأكتافهم تلك العمارة ليزيحوها شمالاً عشرة سنتمترات ، وأحضروا كل ثيابهم وحتى الفراش إلى ساحة العلم ، وركضوا وهم يحملونها ، وبعد منتصف الليل عادوا إلى المهاجع فناموا نوماً عجيباً .

*    *    *

دخل قاعة المحاضرة الرائد ناصر الدين ناصر ، مدير الكلية العسكريـة ، ومدرس مادة التوجيه السياسي ، وبعد التحية واستلام الصف قال : استرح ، راحة ، جلوس . ثم بدأ درسـه الأول :

أهم الأحزاب خطراً على العالم العربي جماعة الإخوان المسلمين ، لأنهم يحاولون إعادة التاريخ إلى الوراء ، إنهم رجعيون يحاولون إعادة التاريخ ، يريدون للعرب أن يعودوا (1400) سنة للوراء ، ويقطعوا يـد السارق ، ويرجموا الزاني ، ويأخذوا الجزية من النصارى ، هؤلاء يرتبطون بالمخابرات المركزية الأمريكية والمخابرات البريطانية ، وأول حزب تصدى لهم هو حزبنا العظيم حزب البعث العربي الاشتراكي ، الذي يقوم على مبدأ القومية العربية ، فالعربي أخ للعربي ، سواء كان مسلماً أو نصرانياً أو يهودياً ، علوياً أو درزياً أو سنياً ، لأن الدين لم يعـد يحرك الناس ، انتهى زمن الدين ، ولم يبق لـه تأثير على العرب ، ويجب التخلص منـه ، وما سـر تخلفنا عن ركب الحضارة إلا تمسك الكثير منا بهذا الدين ، وقد تقدمت أوربا عندما تخلت عن الدين ، وهكذا يجب أن نفعل كي نلحق بركب الحضارة .

ويقوم حزبنا على مبدأ الاشتراكية ، حيث تقدمت روسيا والصين وأوربا الشرقية عندما أخذت بها ، لذلك طرح حزبنا الإصلاح الزراعي والتأميم ، ويعمل على أن تسود الطبقة الكادحة ( البروليتاريا ) وتقود الأمـة العربية .

كان عمار يسـمع هذا الهـراء ، وتتقطع أمعـاؤه ألمـاً ، ويقول في نفسـه : لم أكن اسكت لمدرس الفلسفة عندما كان يزور الحقائق في مادة علم الاجتماع السياسي  ، لكن لماذا يتكلم ، كان يرد على مدر س الفلسفة ليحفظ عقول الطلاب من التخريب ، أما هؤلاء فهم مخربون ، ولافائدة من الكلام معهم ، ألا ترى أنهم  (80 % ) من فئة معينة ، حتى أن بعضهم لايصلحون جسدياً ولافكرياً لدخول الكلية العسكرية ، ومع ذلك دخلوا وقبلوا لأنهم من هذه الفئـة ، والعشرون الباقية من أقليات معروفة ، أقل الأقلية من الطامعين في النجوم تبرق على أكتافهم ، وليذهب كل شيء بعد ذلك إلى الحجيم .

ـ ألا تسمع ألفاظ الكفر صباح مساء ، وتأكل وتشرب معهم ، ( يقول عمار لنفسـه ) .

ـ حتى الصلاة ياعمار أتظن أنها صحيحة كما تؤديها الآن : تصلي وأنت نائم في السرير ، تتوضأ خلسة في دورة المياه ، ثم ترقد في سريرك كالنائم ، وتصلي برأسك فقط ، وأحياناً تجمع الأوقات الخمسة قبل النوم ، وأحياناً تصلي الصبح على هذه الحال في وقتها ، وربما صليت الظهر والعصر واقفاً تومأ بعينيك فقط للركوع والسجود .

ـ لكن ماذا أفعل ... لو صليت مرة واحدة لوصلت السجن ثم الطرد من الكلية ...

*   *   *

سمع عمار كثيراً عن الحفلة الشهرية ، سمع بها من المتقدمين ، حيث سجلوا اسماء بعض المستجدين يحرمونهم من الحفلة الشهرية عقوبة لهم . وكانت الحفلة الشهرية تتردد على ألسنة الضباط وطلاب الضباط ، والجميع ينتظرها بفارغ الصبر .وأخيراً نادى المذياع :

ـ تقرر أن تكون الحفلة الشهرية اليوم من الثامنة مساء وحتى إشـعار آخر .

فردت أرجاء الكلية بهتاف الطلاب :

ـ النصر والمجد والخلود لحزبنا العظيم ، حزب البعث العربي الاشتراكي ، أمـة عربية واحدة ذات رسالة خالدة . أهدافنا : وحدة ، حرية ، اشتراكية .

وفي المساء سيق الطلاب إلى قاعة الاحتفالات الكبرى بالكلية ، وجلس المستجدون في أماكنهم بعيداً عن المسرح ، وعلقت صور الرفاق صلاح جديد ، وحافظ الأسد ، ومحمد أمين الحافظ . بلباسهم العسكري ، ورتبهم ونياشينهم ...

وقف الطلاب المستجدون والمتقدمون عندما دخل موكب الضباط ، بما فيهم الرائد ناصر الدين ناصر مدير الكلية الحربية ، وبعض المدنيين من قادة الحزب في حمص .

ثم انبعث من خلف الستارة صوت القانون يعزف ألحاناً مميزة ، قابلها الحاضرون بالتصفيق ، بينما انزاح الستار عن سميرة توفيق وفرقتها الموسيقية والراقصة . وبدأ الرقص والغناء . وصارت القبعات تتطاير في الفضاء طرباً بعد أن لعبت الخمرة بالرؤوس ، وتلاقت الكؤوس بصحة الرفيق حافظ ، والرفيق صلاح ، والرفيقة سميرة ... والرفيقة الراقصة ..

ورمى الرائد ناصر قبعتـه المزركشة إلى الرفيقة سميرة ، فوضعتها فوق شـعرها ، فتسابق المصورون ليلتقطوا الصور التاريخية لقبعة مدير الكلية العسكرية على شعر سميرة توفيق ...

وبين كل أغنية وأخرى تتوقف سميرة لتتحدث مع جلساء الصف الأول وتغمز لهم أمام طلابهم المستجدين والمتقدمين .

ـ قال الرائد ناصر : أنت مناضلة ومن الطبقة الكادحة يارفيقة سميرة .

ـ أنا تربية الحزب الثوري ، يا رفيق ناصر .

فيهتف الطلاب بصوت واحد : ـ عاش الحزب الثوري .. عاش .. عاش ..عاش ..

ثم يقول أمين فرع الحزب بلغة لاتكاد تفهم ـ ما اسم هذين يارفيقة سميرة ويشير إلى صدرها ؟

ـ هذه هي الطلائع الثورية يارفيق ..

يهتف الطلاب بصوت واحد : عاشت الطلائع الثورية ... عاشت ..عاشت ..عاشت ..

عاد عمار مع زملائه الطلاب إلى مهاجعهم بعد آذان الفجر ، بينما بقي الضيوف مع الضباط والسياسيين يكملون الحفلة . وقد توترت معدة عمار من رائحة الخمر ، ودخان السجائر ، ورائحة الكلمات العفنـة ، وما أن وصل إلى المهجـع ، حتى تقيأ ، ثم توضأ ، وصلى الفجر في سريره كالعادة ، وخطر في ذهنـه أن يعد الشـهور الباقية ، وبالتالي الآلام التي لابد منها حتى يصبح ضابطاً .

وهون الأمر عليه بعد دورة الأغرار يوما الخميس والجمعة ، حيث يخرج من ظهر الخميس حتى التاسعة من مساء الجمعة ليلة السبت ، يقضيهما خارج الكلية العسكرية ، يبدل ثيابه العسكرية بالمدنيـة ، ليزور محمود وسعيد ، تذرف عيناه بالدموع ، لتغسل ماعلق بها من الدرن ، ويقرأ معهم القرآن ، ويصلي كما كان رسول الله r يصلي ، ويغطي رأسه بالشماخ فيزور مسجد السلطان مرة كل شهر على الأقل ، يطيل الجلوس فيه ، ويكثر من الاستغفار .

وتمضي سنة ونصف ويتخرج عمار ضابطاً في الجيش العربي السوري .

- 4 _

انتهت إجازة التخرج من الكلية العسكرية، والجميع معجب بلباس عمار العسكري ، لباس المراسم العسكرية ، بقبعته الطويلة ، وريشاته الملونة ، بعد أن بدلت رتبة الطالب الضابط برتية الملازم ، وكانت النجمتان تتلألأن في أحلام طلبة القرية كلهم ، فمتى تنتهي المرحلة الثانوية ويلتحقون بالكلية العسكرية .

وكانت هاتان النجمتان تتلألأن أيضاً في أحلام فتيات القرية ، فمن هي المحظوظة التي سيخطبها الملازم عمار ، الذي صرح أنه لن يتزوج قبل أن يشبع حقـده من دم الصهاينـة الأنذال .

وفي اليوم الأخير من الإجازة ودع أهلـه ، وخرج معه رجال الأسـرة الكبيرة يودعونه ، ثم وصل دمشق حيث تسلم مهمة فرزه ( ضابط في الحرس الوطني ) .

كان الحرس الوطني في بداية الستينات يشكل حزاماً بين الجيش السوري وجيش العدو الإسرائيلي ، ومهمته الحراسة والإنذار ، وفي الحر س الوطني جميع العسكريين الذين لاتثق بهم السلطة السياسية في دمشق ، فتبعدهم عن العاصمة لتأمن شـرهم .

في الطريق بين دمشق والقنيطرة بدأ الملازم عمار يشعر بالمسؤولية ، بعد ساعات سيكون على بعد أمتار من العدو الصهيوني ، يرصد حركته وتنقلاته ، وعاد إلى ذهنـه ذكريات معسكر اللاذقية ، وواجب الحراسة وإيقاف الدورية ، ثم ابتسم وتذكر السنة الأخيرة في المدرسة الثانوية ، والساعات الطوال التي قضاها في مسجد السلطان يراجع دروسـه ويذاكر مواده ، حيث الهدوء والسكينة وطمأنينة النفس .

تذكر محمود ، ومحمد ، وسعيد ، ومصعب ، وبعض أفراد جماعته المباركة ، وكلهم الآن طلبة في جامعة دمشق ، ماعدا مصعب الذي تخرج ضابطاً طياراً هو الآخر .

حاول عمار أن يعود إلى الحاضر ، لكن صوت الشيخ مدرس التربيـة الإسـلاميةكان يرن في أذنيه ( مشكلة فلسطين لاتحلها إلا القوة ) ، وهـاهـو عمـار قد أعد نفسـه متمثلاً قول الله عزوجل ] وأعدوا لهم مااستطعتم من قوة ومن رباط الخيل [ . وقول رسول الله r [ المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ...] .

توقفت السيارة وهبط منها الملازم عمار ودخل أحد المكاتب في القنيطرة ، ثم عاد ومعه ضابط آخر برتبة نقيب وقد غابت الشمس وراء جبال الجليل الأعلى ، وتابعت السيارة سيرها ليلاً ، بدون نور ، باتجاه الخط الأول ، حتى تل العزيزيات حيث بقيت السيارة مع السائق في منخفض الوادي ، بينما صعد الضابطان قمة التـل .

هناك أوقفهم الحرس ، فأعطاه النقيب كلمة السـر ، وطلب منه إحضار المساعد قائد الفصيلة ، فجاء إليهما وتعارفا ، ثم دخلا معاً إلى الخيمة ، مقر قيادة الفصيلة ، حيث حفر متر ونصف في الأرض ، وبنيت الجدران بالحجارة السوداء ، ثم فرشت الخيمة فوقها بارتفاع نصف متر فوق سطح الجدران فقط ، ثم موهت الخيمة بالحشائش المزروعة حول الخيمة .

ـ نحن الآن في الحرس الوطني ، نعيش حياة أقرب إلى المدنية ، هذا في المعاملة بيننا ، أما مع العدو فتاريخ معاركنا يشهد لنـا ، ( قالها النقيب وهو يوزع نظراته بين المساعد قائد الفصيلة السابق والملازم عمار القائد الجديد ) .

ـ أرجو أن نفهم بعضنا جيداً ، الفصيلة هنا حرس وطني ، والملازم عمار متخرج تواً من الكلية العسكرية ثم من مدرسة المدرعات ، وسيبقى المساعد معك اسبوعاً ثم ننقله إلى قيادة فصيلة أخرى .

ثم أطل برأسـه من الخيمة وجذب عماراً من يـده وقال : مهمتنا هي رصـد العـدو جيداً والإعلام عن كل تغير في الموقف حالاً . ولدى هجوم العدو ، بعد أن تقوم الفصيلة بمهمتها في الإعلام ، تدافع عن نفسها ريثما تصل قواتنا ( الضاربة ) أو تشترك مدفعيتنا الثقيلة . وأحياناً نكلف بمهمات استطلاعية خلف خطوط العدو .

أما جولـة الأفق ياملازم عمار : ذلك هو الجليل الأعلى ، وتلك نجمة الصبح ، عن يميننا القطاع الشمالي  ، ونحن في الوسط ، وعن يسارنا القطاع الجنوبي ، ومياه الحمـة الدافئـة ، وهذه الأحواض بحيرات يربى فيها السـمك ، ويستخدمونها كمانع مائي يعوق تقدم جيشنا لتحرير أراضينا ، وتلك هي مياه بحيرة طبريا التي طالما سمعت بها .

ـ نعم ، وقد زرت الحمـة وأنا طالب في المرحلة لثانوية ، وتعرفت على الخط الأول ، من نهر بانياس وحتى الحمـة ، مروراً بتل العزيزيات الذي نقف عليه الآن .

ـ حسناً سانصرف أنا ، وأتمنى لك حظاً سعيداً . فوقف عمار باستعداد وأدى التحية العسكرية بجد واهتمام كما تعود في الكلية ، فتبسم النقيب وهو يرد التحيـة وقال : مازلت تؤدي التحية تحية المراسم في الكلية ... إلى اللقاء ياملازم عمار .

مضى الأسبوع الأول ، وقد تعرف الملازم عمار على فصيلته وتعرف على الأرض جيداً ، وعرف مهمته وموقعه ، ثم غادر المساعد سلمان الموقع ، وآخر ماقاله : هل من خدمة أقدمها لك ياسيدي الملازم ؟

ـ نعم ، أريد بيتاً في دمشق ، أقضي فيه إجازاتي القصيرة .

ـ سأتصل بك هاتفياً وأخبرك عن عنوان البيت . مع السلامة .

*     *     *

دخل النقيب مكتب قائد الكتيبة (315) من الحرس الوطني فحيا وقال :

سيدي منذ أسبوع فـرز إلينا ملازم مدرعات اسمه عمار ، تبدو عليه علامات الرجولة ، وضعته قائد الفصيلة الأولى من السرية الأولى .

ـ أجاب قائد الكتيبة : إذن يمكننا الآن التأكد من حقيقة الأسلحة في المربع (20) هل هي مدافع حقيقية أم تمـويه فقط !؟

ـ نعم ، أعتقد أنه أهل لذلك .

ـ إذن بلغه المهمة .

ـ ملازم عمار ، عندك مهمة يمكنك تنفيذها خلال يومين ، انظر ، هل ترى تلك الأسلحة ، ماهي ؟ مدافع كما تقول الخريطة .

ـ لسنا متأكدين . ونريد التحقق من ذلك .

ـ يمكننا الوصول إليها ليلاً .

ـ هذه هي المهمة ، ادرس الموقف جيداً ، ولاتنس حقول الألغام الصديقة ، والمعادية ، فهي حسب الخريطة تماماً ، وعندما تعزم اتصل بي هاتفياً وقل لي ( س = كذا ) أفهم أنك ستدخل الخطوط الساعة كذا مساء ذلك اليوم .

ـ حاضر سيدي النقيب .

انتقى الملازم عمار رقيباً واحداً من فصيلته ، وخيره مرافقته أو عدمها ، ففرح الرقيب وسـر بمرافقته ، عندئذ شـرح لـه عمار المهمة ، وقبل أن يتصل عمار بالنقيب دق جرس الهاتف ، وإذا المساعد سلمان يطلب الملازم عمار ويقول له : شارع بغداد ، الجادة رقم (15) المنزل رقم (200) ، قل لهم بعثني المساعد سلمان .

ـ شكراً يامساعد سلمان ، ثم قال ضاحكاً : شارع بغداد أم المربع رقم (20) .

ثم طلب النقيب وقال له ( س = 10 ) .

ـ قال الرائد قائد الكتيبة للنقيب : استنفر فصيلة المغاوير لتتدخل إذا لزم الأمر .

أخذ النقيب سماعة الهاتف وقال : آلو ملازم فريد : سحاب ، سحاب ، سحاب ، قد تتدخل باتجاه المربع (20) .

ـ حاضر سيدي النقيب .

تسلل الملازم عمار يتبعه الرقيب ، بأحذيتهم الخفيفة ، وبنادقهم الرشاشة فقط ، تحت جنح الظلام ، لولا أن القمر في المحاق يبعث أشعة تنعكس على صفحة المـاء في مزارع السمك ، فتبدو كالفضة النقيـة ، وسكون مطبق يقطعه أزيز حشرات الربيع ، ورائحة الأزهار تملأ الأنوف عطراً ، وبعد ثلاثة أرباع الساعة من الصمت المطبق وصلوا الهدف ، فافترشوا الأرض لعلهم يسمعون أو يشمون أثر البشر ، لكن دون جدوى ، فتابع الملازم عمار زحفـه حتى لامـس سبطانة المدفع الورقـي ، وتأكد أنه من الورق المقوى ، نهض واقفاً ودار مع زميله حول وحدة المدافع الورقية ، ثم عادوا من حيث أتوا .

وما أن وصل حتى أخذ سماعة الهاتف ليطلب النقيب ، وإذ يسمع :

ـ النقيب معك ، الحمد لله على السلامة .

ـ هذه مدافع ورقية ، لم نجد غير الورق ، وحتى المحرس يغلب على ظني أنه فارغ .

ـ أحسنت ياعمار .

بدأت تمر الأيام ، وعمار يحلم بالبيت في شارع بغداد ، يجتمع فيه مع محمد ومحمود ، وقد التحقوا بجامعة دمشق ، وذات يوم قال له النقيب :

ـ ملازم عمار ، غريب أنت لاتطلب إجازة !!؟

ـ مازلت غـراً ، ياسيدي ...

ـ لا أنت مقاتل شجاع ، ولك ثلاثة أيام إجازة ، تقضيها في دمشق الفيحاء ، تكحل عينيك قبل أن تـرمـد ، وأنا خايف على عينيك من الرمـد ياعمار ( ويسرق النظر إلى عمار ) الذي احمر وجهه خجلاً وأطرق إلى الأرض .

ـ أريد غرفة في دمشق أقضي فيها إجازاتي القصيرة ، ياسيدي .

ـ عليك بالمساعد سليمان ، فهو سمسار ممتاز ... ( قالها وهو يكبح ضحكة كادت أن تنفجر ) .وهذه إجازة ثلاثة أيام موقعة من الرائد ، سلم على شارع الروضة وبنـاتـه ..

وصل الملازم عمار إلى دمشق ، مزهواً بلباسـه الممـوه ، وحذاءه المميز والخفيف ، ودماء الشباب المتدفقـه في عروقـه ، وأحلام المستقبل الواسعة ، وهذا هو شارع بغداد ، والجادة رقم (15) والبيت رقم (200) . هذا هو الجرس ، ماذا سأقول : بعثني المساعد سليمان .

وبعد ساعات تم استئجار هذه الغرفة ، لها باب مستقل ، ومنافع مستقلة ، بثلاثين ليرة سورية في الشهر فقط ، صاحب الدار رقيب في المخابرات الخارجية .

- 6 –

مرت شهور وعمار يتردد بين تل العزيزيات ، وشارع بغداد ، وبعد هذه الشهور قابل صاحب البيت ، ( أبا محفوض ) رجل في الأربعينات ، متشائم دائماً ، يدخن في اليوم اكثر من علبتين من السجائر ، تقرأ في عينيـه ألم وحرمان مؤلمين ، وبعد انصرافهم من السهرة ، وقبل أن يغفل عمار سمع ضرباً وسباباً ، وسمع أم محفوض تبكي وتشتكي إلى الله  أن ينتقم منه ..

في الصباح قال له أحد الجيران وهو عائد من صلاة الصبح :

ـ سمعت المعركة الليلة الماضية ؟

ـ أين في القطاع الأوسط ؟؟ قالها عمار بخوف !!

ـ لا ، ياسيدي عند جيرانك ، ماسمعت الضرب والسب والشتم ، هذه عادتهم ، منذ أن سكنوا هنا . يسكر ويضرب زوجته .

ـ يسـكر !!؟

ـ وربما يحشش أيضاً ، هذا الرجل مستودع مشاكل يالطيف ، عقيم لايخلف أولاد ، والحياة عنده جحيم لاتطاق ...

ـ ألايصلي !!

ـ غريب ... وكمان تقول مابيصلي ، أقول لك هذا ( ...) وتقول مابيصلي ..!!؟

*   *   *

وذهب عمار في أول إجازة إلى القرية ، كانت باللباس المدني ، فقد زهد في النجوم والنياشين ، بعد أن عرف حقيقتها ، وصل القرية وقابلته أمه بالأحضان ، تقبل وجهه وشعره ، وكتفيه ، وتدور حوله تكاد ترقص من الفرح ، لقد أصبح ولدها ضابطاً ، واجتمع أهل القرية يسلمون عليه ، ويشربون الشاي عنده ، وفي المسـاء كانت الوليمة التي أعدها أبو عمار ، خروفاً مقطعاً فوق صواني البرغل ، يتوسطها الرأس واللية ، وقد غمست بالسمن البلدي ، ثم أكل أهل القرية ابتهاجاً بوصول الملازم عمار ، ومع كؤوس الشاي قال المختار :

ـ كيف أحوال الجبهة ياعمار ؟ متى نرتاح من اليهود ؟

ـ اليهود هياكل ورقية فارغة ، ولن يصمدوا أمامنا سوى ساعات قليلة .

وقال آخر :

ـ وإلى متى تصبرون ؟

ـ فأجاب أبو عمار : القضية معقدة ياناس ، ليست كالقديم تهجم خيول الموالي وتعود سالمة ، اليوم أمريكا وبريطانيا وفرنسا ، وحتى الروس لايرضوا أن نقضي على اليهود  .

ـ كيف يعطونا سلاح ولايرضوا أن نقضي على اليهود ؟

أجاب أبو عمار : ـ يعطوننا أسلحة دفاعية ، وليست هجومية ، بأثمان باهظة .

ـ لكن أمريكا تعطي إسرائيل أسـلحة حديثة وممتازة .

عندئذ تكلم عمار :

ـ والله ياجماعة الخير ، ليست المشكلة مشكلة أسـلحة ، المشكلة مشكلة رجال .

ـ يعني مائة مليون عربي مافيهم رجال ..!!؟ ( قال المختار ) .

ـ لا فيهم كثير ولكن بالسجون والمعتقلات والمنفى . وفي هامش الحياة .

ـ أبو فارس : جيشنا فيه رجال يعجبونك ياعمار .

ـ نعم يعجبونك في شارع الروضة ، وشارع بغداد والحميدية ..وضحك الجميع مع انفضاض السهرة ، ووضع عمار رأسـه على الوسادة وأكمل الحوار الذي خاف أن ينقل كلامه للمخابرات العسكرية .. خاف أن يقول لهم :

ـ الحرس الوطني فيه خيرة رجال الجيش العربي السوري ، ولذلك وضعوه في فـم العدو ، يحموا به الجيش العقائدي الذي فرغ لحماية العاصمة دمشق من الانقلابات العسكرية ، وهذا الحرس الوطني يه رجال منحرفون وغير أسوياء ، وأغلب الذين يؤدون الخدمة الوطنية ينتظرون الفراغ منها بفارغ الصبر، ويعدون الأيام للخلاص منها ، لما يلاقونه في الجيش من طبقية وعنصريـة وطائفية ، يعاملون بها ، وتذكر العقيد قائـد دورة المدرعات كيف وصاهم عند التخرج :

ـ أوصيكم بالحذر من ضباط الصف ، إنهم نوع رديء من البشر ، لامكانة للكرامة والاستقامة عندهم .

وتذكر عمار أن الفارق بين الضابط والعسكري كالفارق بين الفلاح والقيصر ، وأن هذا الجيش لم يهيأ لتحرير الأرض ، وإنما أعـد للمحافظة على كرسي الحكم في دمشق فقط .

وفي العودة من صلاة الفجر قال أبو عمار :

ـ هل تدرك الفجر هناك يا عمار ؟

ـ نعم ، هناك الفجر سـاحر يا والدي ، وأربع ساعات من النوم تكفي مهما كنت تعبـاً .

ولأن الجولان هضبة مرتفعة هواؤها نقي جداً ، وقد تذكرت البادية ، كيف كنت أنام فيها ساعات قليلة تكفيني بسبب الهواء النقي .

ـ وهل يصلي العسكر عندكم ؟

ـ بعضهم ، وبعضهم صار يصلي الآن ...والحمدلله .

ـ إيـه يابني ، اليهود يلزمهم صلاح الدين ، والعز بن عبد السلام ، يلزمهم رجال يحبون الموت كما يحب رجال اليوم الحياة ، أما إذا كان الرجال مثل فلان وعلان ، فهؤلاء لايحررون شيئاً .

- 7 –

انقضت الإجازة بسرعة كغيرها من الإجازات ، وعندما رجع إلى دمشق ، تمنى لو أن عنده ثياب عسكرية ، كي لايمر إلى بيته في شارع بغداد ، فقد صار يزداد توجساً من هذا البيت ، ومن المساعد سلمان سمسار البيوت ، وضحكات النقيب المكتومـة ... وواقع الحال الذي رآه في بيت أبي محفوض ..

ووصل إلى نادي الضباط ... ماراً بشارع البرلمان ، وشعر أن دمشق تبهره أكثر من الماضي ، وفي النادي انضم إلى إحدى مجموعات الضباط الصغار أمثاله ، ومن أبناء دورتـه في الكلية الحربية ، حول طاولة نظيفة وسط حديقة غنـاء تلمع فيها الأرض والنجوم والأحذية ، حتى وجنات الضباط الصغار تلمع مشبعة بالحمرة ، وشعورهم تلمع أيضاً مشبعة بزيت الشـعر والعطـر .

ويروح ويغدو وسطهم خدم من الجنود الدمشقيين ، أبناء التجار الكبار ، الذين يفرزون إلى الخدمة في نادي الضباط بدلاً من الخدمة في الجولان ، حيث يقضون ساعات في النادي وساعات مثلها عن ذويهم في البيت .

ثيابهم النظيفة ، وشعورهم الطويلة والمسرحة اللامعة  ، تجعلك تتصور قصور العباسيين في بغداد ، والقياصرة في موسكو . لكن سرعان ماتبدو لك المفارقة الكبيرة ، بين العباسيين سادة الدنيا يومذاك ، والسوريين الشعب الضعيف اليوم ، ومع ذلك قصور اليوم تضاهئ قصور الأمـس ، وربما تتفوق عليها . وسط ذلك كله مال عمار على أذن أحد زملائه وهمـس :

ـ هل عندك بدلة عسكرية استعيرها منك هذا الأسبوع ؟

ـ أين لباسك ياملازم عمار ؟

ـ لايوجد لدي الآن ، ولدي شعور قوي يدفعني إلى الالتحاق بالقطعة مسرعاً .

ـ غريب ..!! وعجيب ؟..!! من يترك دمشق تلهو مع كذبة أول نيسان ...!! ويذهب إلى الحنادق في الخط الأول ..!!؟

ـ دمشق ليست لي ولك أيها الزميل الضابط ، دمشق للغواني والخدم ، أما نحن فلنا صهوة الدبابة .

ـ ضحكوا ملء أشداقهم ... وقال أحدهم أفكارك قديمة في كل شيء . كلامك هذا  صحيح في غابر الأزمان ، أما اليوم فالعسكري إنسان يجب أن يعيش الحياة بكل فنونها ، ولذاتها ، حتى إذا قاتل يعرف أنه يقاتل عن شيء ثمين يستحق القتال .

ـ ضحك عمار وقال :

عن أي شيء يقاتل !!؟ عن الدنيا !!؟ لا .. أيها الزملاء ، الدنيا كلها لاتستحق أن يقاتل الإنسان من أجلها ، لاتستحق أن يبذل الإنسان روحه من أجل الدنيا ، ألا ترون التناقض واضحاً ، يبذل روحـه من أجل الدنيا ، فيخسر الدنيا التي بذل روحه من أجلها ..!!؟ كيف تضحي بشيء تعيش أنت من أجله ... !!؟

ـ لماذا إذن يبذل الإنسان روحه ؟

ـ من أجل الآخرة ، وفيها جنة النعيم ، فيها مالاعين رأت ، ولاأذن سمعت ، ولاخطر على قلب بشر .. وماكاد يقول عمار ذلك حتى ضحكوا جميعاً ، ثم سكت بعضهم متعجباً من سخونة الحوار ثم قال أحدهم :

ـ هذه أسـاطير الأولين ، لا أظن قائداً اليوم يستطيع أن يدفع عسكره إلى الموت من أجل الجنـة .

ـ إذن كيف يدفعهم إلى القتال !!؟

ـ من أجل الدنيا .. بعد أن يذيقهم حلاوة الدنيا ... ولذلك يجب رفع المستوى المعيشي للعسكري ، انظر هل يليق هذا النادي بالضباط !!؟ إنه لايصلح حتى لضباط الصف([2]) .

المفروض أن يكون للضباط ناد يليق بهم ، ولضباط الصف ناد آخر ، وللجنود نوادي أيضاً يقضون فيها أوقات فراغهم ، حتى يعرفوا أن الحياة لذيذة تستحق الدفاع عنها .

قاطعهم ضابط قائلاً :

ـ دعونا من ذكر الموت والحياة ، عمار سمعنا أنك استأجرت بيتاً مستقلاً ، وأنك زاهد فيه ، هل تعطينا إياه ونعطيك خلو رجل ..؟

ـ صمت عمار ... وحدث نفسه هل يتخلص من أبي محفوض وزوجته ، وينجو بريشه ، لكن لو أعطاه لهؤلاء الأشقياء .. ألايكون قد ساعد في الجريمة .. وعليه وزر منها .. فكر صامتاً ... ثم قرر أن يترك هذه الغرفة مغلقة على اسمه ، ويدفع أجرتها خير من تسليمها لغيره فتكون وكراً للشيطان وجنوده .

*    *    *

تأزم الموقف العسكري بين العرب والصهاينة ، ودمشق تعلن المرة بعد المرة عن حرب التحرير الشعبية ، وعن جاهزية القوات العربية السورية ، مثل مانشرت جريدة البعث والثورة في ( 17/5/1967م ) قالتا فيه : إن القوات المسلحة في الحمهورية العربية السورية ، أصبحت في كامل استعدادها ، تدعمها قوات الجيش الشعبي التي احتلت مكانها وفق المخططات الدفاعية .

وفي يوم (23/5/1967م ) وصل الدكتور يوسف زعين ( رئيس مجلس الوزراء ) إلى القاهرة ومعه اللواء أحمد سويداني وصرح : ليس هناك أي داع للحديث ، فنحن قادمون من أجل الحرب .

وبنفس اليوم صرح العقيد أحمد المير قائد الجبهة ([3]): إ، الجبهة اصبحت معبأة بشكل لم يسبق له مثيل من قبل ، وإن العرب لم يهزموا في معركة (1948م) من قبل الإسرائيلين ، بل من قبل حكامهم الخونة ، وهذه المـرة لن نسمح لهم أن يفعلوا ذلك .

وفي يوم (20/5/1967م ) أدلى اللواء حافظ الأسد وزير الدفاع وقائد السلاح الجوي بالتصريح التالي : ( ... إنه لابد على الأقل من اتخاذ حد أدنى من الاجراءات الكفيلة بتنفيذ ضربـة تأديب لإسرائيل تردهـا إلى صوابها ... إن مثل هذه الاجراءات ستجعل إسرائيل تركع ذليلة مدحورة ، وتعيش جواً من الرعب والخوف ، يمنعها من أن تفكر ثانية في العدوان ، إن الوقت قد حان لخوض معركة تحرير فلسطين ، وإن القوات المسلحة السورية أصبحت جاهزة ومستعدة ليس فقط لرد العدوان ، وغنما للمبادرة في عملية التحرير ونسف الوجود الصهيوني من الوطن العربي إننا أخذنا بالاعتبار تدخل الاسطول السادس الأمريكي ، وإن معرفتي بامكانياتنا تجعلني أؤكد أن اية عملية يقوم بها العدو هي مغامرة فاشلة ، وهناك إجماع في الجيش العربي السوري الذي طال استعداده ويده على الزناد ، على المطالبة بالتعجيل في المعركة ، ونحن الآن في انتظار إشارة من القيادة السياسية . وإن سلاح الجـو السـوري تطور تطوراً كبيراُ بعد (23/2/1966م) من حيث الكمية والنوع والتدريب ، ,اصبحت لديه زيادة كبيرة في عدد الطائرات ، وهي من أحدث الطائرات في العالم ، كما زاد عدد الطيارين وارتفع مستوى التدريب ) .

وفي يوم (29/5/1967م) وفي اجتماع طارئ للمحامين العرب في دمشق ، قال الدكتور يوسف زعين  رئيس وزراء سوريا : ( إن انحناء إسرائيل أمام الرد العربي الحاسم الآن ، يجب أن لافسر على أنه انتصار نهائي عليها ، فهو ليس إلا بداية الطريق لتحرير فلسطين ، وتدمير إسرائيل ... إن الظروف اليوم هي أفضل من أي وقت مضى لخوض معركة المصير العربي ، وقال إن الشعوب العربية ستحاسب كل من يتخاذل عن الواجب ، وقال : إن المسيرة إلأى فلسطين هي المسيرة إلى إسقاط الرجعية العربية والاستعمار والصهيونية إلى الأبـد ) .

دق جرس الهاتف وطلب النقيب عماراً : ـ سنذهب بعد قليل إلى دمشق نستع إلى محاضرة العقيد أركان حرب مصطفى طلاس حول الموقف العسكري الراهن . وهناك في سينما السفراء اجتمع مئات الضباط ، ونجومهم تلمع ، ونسورهم تحلق  وترفرف ، وتتلألأ أوسمتهم وهي تعكس ضوء المصابيح أحلى من اساور الذهب في سواعد الحسان .

صعد ملازم طويل الشعر ، أهيف القوام ، غض البشرة ، يتمايل على المنصـة كغصن بان تداعبه النسمات ، وعلق مصوراً كبيراً يشمل منطقة الشرق الأوسط كلها ، ثم أخذ المذياع وقال :

باسم شهدائنا الأبرار ، الذين سقطوا على الدرب من أجل فلسطين ، نفتتح هذه الندوة ونستمع إلى سيادة العقيد أركان حرب مصطفى طلاس قائد اللواء المدرع الخامس ، فليتفضل مشكوراً .

دوت القاعة بالتصفيق ، رشـاً  ثم دراكاً ، منتظم وله قائد ( أوركسترا ) ، ومجموعة من المتسلبطين يجتمعون في زاوية من القاعة ، ويقبضون أجرتهم آجلاً أو عاجلاً من أسيادهم .

ووسط هذا التصفيق المنتظم ، تقدم العقيد مصطفى طلاس ( أبو فراس) بثيابه المموهة ، وحذائه الخفيف، ممشوق القامة ، وسيم المنظر ، جاء من الممر في وسط القاعة ليواجه المنصة من منتصفها ثم يقفز فإذا هو فوق المنصة ، فزاد التصفيق والإعجاب بالبطولة والشجاعة و ( قوة السيقان ) ، وعلت الهتافات : حرب التحرير الشعبية ، طريقنا نحو النصر ، لقاء القوى التقدمية طريق النصر ، سندخل فلسطين بعد دك قصر العمالة في عمان ، سنطبق على اليهود فم الكماشة ونرميهم في البحر ...

وأبو فراس يفتل شاربيه الشقراوين ، ثم أشار لهم أن يسكتوا وبدأ الكلام :

ستنطلق القوات العربية من مصر وأشار بعصاه إلى سيناء ، وتجتاز الصحراء والحدود في يوم واحد ، تكون قواتنا قد انتهت من قصر العمالة والخيانة في عمان .

وفي اليوم الثاني :    ـ تتجه قواتنا غرباً ، بينما تتجـه القوات المصرية شرقاً ، ومهما قاوم الصهاينة فهم أنذال ، وفي اليوم الثالث سوف ينطبق فكا الكماشة ونقضي على الصهاينة و ....  فسبقه الحاضرون وقالوا ...ونرميهم في البحـر .

وعلا الهتاف بالحياة والخلود لرسالة البعث العظيم ، وللجيش العقائدي البطل ، وسادت حالة من الفرح والنشوة بينما وقف ضابط كبير في الصف الأول شاب شعره وتكاثرت النجوم على كتفيه وقال :

وفي اليوم الرابع سنلتقي على شواطئ حيف ، وهناك يتعانق اللحن السوري مع الرقص المصري ، وكؤوس الراح والنغم والوجه الحسن ، وسنسهر حتى الصباح .

تدخل آخر وقال : ـ أول راقصة ستحيي الحفل هي ملكة هـز البطون ( سهير زكي ) .

علا التصفيق والهتاف بالخلود لأمتنا العربية وجيشها البطل ، ووسط هذا الهتاف ، صاح أحدهم : ـ نحن من أنصار ( نجوى فؤاد ) .

وقطع ذلك كله ملازم بدا أنه ثقيل الدم ، لم يطرب كالآخرين ، وبدا أنه متشائم ، إنه الملازم عمار تقدم وقال : ـ الملازم عمار من الحرس الوطني سيدي العقيد : ـ السؤال سيدي نسمع أن أمريكا لن تتخلى عن إسرائيل ، فهل يسمحون لنا بإطباق فكي الكماشة عليهم دون أن يتدخلوا ، وهل نستطيع الاستمرار بالحرب إذا تدخلت أمريكا ؟

ـ احمر وجه العقيد أبي فراس واكفهر ، وأخذ العصا وضرب بها الجدار بعنف ضربات متتالية ثم قال : هل ترى هذا الجدار ياملازم ؟ رأس عبد الناصر اكثر صلابة من هذا الجدار ، ولايمكن أن تخيفه أمريكا ، ولا العالم أجمع ، وبالتأكيد سيستمر بالهجوم حتى لو تدخلت أمريكا ، ونحن معـه .

وعلا الهتاف : أمة عربية واحدة  .... ذات رسالة خالدة . أهدافنا : وحدة . حرية . اشتراكية

- 8 –

استيقظ محمد على الخامسة صباح يوم الاثنين (5/6/1967م) فصلى الفجر في المسجد ، ثم عاد إلى بيته يستعد للامتحان ، بينما صلى سعيد في البيت ليعود إلى النوم بعد الصلاة .

وفي العاشرة صباحاً قطع راديو صوت العرب من القاهرة برامجه ليذيع النبأ بصوت أحمد سعيد : وخلاصته أن قوات إسرائيل بدأت تهاجم مصر منذ الصباح ، وتلاه راديو دمشق الذي قطع برامجه أيضاً وكرر إعلان مصر ، ووضع المارشات العسكرية .

وكان صوت أحمد سعيد مجلجلاً بقوته الجهورية  يقول : زحفت قواتنا المظفرة على طول الجبهة صباح هذا اليوم ، وزحفت القوات السورية والأردنية كذلك ، وسوف تلقتقي القوات العربية بعد ساعات قلائل في تل أبيب ، ونرمي اليهود في البحر .

هز محمد سعيداً من كتفه وقال : ـ انهض ، اسمع راديو القاهرة ، بدأت الحرب ، زحفت الجيوش العربية على إسرائيل . ـ هيا هيا إلى الجامعة نرى ماذا يجري فيها .

وفي الطريق شاهدوا الناس يسرعون إلى المتاجر يشترون المواد الغذائية ، فدهش سعيد ، كيف يفطن هؤلاء للطعام في يوم الثأر العربي المنتظر منذ عشرين عاماً ، بعد نكبة (1948م) .

في نادي طلاب جامعة دمشق ، تجمع الطلاب يسجلون أسماءهم لدى المقاومة الشعبية ، للحصول على السلاح للدفاع عن المدن ، لأن الجيش سيتفرغ لجيش العدو على الحدود . وبين الطلاب المتجمهرين دارت وعود :

ـ الجمعة القادمة سنسكر على ساحل حيفا ، وسنبقى حتى الصباح مع الكاس والطاس والرقص مرحاً بالنصر .

*      *     *

طمأنت إسرائيل حكومة البعثيين أنها لن تتحرك نحو سوريا إذا لم تتحرك سوريا نحوها ( كما يقول أحمد أبو صالح ) ، واستخدمت كل طائراتها تقريباً لتحطم القوة الجوية المصرية ، بعد أن استطاع الجاسوس الاسرائيلي ( باروخ ماندل ) أن يسـكر ( 400) طيار مصري انفضوا من حفلة السـكر والعهر قبيل وصول الطائرات المقاتلة الاسرائيلية بقليل ، حيث قامت الشرطة العسكرية المصرية بتفريق الحفلة المشبوهة أصلاً في أنشاص ، وفي بير ثمادة الرابعة صباح الخامس من حزيران ، وفي الخامسة كانت الموجة الأولى من الطائرات الاسرائيلية تدمر الطائرات المصرية على مدارجها ، وتعطل مدارج المطارات . وخلال ست ساعات ( 5 ـ 11) انتهت اسرائيل من تدمير سلاح الجوي المصري ، ولم تترك لحماية سماء اسرائيل سوى اثنتي عشرة طائرة .

يقول الملك حسين في كتابه ( حربنا مع اسرائيل ) : في التاسعة والنصف صباحاً اتصلنا بالسوريين لنشن هجوماً على مطارات العدو ، ونعترض طائراته العائدة من مصر بدون ذخيرة ، وبآخر قطرات الوقود ، ولكن السوريين قالوا لنا :

أنهم بوغتوا بالأحداث ، وأن طائراتهم ليست مستعدة ، وأن مطاراتهم تقوم بالبرنامج التدريبي اليومي ، وطلبوا منا إمهالهم نصف سـاعة ،ثم عادوا وطلبوا إمهالهم ساعة كاملة ، وفي العاشرة والخامسة والأربعين كرروا الطلب نفسـه فوافقنا ، وفي الحادية عشرة ( !!!!) لم يعد يمكن الانتظار ، فأقلعت الطائرات العراقية وانضمت إلى سلاحنا الجوي،لتسهم في المهمة ، ولذلك لم تبدأ عملياتنا الجوية إلا بعد الحادية عشرة ( أي بعد أن فرغ الطيران الصهيوني من القضاء على السلاح الجوي المصري ) .

يقول الملك حسين :

لقد فوت علينا تأخر الطيران السوري فرصة ذهبية تاريخية كاد يمكن أن تقلب سير المعركة وتغير وجه التاريخ ، فلو بدأنا الهجوم الجوي على مطارات الأرض المحتلة في العاشرة صباحاً لاعترضنا طائرات العدو العائدة من مصر فارغة من الذخيرة والوقود ولأسقطنا منها أعداداً كثيرة ، ودمرنا مدارج هبوطها ، تغير سير المعركة .

ويتابع الملك حسين : الزمن وحده سيكشف تفسيراً لأمور عديدة ، أما ما تأكد لنا : هو أن الطيران السوري ( كان حافظ الأسد قائداً لسلاح الجو ووزيراً للدفاع ) ، تأكد لنا أن الطيران السوري لم يكن جاهزاً للحرب صباح الخامس من حزيران . ولذلك كانت حسابات اسرائيل صحيحة عندما لم يتركوا سوى اثنتي عشرة طائرة لحماية سـماء اسرائيل !!!؟

وفي الثانية عشرة ظهراً قامت الطائرات السورية بأول وآخر هجوم ، نفذته على مصفاة حيفا ، واستطاعت الطائرات الإسرائيلية أن تدمر مدارج الطائرات السورية ظهر ذلك اليوم .

- 9 –

كان عمار يطارد النوم طوال الليل ، يدفعه شعور غريب ولذيذ ، يبشره بأنه سينتهي من هذا المأزق ، ويعود إلى حياة جميلة ، يصلي فيها كما يحب ، ويطيل السجود كما كان يفعل في مسجد السلطان ، ويجدد الوضوء بين الفينة والأخرى متلذذاً بالعبادة .

لقد عوض له الحرس الوطني بعض ماتمناه ، ففيه الصلاة ليست مشكلة ، يصلي مايحب ، لأن الحرس الوطني كله من الذين يخاف النظام منهم ، لذلك أبعدهم نحو الخط الأول ، وكان عمار يكثر من الصلاة في الحرس الوطني ، يقضي فيها صلاة الكلية العسكرية ـ إن لن تقبل منه ـ

ترك خيمته آخر الليل ، لينظر إلى الأرض المحتلة تتلألأ فيها الأنوار ، بينما يخيم الظلام على الجولان ، تلك طبريا ، ونجمة الصبح ، والجليل الأعلى ، ومزارع السمك ، وكأنه يسمع صهيل خيل صلاح الدين ، وهي تمـر إلى حطين ، ثم التفت شرقاً فرأى مياه اليرموك تتدفق وتنصب في نهر الأردن ، وهناك على سطح اليرموك انهزم الروم وغرق منهم ألوف في مياه النهـر .

كانت تلك النسمات عليلة صباح الخامس من حزيران ، عندما سمع المؤذن في كفر قاسم يدعو للصلاة ، فعاد إلى الخيمة يصلي ، ثم يدعو الله بالنجاة من النار ، ثم جلس يستمع إلى القرآن الكريم في الصباح ، وينتظر الأخبار .

دق جرس الهاتف فأمسكه عمار :

ـ أنا النقيب ، عمار انشر الفصيلة ، وراقب جيداً ، وبلغ عما تراه في الحال .

ـ حاضر ، سيدي النقيب .

خرج عمار من خيمته ، ونادى فصيلته ، كي تتوزع على الخنادق ، بلباس الميدان الكامل ، وقبل أن يعود إلى خيمته مـرت الميراج عائدة من قصف أهداف لها في سوريا . تبعتها رشقات المدفعية الثقيلة السورية على مزارع السمك ، وعلى الخط الأول الصهيوني .

وبسبب الموقع الجغرافي كانت المدفعية السورية فعالة ومسيطرة على الأرض المحتلة المواجهة للجولان ،

وكان الجولان يسمى ( خط ماجينو) ، تشبيهاً بدفاعات حصينة جداً خلال الحرب العالمية الثانية ، فالجولان هضبة ، والأرض المحتلة المواجهة له منخفض فيه بحيرة الحولة ، وبحيرة طبريا ، وهذه الهضبة يصعب تسلقها من جهة الجنوب ، لأنها شديدة الانحدار ، بينما ترتفع تدريجياً من الشمال ، فمن يأتي من دمشق إلى القنيطرة ويتابع إلى الحمة لايشعر بالارتفاع ، لأنه يصعد بالتدريج ، وقبيل الحمـة تنخفض الأرض بشكل حاد ، مما يجعل الطريق إلى الحمـة من المنخفضات الصعبة جداً ، وربما لايوجد في سوريا طريق أكثر انحداراً منه ، ومن شـدة الانحدار، كنا نلبس الصوف قبل أن نبدأ بالمنحدر ، ثم خلعنا الصوف والقمصان الخارجية عندما صرنا في وادي الحمــة عندما كتب لنا أن نزورها في عام (1964م) . هذه الطبيعة الخاصة بالجولان جعلت اختراق القوات الصهيونية للجولان أمراً بالغ الصعوبة .. كما كانت المدفعية السورية مسيطرة على الموقف ، ترهب قوات العدو ومستعمراته والمستوطنين فيها ، وفي كل بيت من المستوطنات فيه ملجأ تنام فيه الأسرة يومياً خوفاً من المدفعية السورية ، وهذا ما جعل اليهود في العالم يتكاتفون من أجل ضم الجولان إلى الأرض المحتلة .

واستمر قصف المدفعية طوال الأيام ( 6 ، 7 ، 8 ) حزيران ، أنزلت خلالها آلاف الأطنان من المتفجرات على الأرض المحتلة ، وقد استمرت الحرائق في بعض الأماكن لمدة خمسة أيـام .

ـ ألو عمار : أنا النقيب : ستدخل قوات صديقة ، من الثغرات المقابلة لكم ، راقب جيداً وأعلمنا حالاً .

ـ حاضر سيدي النقيب .

ومرت القوات الصديقة وهي اللواء ( 123) احتياط ، واللواء (80) احتياط ، حيث كلف الأول بجبهة ( 5 ـ6 ) كلم ، وكلف الثاني بجبهة (9 ـ 10 ) كلم . وهذان هما ألوية النسق الأول ، عبارة عن ألوية مشاة احتياطية جمعت على عجل وزجت في المعركة وكان واجبها الأول تحرير مدينة صـفد .

عجب ودهش عمار وهو ضابط مدرعات ، أين اللواء السبعين !!؟ أين الفرقة الأولى !!؟ والتاسعة !!؟ أين الدبابات 54 ، 55 ) .

لماذا يزج بهذه القوات الاحتياطية التي تجهل مايجري حولها!!؟؟ هذه القوات التي جاءوا بها من الحياة المدنية إلى القتال مباشرة !! ما عسـاها تفعـل !!؟

نظر عمـار حولـه وقد وضعت النقاط على الحروف أمامـه بشكل واضح ، إنها خيانة سافرة ، إنها لعبة قذرة ، مـد يـده ونزع رتبتـه ورماها على الأرض ، وداسها بقدمية عدة مرات ، لأنهما رمز الكذب والدجل والعار والنفاق ، ولأنها تصلح لشارع الروضة وشارع الحميدية ولاتصلح لتل العزيزيات والجولان ، ثم جمع فصيلته وخاطبهم قائلاً :

ـ يبدو لي أن الأمور غير طبيعية ، وأتوقع أن يطلب منا الانسحاب قريباً ، وأنا سأرفض الانسحاب ، ولا أجبر أحداً منكم على أن يبذل روحـه للشهادة في سبيل الله ، فمن مات دون وطنه فهو شهيد ، وإني أفضل الموت على الانسحاب من تل العزيزيات ، ونحن قادرون على الدفاع عن أرضنا ، نحن الحرس الوطني نستطيع أن نصمد يوماً كاملاً أمام اليهود الجبناء الذين يكرهون الموت ، والمفروض أن قوات جيشنا العقائدي تصل بعد يوم من صمودنا .. وسوف تكشف السنوات القادمة الجريمة القذرة المترتبة على الانسحاب .

انني باق هنا لأموت ، والموت عندي أهون من رؤية الجولان ، هذه القلعة الحصينة ، هذه الأرض الخصبة ، الأرض الطيبة ، أراها بيد الصهاينة .  فمن أراد منكم أن يستشهد معي ، فأهلاً برفيقي في الجنـة إن شاء الله .

ـ ألـو ، عمـار ، أنا النقيب : انسحب ياعمار بالفصيلة إلى خط الدفاع الثاني ، لتفسح المجال للقوات الصديقة على الدخول ..

ـ نحن لانعيق دخول القوات الصديقة ياسيدي ، بل نساعدها . وانسحابنا سوف يعيق دخولهم ([4])، أرجوك سنبقى هنا .

ـ أنت مسؤول ياعمار ، هذه أوامر القيادة أوصلها لك ، وتنفيذ الأوامر واجب مقدس .

ـ هذه ليست قيادتي ، هذه قيادتك ، الانسحاب من أمام العدو جريمة أيها النقيب . وأغلق الهاتف .

جمع عسكره وأبلغهم بأمر الانسحاب وقال : أنا سأبقى هنا ، لن أنسحب ، الانسحاب خيانـة ، وسوف تنكشف فيما بعـد ، من يريد منكم أن ينسحب ، يترك لنا ذخيرتـه ، لأننا بحاجة ماسـة إليها ، لن يدخلوا تل العزيزيات إلا على أشلائنا ...

وانسحب عنصر واحد فقط ، كان مدسوساً بين الفصيلة عن قصد ، أعلن أنه لايريد أن يموت ، كي لايموت أولاده جوعاً بعده ... فودعهم وانسحب .. ونظر عمار إلى أبطاله الشوس ، حقاً إنهم رجال الحرس الوطني ، الذين لاتثق بهم الحكومة لذلك قذفتهم بعيداً عن دمشق ، ونظر إلى أبي مروان ,قال :

ـ ألا تنسحب يأبا مروان !!؟ من أجل أولادك ؟

ـ لا ، ياسيدي ، ودعتهم في خزائن الله الذي لاتضيع ودائعه ، الله يكفلهم سواء كنت حياً أو ميتاً .

ـ بارك الله فيك ، وفي أولادك . سنموت يا أبا مروان ...

ـ سنستشهد يا سيدي ، والشهداء في الجنة مع الأنبياء والصديقين .

ـ نعم ، سنستشهد إن شاء الله ، اللهم تقبل منا إنك لطيف رحيم .

ـ انتشروا في الخندق بعد أن تقسموا الذخيرة بينكم جيداً .  أما أنت يامهدي فتجول بيننا لتنقل لنا الذخيرة ، إلى من نفذت ذخيرته ، وليكن صحبنا بعد ساعات محمداً وصحبه .

خص عمار نفسـه بقذائف ( أر . بي . جي ) ، وتفقد الطلقات ، إنها تكفي لتدمير آليات كتيبة ،

كاملة ، وإن أقل ماتقدمه فصيلته تدمير كتيبة معززة ، أو كتيبتين ، لأن المدافع أقوى من المهاجم ، ولأن المسلمين أقوى من اليهود الجبناء .

ثم ظهرت طلائع اليهود ، سرب من الطائرات ، فصاح عمار : الزموا قعر الخندق ولاتتحركوا ،

وخطر في ذهنه : أين الميج التي تتحدى القدر !!؟ تتركنا مكشوفين يتسلى بنا طيارو اليهود ، ومن الحقائق المذهلة أن الطيران السوري لم يظهر إلا ظهر يوم (5) حزيران ثم لم يظهر مرة أخرى ، وللعلم كان حافظ الأسـد قائد السلاح الجوي .

ومنذ الخميس ( 8) حزيران بدأت الشائعات تسري سريان النار في الهشيم عن الانسحاب ، الانسحاب الكيفي ، غير المنظم ، وانهزم أحمد سويداني قائد الجيش ، وأحمد المير قائد الجبهة هرب على ظهر حمار ، وكان آخر كلامه لضابط كان يسأله  :

ـ أنا لست قائد جبهة ، اتصلوا بوزير الدفاع ..

ولما صار الضباط يحاولون الاتصال مع قيادة الجبهة ولايرد عليهم أحـد ؛ دب الذعر في النفوس ،وشاعت أوامر الانسحاب الكيفي الفوضوي ، وبلغ الذعر والهرب ذروتـه عندما أذيع نبـأ سقوط القنيطرة ، ومازال الجيش في الخط الأول . فظن الجيش أنه طوق من الخلف ، فدب الهلع والخوف في قلوب الجنود .

ويروي عبد الرحمن الأكتع ( وزير الصحة يومذاك ) يقول كنت في الخطوط الأمامية ، جنوب القنيطرة عندما أذيع نبأ سقوط القنيطرة ، وكلنا متأكد من عدم صحـة النبـأ ، فتناولت الهاتف وتكلمت مع زميلي وزير الدفاع حافظ الأسد لأخبره أن هذا الخبر غير صحيح ، ونحن جنوب القنيطرة ولم نـر أو نسمع آليات العـدو . فأجابني بسيل من الشتائم والتهديد إن تدخلت فيما لايعنيني ، فعرفت أن في الأمـر شيئاً .

جاءت رشقات المدفعية المعادية تمهد لاقتحام الخط الأول من قبل اليهود ، وكان مهدي يتجول في الخندق يساعد الجرحى ، وينقل ذخيرة الشهداء إلى الأحياء . وفجأة صاح عمار :

ـ هذه آليات العـدو ، اقبضوا على أعصابكم ، لاتفتحوا النار حتى (500) م فقط .

واقتربت كتيبة العـدو المجنزرة والمدعمة بصنوف الأسلحة تقترب من تل العزيزيات ، وفي ذاكرتهم الخوف والهلع من تل العزيزيات ، استطاعت هذه الجرافات المجنزرة أن تفتح ثغرة في جبل شديد الانحدار باتجاه العدو ، لم يخطر في ذهن القيادة السورية أن يدخلوا من هذا الجبل ، الذي تسلقته الدبابات وفيها السائق فقط ، حتى اجتاز بعضها الجبل ، وبعضها انقلب وتدحرج حتى الوادي ، وبعد وصول بعضها أعلى الجبل نقلوا بقية السدنة بالطائرات العمودية إلى الدبابات التي تابعت الهجوم في قلب الجولان . وأصبحت قاعدة في الحرب ، وهي أن المنتصر هو من يأتي بما لم يخطر في ذهن العدو ، لذلك لم يتخذ الاحتياطات اللازمة ضـده ، منطقة وعـرة جداً ، منحدر شديد الانحدار ، تركته القيادة السورية بدون حماية ، على أنه حاجز طبيعي لايمكن تجاوزه ، ولكن الصهاينة الخبثاء تسلقوه بدباباتهم واخترقوا (خط ماجينو الثاني ) .

أما الدبابات السورية فكانت إما أن تهرب مولية الأدبار ، أو يتركها السدنة غنيمة باردة للعدو ويهربون بأرواحهم ، وقد حصل أن تعطلت إحدى الدبابات الفارة ، وانقطع جنزيرها ، ولم يعد من القتال بـد ، فأدارت المدفع نحو دبابات العدو ، ودمرت ست دبابات خلال مدة قصيرة جداً ، بينما استطاع الطيران اليهودي تدميرها .

اقتربت الكتيبة المجنزرة من تل العزيزيات ، وفتح عمار النار من قاذفين ومدفع ( ب 10 ) ومن الرشاشات مرة واحدة ، وخلال خمس دقائق فقط احترقت عشر آليات للعدو ، أي نصف الكتيبة تقريباً ، مما اجبر الكتيبة اليهودية على تغيير اتجاه سيرها ، لتدخل من نقطة فارغة انسحب منها الحرس الوطني الذي كان فيها .

ـ ركزوا نيرانكم على الآليات المتوقفة لنقتل الجنود فيها قبل أن يفروا منها ..

ذعر قائد كتيبة العدو ، واتصل بقيادة اللواء بغضب وانفعال وقال :

ـ كيف تقولون أن تل العزيزيات فارغ !!؟ لقد دمر لنا نصف الكتيبة ، ووقف ( اليعازر ) أمام خريطته مندهشاً وهو يردد :

ـ لايمكن إلا أن يكون فارغاً ، أنا متأكد ، واستطلاعنا لايخطئ ، على كل حال ركزوا طلعات الطيران ( سكاي هوك )  ، والمدفعية الثقيلة على تل العزيزيات .

وجاء الموت مع أجنحـة السكاي هوك ، المحملة بقذائف نصف طن ، تعبر عن غضب اليهود وخوفهم ، ثم جاءت رشقات المدفعية على التـل ، ثم هدأت العاصفة قليلاً ، فنظر عمار في الخندق الذي تغيرت معالمه ، وانبرى بدون وعي :

ـ أين قواتنا المدرعـة !!؟ أين لواء عزة جديد ، أما زال يحمي الثورة في دمشق ..!!؟ ثم جاء الموت مرة أخرى مع النابلم الذي سكبته السكاي هوك على التـل ، ثم تقدمت كتيبة جديدة نحو التل ولم يبق عنده سوى خمسة رجال . والجرحى يئنون ولايجدون من يقدم لهم شربة ماء .

ـ أيها الأبطال مازلنا أحياء ، ونحن سـتة ، وقواذفنا سليمة ، والذخيرة وافية ، هل تتوقعون النجاة !!؟ فقالوا : لا أبداً . إذن لنمت أبطالاً ، شهداء ، مقبلين غير مدبرين ، اللهم أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين ، اضبطوا أعصابكم سنفتح النار قبل (300) م فقط .

تقدمت الكتيبة الإسرائيلية الجديدة من تل العزيزيات ، وزادت سرعتها عند (1500) م ، وقد فتحت بأنساق السرايا تسهيلاً للحركة السريعة .

وعلى خط (300) م فتحت النيران ، وزغـرد تل العزيزيات مرة أخرى ، واحترقت آليات العدو ثلاثة ثم ثلاثة ثم ثلاثة ، خلال بضع دقائق . وتركزت نيران الرشاشات الثلاثة على الآليات المتوقفة تقتل الجنود الذين يحاولون الهرب منها .

صاح قائد الكتيبة اليهودي :

ـ ارجعوا إلى الوراء ، ارجعوا إلى خط (2000) م ، ثم تكلم بجهاز اللاسلكي :

ـ آلو ... مازالت قيادتنا تجهل حقيقة تل العزيزيات ، لقد دمر لنا نصف الكتيبة ، واضطرنا إلى التراجع عنه مرة أخرى ...

ــ انتظـر أوامر جديدة ياقائد الكتيبة ، أجابه قائد اللواء .

ـ آلو قائد الكتيبة ... تبين لنا أن بضعة عناصر في تل العزيزيات رفضوا أمـر الانسحاب ، وعملاؤنا السوريون صادقون معنا ، وهم ثقـة عندنا ، المفروض أنهم حرقوا بالنابلم ، وقذائف النصف طن ، على كل حال سنوجه لهم ضربات جديدة . انتظر بعيداً عن التل .

وجاءت السكاي هوك ، والنابلم مرة أخيرة ، ويتمايل تل العزيزيات ألماً كالآم الثكلى على أولادها ،لقد استشهد الجميع ماعدا عمار .

ـ يارب ، لاتردني خائباً ... اكتب لي الشهادة مثل إخواني هؤلاء ، إني أشـم رائحة دمهم كالمسك ، عطّـر الخندق كلـه ، اللهم لاتحرمني الشهادة ، اللهم ارزقني الشهادة ، يارب أسألك الشهادة ، نعم المولى ونعم النصير .

لم يبق غيره ، وقف في الخندق يلقي نظرة على الجولان الحبيب ، وتذكر الرحلة التي شارك فيها عندما كان طالباً في الصف الثالث الثانوي ،  عندما سبح في مياه الحمـة الدافئـة ، وتجول مع الطلاب على طول الخط الأول من شماله الغربي إلى شرقه الجنوبي . هذه الأرض الطاهرة التي مرت منها جيوش صلاح الدين الأيوبي إلى حطيـن ، واليرموك الذي غرق فيه جنود الروم مكبلين بالسلاسل ... اليوم سيصبح تحت الاحتلال الصهيوني ...

وأجال نظـره على طول الخط الأول فعرف أن القتال لم يقع إلا في تل العزيزيات ، وآلمـه ذلك ، لقد صدوا كتيبتين ، ماذا لوقاتل الحرس الوطني جميعه ، وماذا لو قاتلت القوات السورية المعسكرة قرب دمشق .. كم كتيبة يدمرون للعدو !!؟ وهل يستطيع العدو أن يمـر ...!!؟ أبـداً لا ، لن يمروا لو قاتل نصف الجيش السوري يومها .

ود لو تجول ليعرف حقيقة الجريمة التي ارتكبها قادة البعث عندما أمروا الجيش بالانسحاب ، فترك الجولان لليهود دون قتال .

ثم جمع ماوجد من بقية ذخائر وكمن في قعر الخندق ، وماهي إلا دقائق حتى جاءت مجنزرة ، وقفت على بعد( 1000) م وسلطت نيران رشاشاتها على تل العزيزيات ، وكأنها تتفقد ه من وجود الأحياء فيه ، وكمن عمار في قعر الخندق فسلمه الله من نيران الرشاش ، ثم تقدمت المجنزرة حتى  (200ـ 300) م منه ، ونزل منها ثلاثة ضباط كبار ، يبدو عليهم التقدم في العمر ، حيث شابت شعورهم ،

وكانوا ينظرون إلى الجولان بمناظيرهم ، ويتكلمون :

ـ التعليمات لدينا من القيادة السياسية أن ينسحب السوريون بدون مقاومة . ولكن هذا التل قتل لنا عشرات الجنود والضباط ، ودمر عشرات المصفحات والمجنرزات ، فهل خدعتنا القيادة السورية !!؟

ـ لقد انسحب السوريون فعلاً ، انظر إلى الخط الأول السوري ، لاتجد أثراً للقتال ماعدا هذا التل اللعين ، الذي أذاقنا الموت الزؤام عام (1962م ) ، واليوم دمـر لنا العديد من القوات .وأسقطوا لنا طائرة سكاي هوك ، مع قائدها .

ـ ولكن لماذا لم ينسحب الجنود في هذا التل !1؟ هل ندفع المال والدم معاً !!؟

ـ أي دم دفعته يا كولونيل !!!؟ تصور أن نصف نقاط الخط الأول قاتلت ولم تنسحب ، كانت خسارتنا بالمئات من الآليات وآلاف العناصر ، مما لانتحمله ، وسيضطرنا إلى التراجع .

ثم أردف قائلاً ـ بعض عناصر الحرس الوطني عناصر شاذة في الجيش السوري حالياً ، هؤلاء من بقايا العهود السابقة ، وبعد الخط الأول ستمشي بدبابتك إلى دمشق ، إذا تحب .

ـ إن عبقرية القيادة السياسية فـذة ، ولم يسبق لها مثيل ، لقد اشترت الجولان بالمال ، ونحن الآن نتسلمه في مسرحية قتال ، ينسحب فيه السوريون انسحاباً فوضوياً . ونبسط نفوذنا عليه وكأننا في مشروع تدريبي على معركـة وهميـة .

ـ حقاً إن عملاءنا السوريين مخلصين ، وإنهم يستحقون منا كل دعم ومساندة أبد الدهر ـ ماداموا مخلصين لنا ـ

ـ  انهم يستحقون أوسـمة من يهود العالم كلـه .

*    *     *

لم يستطع عمار أن يسمع أكثر من ذلك ، كل الذي تمناه على الله أن يسمع الناس هذه الكلمات ، والله على كل شيء قدير ، ومازال الضباط الثلاثة يتحدثون ، ويـد عمار على الزنـاد ، والمسافة ( 200 ـ300) م فقط .

ـ وناداه مناد من أعماقه : هيا عمار ، اضغط على الزناد ، إنهم هديـة ثمينـة لإخوانك الشهداء الذين سبقوك قبل قليل .

وتحركت اصبع البطل عمار تضغط على الزناد وتصوب بدقـة ، فيحصـد هؤلاء الخنازير الثلاثة ، وهتف ( الله أكبر ) بينما كانوا يترنحون كالثيران على الأرض  .

وخرج من الخندق يدوس على أشلائهم القذرة ، أسياد رؤسائه الذين انسحبوا تاركين الجولان ليدخله الصهاينة بدون قتال .

واستدار باتجاه الأرض المحتلة دون وعـي ليواجـه صدره رشات الرصاص من سائق المجنزرة الذي انتقم لأسياده الكبار الثلاثة ، فسـقط عمـار ، وانهمرت دماؤه الورديـة ، لونها لون الدم ، وريحها ريح المسـك ، انهمرت هذه الدماء الطاهرة تروي أرض الجولان ، وينتقم سائق المجنزرة فيتقدم ليدوس جثة عمار بسلاسل مجنزرتـه ، فتعصر دماءه الزكيـة النقيـة لتشـرب منها أرض الجولان الحبيبـة .

انتهت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 



[1] ـ سوف أعالج هذا الموضوع في رواية قادمة عنوانها ( مئذنة ودبابة ) إن شاء الله تعالى .

[2] ـ بنت الحكومة السورية نادياً جديداً للضباط ، بعد هزيمة الخامس من حزيران ، مكافأة لهم على هزيمتهم ،  فاق في الإسراف والزخرفة قصور الكرملن والبيت الأبيض ، ترى فيه العجب العجاب من ساحات وحدائق وملاعب التنس وكرات البلياردو  وغيرها ، وفيه غرف للنوم مفرشـة ومجهزة . وتركت هذا النادي في شارع البرلمان لضباط الصف .

[3] ـ الذي هرب خلال المعركة على ظهر حمار ، بلباس راعي غنم ، خوفاً من أن يأسره اليهود .

[4] ـ جاء في كتاب سقوط الجولان : القوات المتمركزة في جليبنية وتل (62) والبطيحة قوات حرس وطني ، أمرت بالانسحاب طولانياً ، في نقاط خلفية ، والقوات الموجودة في السنابر والقادرية أمرت بالانسحاب عرضانياً ، وهذا التحركان شكلا أكبر عائق أمام القوات الصديقة المهاجمة ، فاختلط الحابل بالنابل ، وعجت الطرق بالآليات والمقطورات وكان ذلك هدفاً سهلاً لطائرات العدو .

 
RocketTheme Joomla Templates