تصويت

ما تقييمك للموقع ؟
 

المتواجدون الآن

يوجد حاليا 33 زوار 
مع الدكتور اسماعيل الشــــــطي

تركيا الدولة الوحيدة التي ضمن فيها الغرب حقوق كافة الديانات إلا الإسلام

النموذج التركي الناجح فُصِّل على مقاس تركيا ولا يصلح للتطبيق بحذافيره في الدول الإسلامية

الحركات الإسلامية اعتبرت سعي الإسلاميين الأتراك إلى تحويل تركيا لدولة علمانية «تنازلاً وخيانة وانهزاماً»

الإخوان المسلمون لم يراجعوا استراتيجية الخلافة ولا أهدافها التي وضعها حسن البنا.. لكنهم اكتفوا بالتحول إلى قوة ضاغطة بالمجتمع والسياسة

في كتابه «الإسلاميون وحكم الدولة المعاصرة» يرصد د.إسماعيل الشطي خمسة نماذج للحكم التي عرفها الإسلاميون طوال تاريخهم، وقد تناول بالشرح والتقييم طوال الحلقات الماضية نماذج: دار الإسلام، والدولة المعاصرة، وإيران الإسلامية، وتجربة طالبان في أفغانستان، وأخيراً النموذج التركي الذي وضع قواعده وأسسه نجم الدين أربكان، وازدهر وترعرع على يد رئيس الوزراء الحالي رجب طيب أردوغان.
وفي هذه الحلقة يسجل د.إسماعيل الشطي ملاحظاته الخاصة على النموذج التركي لحكم الإسلاميين، وقراءته الخاصة للنموذج المقترح لحكم الإسلاميين ويقول:
الملاحظة الأولى: يعتبر النموذج التركي من أنجح النماذج التي صنعها الاسلاميون السياسيون لحكم الدولة المعاصرة، فقد استطاع هذا النموذج ان يدير الدولة النمطية المعاصرة بنجاح، وأن يؤكد امكانية احتواء الجماعات الاسلامية السياسية داخل العملية الديموقراطية، وأن تتدفق علاقاته بيسر وسهولة مع المجتمع الدولي، وأن يقيم علاقات مميزة مبنية على الثقة مع الدول الكبرى، ورغم نجاح هذا النموذج في تركيا الا أنه لا يصلح تطبيقه بحذافيره في كثير من الدول الاسلامية، فلقد فصل على مقاس الدولة التركية التي تختلف عن بقية الدول الاسلامية، فهي الدولة المعاصرة التي آل اليها ميراث دار الاسلام، وهي احدى دول المحور العظمى التي هزمت في الحرب العالمية الأولى، وهي الدولة التي أشرف على اعادة تكوينها مجموعة دول هي بريطانيا وفرنسا وايطاليا واليابان واليونان ورومانيا والصرب والسلاف والكروات، وهي الدولة الوحيدة في العالم الراسمالي التي لا تعني علمانيتها فصل الدين عن الدولة فحسب، بل فصل الدين الاسلامي (حصرا) عن المجتمع، اذ أنها – كذلك- الدولة الوحيدة التي ضمن فيها الغرب -باتفاقية لوزان- حقوق كافة الديانات الا الاسلام، وهي الدولة الوحيدة التي تسعى لقطع حاضرها ومستقبلها بتاريخها، وهي الدولة الأوروبية الوحيدة ذات الغالبية السكانية المسلمة الكاسحة والمهمة في حلف الناتو العسكري، وهذه الفوارق تجعل من تركيا دولة غير طبيعية وغير متوازنة مع تكوينها، وفي حالة توتر دائم مع تاريخها ودين شعبها وثقافتها، مما يجعل أحد الأهداف الأساسية لنموذج الحكم فيها هو اعادة توازنها ومصالحتها مع شعبها وتحويلها الى دولة علمانية طبيعية، وهذه الفوارق العديدة شغلت حيزا كبيرا من النموذج التركي، وهو حيز لا يحتاجه أي نموذج حكم لدولة اسلامية أخرى ذات نظام علماني، بل يمكن تحقيق نفس النتائج التي حققها النموذج التركي بتكلفة أقل.

تنازل وخيانة

الملاحظة الثانية) ان سعي الاسلاميين الأتراك لتحويل تركيا الى دولة علمانية «طبيعية» يستفز كثيراً من الأفراد في الأوساط الاسلامية، ويعدون ذلك تنازلا أو انهزاما أو خيانة، فالأصل في فكر الاسلاميين ان سعيهم ينصب دائما لتحويل أي دولة علمانية الى دولة اسلامية، وليس الى دولة علمانية ذات نظام ديموقراطي حقيقي، غير ان حزب العدالة والتنمية يرى ان الديموقراطية الليبرالية بعلمانيتها هي حماية وضمان للدعوة الاسلامية، وهذا ما يحتاجه الاسلام في ظل النظام العالمي الراهن، خاصة وأن الحزب يعطي فهما معتدلا للعلمانية تتفق مع الفهم الغربي وتختلف عن فهم أتاتورك
، فالدولة العلمانية في نظر أردوغان تتعامل مع أفراد الشعب على مسافة متساوية باختلاف دياناتهم، ولكنها في نفس الوقت لا تسعى لنشر اللا دينية، كما يرى ان لفظ العلمانية يطلق على الأنظمة السياسية وليس على الأفراد، لذلك يرفض ان يطلق عليه أحد أنه علماني، ويقول «أنا مسلم رئيس دولة علمانية»، ويرى هذا الحزب ان أكبر خدمة للدعوة الاسلامية هو توفير أجواء مضمونة ومأمونة من الحريات، ولذلك يقول عبدالله غول «من الخطأ اطلاق لفظ اسلامي على الحزب، ففي بلد مسلم لا يمكنك احتكار الدين لنفسك، والا فماذا ستكون الأحزاب الباقية والسياسة؟ وعند النجاح والفشل، لا يمكننا ان نحمل الدين مسؤولية فشلنا، الدين يجب ان يبقى فوق هذه المسائل، لكن هل يعني هذا تخلينا عن الدين؟ أبدا، الدين حقيقة لا يمكن انكارها، لكننا نؤمن بأن توزيع الحريات والديموقراطية هو الذي سيضمن ازالة أي عوائق أمام حرية الدين والعبادة، لأن حرية الدين هي من أهم مبادئ حقوق الانسان»(1)، ويرى أردوغان ان الديموقراطيات المتطورة، يقصد الديموقراطيات ذات العلمانية غير المتطرفة، هي التي تحمي الهوية الاسلامية التركية «نحن حزب محافظ وديموقراطي، بمعنى أننا نحافظ على عادات وتقاليد وثقافة الأمة التركية، ونسعى لتطبيق ديموقراطية قوية ومتطورة لا تقل عن الديموقراطيات المتطورة في العالم»(2).

خصوصية تركية وفقه الأولويات

وحقيقة الأمر، ان الذين يطالبون الاسلاميين الأتراك بترديد شعارات الاسلاميين بالمشرق الاسلامي تغيب عنهم خصوصية الحالة التركية من جانب، ويغيب عنهم فقه الأولويات، فهم كأنهم يطالبون أصحابهم - الموجودين مع لفيف من الناس- داخل غرفة مظلمة بقراءة المصاحف، فالأولوية –في هذه الحالة- لأي جهد يبذل داخل هذه الغرفة يجب ان يتجه نحو اضاءة شمعة تمكن الجميع من المشاهدة، بما فيها أحرف المصحف، وليس تبديد الجهود في محاولات القراءة في الظلام، واضاءة الشمعة هو عمل أهم وأولى من أي محاولة محكوم عليها بالفشل، كالقراءة بالظلام، والأجر عند الله -في هذا المثال- هو على قدر اشعال مزيد من الشموع وليس على قدر محاولات القراءة بالظلام، وهذا حقيقة الوضع في تركيا.
الملاحظة الثالثة) ان النموذج الذي صنعه أربكان حقق نتائجه عند أول تجربة لهم في المشاركة بالحكم، وانعكس ذلك جليا في اختيار الحقائب الوزارية التي تسهم في تحقيق نموذجه، ففي عام 1996م عهد اليه الرئيس التركي سليمان ديميريل برئاسة الحكومة من خلال تحالف مع زعيمة حزب الطريق الصحيح تانسو شيلر، تقاسم بموجبه أعضاء الحزبين المناصب السياسية، وخلال مفاوضات تقسيم المناصب ركز أربكان على الوزارات التي ترتبط بنموذجه، فمنح شيلر كل المناصب السيادية التي تثير حساسية العسكر (الخارجية، الدفاع، الداخلية، التعليم، الصناعة والتجارة) في حين تولى الرفاه الوزارات الخدماتية (المالية، الزراعة، العمل، الشؤون العامة)، ولم تفلت من يديه سوى وزارة التربية التي مثلت أكبر مطالبه، واستعاض عنها بوزارة الثقافة التي ستساعده في تطوير أنماط التوجهات الثقافية والانفاق الحكومي بشأنها، ولقد حقق نتائج نوعية في أول تجربة يخوضها، يلخصها الكاتب الاسلامي الخبير بالشأن التركي مصطفى الطحان تعليقا على تحالف حزب السلامة مع حزب الشعب كالتالي «من أعظم المكاسب التي استفادت منها الحركة الاسلامية على امتداد ثلث قرن، فقد شهد البروتوكول الموقع بين الحزبين، تراجع حزب الشعب الذي وقع معاهدة لوزان عن بعض شروطها، مثل:
< الاعتراف بالاسلام السياسي والائتلاف مع الحزب الذي يمثله.
< تقرير تدريس مادة(الأخلاق) أي الدين الاسلامي في المدارس الحكومية.
< امكانية ان يلتحق خريجو المدارس الدينية بكل الكليات الجامعية في البلاد.. بما فيها كلية الشرطة.. وكانوا من قبل لا يستطيعوا دخول أية كلية باستثناء كلية الشريعة.
< تسلم حزب السلامة الوطني وزارة الداخلية التي تلعب دوراً هاماً في حياة الدول، بالاضافة الى سبعة وزارات أخرى ومنصب نائب رئيس الوزراء.
< اتفقوا على اخراج مساجين الرأي، ودعم الحريات العامة، وحرية الصحافة..
هذه الشروط لا يستطيع ابرامها الا رجل ذكي محنك مثل نجم الدين أربكان»(3)، كما أنه تمكن ببراعة ان يستقطب عددا من الناخبين الأتراك المترددين بشأنه عندما حفظ الكبرياء التركي، وخاصة في موقف أوروبا المراوغ في ضم تركيا ضمن الاتحاد الأوروبي، على اعتبار ان الاتحاد ناد للأمم المسيحية كما جاء في تلميحات بعض قيادات دوله، وقد هز هذا التعصب المسيحي ثقة كثير من الأتراك بمبادئ أتاتورك، ويؤكد ذلك الخبير الأمريكي ماكوفسكي فهو يرى ان عدم استجابة الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة للمطالب المتكررة للعلمانيين الأتراك بالانضمام للاتحاد الأوربي قد وظف من قبل حزب الرفاه ودعايته السياسة، خاصة بعد رفض اتفاقية الاتحاد الجمركي وربطه مع ما جرى من مذابح للبوسنة ضد المسلمين، ودور اللوبي اليوناني في الكونغرس الأمريكي في تعطيل صفقة الأسلحة، قد هز كل ذلك صورة العلمانيين في تركيا وأفقدتهم شعبيتهم مقارنة بالاسلاميين، الذين رفض زعيمهم دعوة الاتحاد الأوروبي للعشاء تأكيدا لكبرياء الأتراك، كما رفض الرد على تهنئة رئيس الوزراء الاسرائيلي نتياهو ودعوته لزيارة اسرائيل.

نجاح أردوغان

الملاحظة الرابعة) لقد نجح أردوغان في تحقيق كثير مما كان يصبو اليه أربكان دون اللجوء الى نموذج أربكان المطور، فلقد استوعب أردوغان طبيعة الدولة النمطية المعاصرة واحترم كافة متطلباتها حتى لو اصطدمت بالمفاهيم السياسية لدار الاسلام، والتزم بكل مقتضيات النظام الدولي المعلنة والضمنية كدولة أوروبية تسعى لدخول الاتحاد وعضو مهم في حلف الناتو، ولم يدخل في صدام مع قادة النظام الرأسمالي كما فعل أربكان، واستثمر بمهارة طبيعة الظرف الدولي التي أعلن فيها بوش الثاني مع نهاية علم 2002 وبداية عام 2003 ثلاث استراتيجيات للولايات المتحدة الأمريكية، والتي تعيد بناء بعض المفاهيم السياسية على قواعد مغايرة لما هو معمول به وفق الشرعية الدولية، حيث منح السلام العالمي مفهوما جديدا مرتبطا بمبادئ الديموقراطية، وجاء مصحوبا بمبادرة أخرى حول الشرق الأوسط الكبير الذي تعد فيه أمريكا المنطقة بالديموقراطية والتنمية، خاصة بعد القرار الغربي الضمني الذي يميل الى الاستعانة بالاسلاميين المعتدلين(4) لنشر الديموقراطية والحكم الصالح واتاحة الفرصة للمشاركة الكاملة بلعبة الحكم، واستطاع أربكان ان يزرع قدرا من الثقة بنموذج حكمه، مما شجع الغرب للمضي بهذا القرار الضمني على مستوى الشرق الأوسط الكبير، ودفعه للاعتماد عليه في حفظ مصالحه أكثر من العسكر الذي لم يعد أسلوبه متماشيا مع المرحلة الراهنة، واقتضى كل ذلك تشجيع تركيا على توطيد علاقاتها مع العالم الاسلامي وشعوبه وحركاته السياسية، والترويج لنموذج حكمه داخل هذه الحركات، تلك التي كانت مرفوضة ابان حكم أربكان، ولقد قال رجب طيب أردوغان «حزب العدالة والتنمية ليس حزبا محليا فقط لكنه مرشح أيضا ليكون نموذجا عالميا نجحنا في أخذ مكاننا في الساحات التركية والآن سنثبت للعالم ان الاسلام والديموقراطية يلتقيان ولا يتصارعان على عكس مما يدعي البعض»، ان السياسات التي اتبعها اردوغان في تنفيذ النموذج التركي حققت كثيرا مما كان يصبو اليه أربكان دون اللجوء الى سياساته الاستفزازية.

مكافحة الفساد

أما على مستوى الداخل، فلقد استفاد من تجربة تورغوت أوزال التي كانت أول انشقاق في مللي جوروش وتكوين حزب الوطن الأم، ورغم نجاح أوزال في استقطاب الغالبية من انصار أربكان، وتحقيق الفوز الكاسح في الانتخابات، الا أنه لم يستطع ان يحافظ على فوزه عندما لم يتصد لشبكات الفساد التي كانت تعبث بالاقتصاد التركي وتتسرب الى حزبه، لقد عرفت جماعة أربكان عند الكثير من الأتراك بأنهم أناس مخلصون منكرون للذات، بينما ينظر للزعماء العلمانيين بأنهم أنانيون ومنتفعون، وهو ما أكده ماكوفسكي «فقد اشتهر عن المسؤولين الاداريين من أعضاء حزب الرفاهة بأنهم ذوو الأيدي النظيفة حيث عرفهم الشعب التركي بالتزامهم واستقامتهم مقارنة بحالات الفساد المتواصل التي كانت تؤشر على العلمانيين»(5)، لقد أدرك أردوغان ذلك فسعى لتقليص الفساد بالقدر الذي تتيحه لعبة السلطة مع الرأسمالية الدولية، ورغم ان نظافة يد حزبه تقل عن جماعة أربكان، الا ان المقارنة مع التيارات العلمانية واليسارية تظهر فارقا كبيرا في النزاهة لصالح أردوغان، ولذلك يعتبر أردوغان ان نجاحه متوقف على ذلك ويردد في لقاءاته الصحافية «فتحنا الطريق أمام القطاع الخاص... وكافحنا
http://www.sham-cafe.net/vbالفساد بشكل جيد».

الفصل الخامس

5
) النموذج المقترح لحكم الإسلاميين

شهد مطلع القرن الماضي ارهاصات ولادة قرن بلا خلافة اسلامية، ولقد احتشدت في هذه الحقبة مشاعر وأفكار ومخاوف وآمال متباينة ومتفاوتة، تعبر عن التطورات السريعة التي شاهدتها المنطقة العربية والاسلامية، فلقد كانت الخلافة مفهوما يستمد القادة والساسة والعسكريون منه الشرعية الدينية، يقول الدكتور محمد محمد حسين «كانت النزعة الاسلامية غالبة على العصبية الجنسية والرابطة القومية في مصر، الى أوائل القرن العشرين، ولذلك لم يكن المصريون يجدون غضاضة في الاعتراف بسلطة الخليفة التركي، وحين ثار عرابي على فساد أساليب الحكم في مصر وعلى تغلغل النفوذ الأجنبي لم يخطر بباله ان يخلع طاعة الخليفة أو يخرج عليه، فهو يعرض عليه خطواته مستمدا منه السلطة في كل ما يفعل»(6)، وقد أحدث قرار الغاء منصب الخلافة عام 1923م زلزالا صادما للمسلمين في كافة أرجاء العالم، عبر عنه الأدباء والشعراء والكتاب بصور مختلفة، نورد مثالا عنه ما قاله أمير الشعراء أحمد شوقي:
ضجت عليك مآذن ومنابر
وبكت عليك ممالك ونواح
الهند والهة ومصر حزينة
تبكي عليك بمدمع سحاح
والشام تسأل والعراق وفارس
أمحا من الأرض الخلافة ماح؟
وشعر المسلمون بفراغ سياسي للمنصب الرمز الذي تستمد منه الشرعية، وكان رد الفعل الساخط يساوي حجم الصدمة القاصمة، وكانوا يعتقدون ان ما يحتاجه الاسلام حينذاك هو المطالبة باعادة الخلافة الاسلامية كرد فعل لانهيار الدولة العثمانية، ورغم صعوبة تحقيق هذا الهدف لكن كانت النفوس مهيأة له في ظل أجواء تلك المرحلة التي ترعرع جيلها في ظل الخليفة العثماني، وكان الاتجاه السائد حينذاك هو وجوب استمرار الخلافة بانتقالها الى بلد اسلامي آخر كمصر أو الحجاز أو غيرهما، وجاءت محاولات لشغل هذا المنصب -في تلك الفترة- من الملك حسين بن على ملك الحجاز وأمان الله خان ملك الأفغان، كما راجت فكرة ترشيح الملك فؤاد ملك مصر كخليفة بديل(7)، وبعدها وقع أربعون عالما من الأزهر على عريضة يعربون عن رأيهم بعدم صلاحية مصر لتكون دارا للخلافة بسبب تسلط الانجليز عليها، وحمي وطيس الكتابة في أمر الخلافة حتى أصبح حديث الساعة والشغل الشاغل للصحافة، وأصبحت فكرة الخلافة بحد ذاتها مجالا للنقاش الفكري بين غالبية مؤيدة وأقلية رافضة(8)، كما عقدت اجتماعات شتى في مختلف بقاع العالم الاسلامي تمخض عنها المطالبة بعقد مؤتمر عام يحضره ممثلون عن الدول الاسلامية كلها، وبعد ثلاث سنوات من الغاء الخلافة انعقد المؤتمر آخر الأمر –بعد ان تأجل مرتين قبل ذلك- في مايو 1926م، وحضره أربعة وثلاثون عضوا يمثلون أنفسهم، لينتهي بفشل واعلان مخيب للآمال، حيث قرر المؤتمر ان «الخلافة الشرعية المستجمعة لشروطها المقررة في كتب الشريعة الغراء، التي من أهمها الدفاع عن حوزة الدين في جميع بلاد المسلمين، وتنفيذ أحكام الشريعة الغراء فيها لا يمكن تحقيقها بالنسبة للحالة التي عليها المسلمون الآن»، لقد تم التراجع عن هدف اعادة الخلافة الاسلامية، وتأسست فتوى العلماء المجتمعين من مختلف بقاع الأرض على مبدأ عدم ملاءمة الظروف.

1-
5) البحث عن الهدف
أدرك المسلمون ان الاسلام في ظل الظروف الدولية القائمة آنذاك لا يحتاج الى خلافة بقدر ما يحتاج الى الاستقلال، فالخلافة لا تقوم في بلدان ترزح تحت حكم الاستعمار، لذا استسلموا لعمليات التقسيم والتجزئة والأقطار المصطنعة وتطبعوا بالآصرة القطرية، بينما هبت موجة من حركات الاستقلال في معظم أقطار العالم العربي، في العراق وسورية وليبيا ومراكش، والتي قابل الاستعمار بعضها بمنح استقلال صوري لبعض الأقطار، كاستقلال العراق الذي قال فيه معروف الرصافي:
لنا ملك وليس له رعايا
وأوطان وليس لها حدود
وأجناد وليس لهم سلاح
ومملكة وليس لها نقود
وكم عند الحكومة من رجال
نراهم سادة وهم العبيد
وليس الانجليز بمنقذينا
وان كتبت لنا منهم عهود
ومع نشوء الدولة القطرية في العالم العربي برز مفهوم العلمانية الذي يسعى لوضع جميع المواطنين على مسافة واحدة من الحقوق والواجبات في الوطن الواحد بغض النظر عن دياناتهم وعقائدهم، وهو ما عرف بمبدأ فصل الدين عن الدولة، وهو مفهوم سياسي مستحدث في ديار المسلمين، خاصة لذلك الجيل الذي عاش تحت ظلال الخلافة، وجلبت الدولة المعاصرة معها أفكارا جديدة حول الانتماء القومي والهوية السياسية والاقتصاد، بعضها سعى للعودة بالأصول التاريخية لما قبل الاسلام، وبعضها ذهب مذهبا قوميا عربيا، وبعض آخر طالب بالذوبان في الهوية الغربية، وآخرون طالبوا بهوية أممية وتحرير الانسان من ظلم الرأسمالية، ونشأت أجيال تطبعت على آصرة الأقطار التي تعيش فيها، واختلطت الأمور وتشابكت وتعددت الجبهات أمام العاملين للاسلام، وفي ظل هذه الظروف تضاءلت الأفكار المتعلقة بالخلافة لينحصر هدف أولئك العاملين بتطبيق الاسلام في الاطار القطري أو الوطني، وعلى اثر ذلك نشأت حركات اسلامية مختلفة هدفها الحفاظ على الاسلام كأساس للهوية، فسلك بعضهم مسلكا خيريا مثل جمعية الشبان المسلمين، وبعضهم مسلكا اجتماعيا مثل جماعة التبليغ والدعوة، وبعضهم مسلكا سياسيا كحزب التحرير وبعضهم مسلكا جامعا مثل جماعة الاخوان المسلمين والجماعة الاسلامية بباكستان، ولعل أبرز تلك الجماعات التي قامت بتلك الفترة هي جماعة الاخوان المسلمين التي رأت ان الخلافة هدف استراتيجي لا يتحقق في مرحلة واحدة، وجعلته المرحلة الأخيرة ضمن مراحل متعددة، وهو ما أكده مؤسس جماعة الاخوان الامام حسن البنا في رسائله حيث اعتبر ان الخلافة رمز الوحدة الاسلامية وشعيرة يجب الاهتمام بشأنها، واعتبر منصب الخلافة مناط كثير من الأحكام، كما اعتبر العمل على اعادتها في رأس منهجهم، لكنها مرحلة ضمن استراتيجية بعيدة المدى تتضمن مراحل عدة، يمكن ان تبدأ بالتعاون الثقافي والاجتماعي والاقتصادي بين الشعوب الاسلامية كلها، ثم تكوين أحلاف ومعاهدات ومؤتمرات بينها، ثم تكوين عصبة للأمم الاسلامية ينتج عنها اختيار الخليفة، ولكنه بجوار هدفه الاستراتيجي وضع هدفين لمرحلته، الأول: تحرير الوطن الاسلامي من كل سلطان أجنبي، والثاني: ان تقوم دولة اسلامية في هذا الوطن الاسلامي المحرر، وحدد ثلاثة وسائل لتحقيق تلك الأهداف هي الايمان العميق والتكوين الدقيق والعمل المتواصل، ليبدأ عنده مشوار اقامة الدولة بأولويات المرحلة كالتالي: اعداد الفرد المسلم، اعداد المجتمع المسلم، اقامة الدولة المسلمة، غير ان هذا الطريق الطويل وغير المباشر دفع حزب التحرير ليعلن في مطلع الخمسينات ان الطريق الى دولة الخلافة لا يحتاج الى هذه المراحل من الاعداد والتجهيز لأنه عملية فكرية وسياسية(9)، فعاد ليتبنى فكرة اعادة الخلافة من جديد بعد ان أعلن المؤتمر الاسلامي للخلافة عام 1926 بعدم امكانية اقامتها في ظل الظروف القائمة، وبناء على ذلك تقدم بطلب ترخيص لحزب سياسي رسمي في الأردن لتحقيق أهدافه من خلالها(10)، ويعتبر الحزب من أوائل من أصدر مشروع دستور لدولة الخلافة التي يتصورها، أما الاخوان، فرغم أنهم أعلنوا نهجهم المرحلي في اقامة الدولة الاسلامية الا ان تاريخهم حفل بمعارك الصراع على السلطة مع الأنظمة القائمة في كثير من الأقطار، وهو ما جعل الأنظمة تتخذهم خصوما سياسيين وتضيق عليهم وتزجهم بالمعتقلات والسجون والمحاكمات الظالمة، الأمر الذي دفع المفكر الاسلامي البارز سيد قطب في منتصف الستينات يعيد صياغة فكر الاخوان ويعتبر العمل السياسي في ظل النظام الدولي الراهن مضيعة للجهد والوقت، وطالب الاخوان بالعودة الى تعاليم حسن البنا التي حددها في الايمان العميق والتكوين الدقيق والعمل المتواصل لبناء الفرد المسلم والمجتمع المسلم، غير أنه في مطلع الثمانينات أعاد المرشد الثالث عمر التلمساني الاخوان من جديد الى حلبة العمل السياسي، ورغم ان الاخوان لم يراجعوا استراتيجية الخلافة ولا أهدافها التي وضعها حسن البنا منذ أربعة عقود، الا ان مجمل أعمالهم وممارساتهم تقود الى أنهم اكتفوا بالتحول الى قوة ضاغطة بالمجتمع والسياسة، اذ شهدت العقود الثلاثة الأخيرة لهم جهدا تعبويا في حشد الأنصار والمؤيدين، وأعمالا خيرية لسد احتياجات الناس، ونشاطا سياسيا في النقابات والمجالس الانتخابية، ولعل المراجعة الوحيدة للأهداف هي تلك التي تمت لدى تنظيم الاخوان المسلمين بالكويت في مطلع الثمانينات، حيث اعتبر أعضاؤه ان الكويت كدولة صغيرة لا تعد صالحة كمسرح لقيام دولة اسلامية، وأن السعي لاصلاح النظام القائم أجدى من محاولات تغييره، وهو ما أدى الى الغاء هدف اقامة الدولة الاسلامية من نظامهم كسابقة أولى في التنظيمات القطرية للاخوان المسلمين، وكانت هذه المرة الأولى في تاريخ الاخوان المسلمين التي يشطب فيها هدف اقامة الدولة الاسلامية من النظام الأساسي لتنظيم قطري.

الهوامش:
(1) المرجع السابق.
(2) المرجع السابق.
(3) حزب العدالة والتنمية في تركيا «رؤية من الداخل»/ بقلم: مصطفى محمد الطحان.
(4) أشار كثير من الدراسات والوثائق المنشورة في ذلك الوقت ان الغرب يميل الى الاستعانة بالاسلاميين المعتدلين لنشر الديموقراطية والحكم الصالح واتاحة الفرصة للمشاركة الكاملة بلعبة الحكم، ويؤكد ذلك جون سبوسيتو بأن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية قد حسمت هذا الموضوع من خلال تصريحات واضحة وكافية لادوارد جيرجيان وربرت بولليترو ورونالد نيومان، ورغم ان تأكيدات سبوسيتو لم تقبل على علاتها الا ان دراسات صدرت من مراكز معتبرة لدى صانع القرار الأمريكي تؤكد على ذلك أو تضعه ضمن توصياتها، مثل تقرير «استراتيجية الولايات المتحدة في العالم الاسلامي بعد 9/11» الصادر
عن مؤسسة راند خلال العام الجاري 2005، والذي يوصي فيه بالسعي الى اشراك الاسلاميين في السياسة النظامية باعتبار ان ذلك يشجعها على الاعتدال في المدى البعيد، لكنه ربط المشاركة بشرط الالتزام التام باللاعنف وبالعملية الديموقراطية.
(5)
Sabri Sayri ، ''Turkey''s Islamist Challenge»، Middle East Quarterly، sep.1996
(6) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر/ د.محمد محمد حسين/ الجزء الأول/ الصفحة 1/ المطبعة النموذجية/ الطبعة الثانية 1382 هجريا.
(7) فهذا السلطان عبدالحميد يقول: «أرادالانجليز ان يكون الخديوي في مصر خليفة للمسلمين، ولكن ليس هناك مسلم صادق واحد يقبل ان يكون الخديوي أميراً للمؤمنين، لأنه بدأ دراسته في جنيف وأكملها في فيينا وتطبع بطابع الكفار»، مقدمة مذكرات السلطان عبدالحميد ص8، للدكتور محمد حرب.
(8) أسفرت هذه المعركة عن أربعة كتب، اثنين يؤيدان الغاء الخلافة وهما «الخلافة وسلطة الأمة» ترجمه عن التركية عبدالغني سني، و»الاسلام وأصول الحكم» للشيخ علي عبدالرازق، واثنين يعارضان الغاء الخلافة وهما «الخلافة أو الامامة العظمى» لمحمد رشيد رضا، و«النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة» للشيخ مصطفى صبري.
(9) يقول الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله (مؤسس الحزب) في مقاله منشورة له بتاريخ 1986/3/8م ومنشورة على موقع منتدى الخلافة الاسلامية «ان الارتفاع الفكري هو الذي يحدث النهضة، وأما الارتفاع الاقتصادي فلا يُحدث نهضة، بدليل ان الكويت مرتفعة اقتصادياً أكثر بكثير من هولندا، ومع ذلك فهولندا ناهضة والكويت ليست ناهضة.وكذلك الارتفاع الأخلاقي ليس نهضة، بدليل ان المدينة المنورة هي من أعلى بلدان الدنيا أخلاقاً وباريس تشتهر بدعارتها، ومع ذلك فالأولى ليست ناهضة والثانية ناهضة.وكذلك اقامة الحكم على أنظمة وقوانين لا يوجد نهضة، بدليل ان مصطفى كمال أخذ الأنظمة الغربية والقوانين الغربية وأقام الحكم عليها في تركيا وأخذ يطبقها واستطاع ان يطبقها بالفعل عن طريق القوة، ولكنه لم يوجد نهضة، فلم تنهض تركيا بل انحطت عما كانت عليه وأصبحت في الوقت الحاضر من أحط البلدان.ثم ان أقرب مثال على ذلك ما قام به جمال عبد الناصر في مصر فانه منذ سنة 1952م أقام الحكم على أنظمة وقوانين، فأقامه في أول الأمر على تغيير نظام الحكم بوضع النظام الجمهوري مكان النظام الملكي، وعلى توزيع الأراضي.ثم انتقل به الأمر على أنظمة اشتراكية مما يسمى باشتراكية الدولة، ومضى عليه الآن ستة عشر عاماً، ولم يوجد أي نهضة، بل على العكس مصر اليوم من ناحية فكرية واقتصادية وسياسية أحط منها قبل سنة 1952، أي قبل انقلاب الضباط، ومقارنة أعضاء برلمانها اليوم أي مجلس الأمة بأعضاء برلمانها قبل سنة 1952 من حيث المقدرة الفكرية والسياسية يرى الفارق فكرياً وسياسياً بين الأمس واليوم، والوضع فيها يحول دون النهضة.لأن اقامة الحكم على أنظمة وقوانين لا توجد نهضة، وانما الذي يوجد النهضة هو فقط اقامة الحكم على فكرة.غير ان هذه النهضة قد تكون نهضة صحيحة وقد تكون نهضة غير صحيحة.فأوروبا نهضت على فكرة فصل الدين عن الدولة، وكذلك روسيا نهضت على فكرة المادية والتطور المادي وأقامت الحكم على هذه الفكرة سنة 1917، ولكن هاتين النهضتين باطلتان، لأن كلاً منها ليست قائمة على أساس روحي.اذ النهضة الصحيحة هي الارتفاع الفكري القائم على أساس روحي، فان لم يكن الارتفاع الفكري قائماً على الأساس الروحي فانه يكون نهضة ولكن لا تكون نهضة صحيحة.ولا توجد نهضة صحيحة مطلقاً سوى النهضة على أساس الفكرة الاسلامية أي سوى النهضة الاسلامية، لأنها وحدها ارتفاع فكري قائم على الأساس الروحي.غير ان اقامة الحكم على فكرة الاسلام لا تعني القيام بانقلاب عسكري وأخذ الحكم واقامته على الفكرة، فان هذا لا يوجد نهضة، ولا يمكن من الثبات في الحكم، وانما يعني افهام الأمة أو الفئة الأقوى في الشعب الفكرة الاسلامية المراد انهاض الأمة عليها، وجعلها تبني حياتها عليها، وتتجه في معترك الحياة على أساس هذه الفكرة، وحينئذ يقوم الحكم عن طريق الأمة على هذه الفكرة، وبذلك تحصل النهضة قطعاً».
http://xhunter.yoo7.com/t670-topic?highlight=%DE%D6%ED%CA%E4%C7+%E1%ED%D3%CA
(10) وفي السابع عشر من شهر نوفمبر سنة 1952م، تقدم خمسة من الأعضاء المؤسسين للحزب بطلب رسمي لوزارة الداخلية الأردنية، بهدف الحصول على رخصة انشاء حزب سياسي، وهم: -1 تقي الدين/ رئيساً للحزب، -2 داود حمدان/ نائباً للرئيس وسكرتيراً للحزب، -3 غانم عبده/ أميناً للصندوق، -4 د.عادل النابلسي/ عضواً، -5 منير شقير/ عضواً، ثم استكمل الحزب الاجراءات القانونية المطلوبة في قانون الجمعيات العثماني، وأن مركز الحزب هو القدس، وأخذ (علم وخبر) حسب القانون، وبتقديم الحزب بيانه للحكومة مرفقاً بنظامه الأساسي، ونشر الكيفية من قبله في جريدة الصريح العدد 176 المؤرخ في 1953/3/14م، أصبح حزب التحرير حزباً قانونياً اعتباراً من يوم السبت الواقع في 28 جمادى الثانية سنة 1372هـ الموافق 14 آذار (مارس) سنة 1953م، وصارت له الصلاحية بمباشرة نشاطه الحزبي وممارسة كافة الأعمال الحزبية التي ينص عليها نظامه الأساسي، وفق قانون الجمعيات العثماني المعمول به، الا ان الحكومة استدعت مؤسسيه الخمسة وحققت معهم واعتقلت أربعة منهم، ثم أصدرت بتاريخ 7 رجب سنة 1372هـ الموافق 1953/3/22م بياناً اعتبرت فيه حزب التحرير غير قانوني ومنعت القائمين عليه من أي عمل (أي من النشاط الحزبي)، وبتاريخ 1953/4/1م أمرت بنزع لافتات حزب التحرير المعلقة على مكتبه في القدس ونزعتها بالفعل.

·

التعليقات الأخيرة

جميع التعليقات

الإسلام الذي لا ينهض الا تحت اشراف الغرب واليهود لا يمكن وصفه بالنجاح وخصوصا تركيا أردوغان لا تركيا أربكان، وصول الإخوان للحكم في تركيا بالذات هو مؤشر خطير للتنازل الاسلامي الأساسي للغرب المجرم بحق المسلمين جميعا والذي مازال يتمادى، فأي نجاح تتحدث عنه يا دكتور اسماعيل؟

 

 
RocketTheme Joomla Templates