تصويت

ما تقييمك للموقع ؟
 

المتواجدون الآن

يوجد حاليا 36 زوار 
كلمات في علم النفس التربوي

كلمات

في علم النفس التربوي

(دليل الموجّه)

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمات في علم النفس التربوي

النفس الإنسانية خلق عجيب، مهيأ للصلاح والفساد: )ونفسٍ وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دسّاها(.

وهي متشابكة الخطوط. ومن خطوطها ما يرجع إلى أصل الخِلقة (أو المورِّثات)، وما يرجع إلى البيئة والمكتسبات.

وهي أمّارة بالسوء إلا ما رحم ربي. وينفع فيها الصقل والتهذيب، ولذلك كان التكليف بتزكيتها.

والمربي والمعلم يتعاملان مع النفس الإنسانية، فكلما زادت معرفتهما بالنفس زاد مردود عملهما. والتربية والتعليم متداخلان متشابهان، وبينهما بعض فروق نتعرض لها لاحقاً إن شاء الله.

وإن المعرفة بالنفس الإنسانية تمكّن المربي والمعلم من معرفة أمثال هذه الأمور:

1- ما دوافع السلوك؟ وما دور الثواب والعقاب في ذلك؟ وما دور الاندفاع الذاتي؟ وما معنى اللذة والسرور والسعادة؟

2- ما الشخصية؟ وما مكوّناتها؟ وكيف يمكن التأثير فيها؟

3- ما المراد بالمثل الأعلى؟

4- هل الأفراد متماثلون؟ وهل يمكن جعلهم متماثلين؟ وإذا كان هناك فروق فردية فهل يقتضي ذلك تفريد التعليم؟ وكيف يتم ذلك؟

5- كيف يتم انتقال المعارف أو العادات؟

6- ما أهم الوسائل التعليمية والتربوية؟

7- ما المهمات الأساسية في التعليم؟ وما أهم الخصائص التي تزيد من فعالية المربي أو المعلم؟

8- ما دور "الأسرة" أو "الصف"، أي المجموعة، في العملية التربوية أو التعليمية؟ وما أهم المشكلات التي تنشأ في المجموعة، وما علاجها؟

9- ما طبيعة العمليات العقلية: كالانتباه والتفكير والاستدلال والتذكر والنسيان؟

10- ما أهم آداب الجلسات وواجبات الموجه؟...

إلى غير ذلك من الأسئلة المهمة.

* * *

ومحاولتنا هنا إلقاء أضواء على كل ما ذكر، هي نوع من ملء البحر في الفنجان!

فإن علم النفس التربوي ميدان واسع مترامي الأطراف، حتى ليصعب على كتاب واحد أن يحيط ببحوثه، فضلاً عن كلمات مختصرة. لذلك سنكتفي بإشارات مهمة.

ثم إن كثيراً مما تعرضه الكتب في هذا الميدان يعتمد على نظريات ظنية وفلسفات معظمها غير إسلامي. وسنحاول أن نقتصر على ما كان إسلامياً، أو كان –على الأقل- لا يخالف الإسلام. ونسأل الله عز وجل الوقاية من الزلل.

وبعد هذا لابد للمربي أن يطّلع بنفسه على بعض الكتب المتعلقة بالموضوع، كالذي كتبه العلماء المسلمون الأوائل كالغزالي وابن قيم الجوزية، أو المعاصرون كمحمد قطب ومحمد أمين المصري وعبد الرحمن النحلاوي وعبد الرحمن الباني وعبد العزيز النغيمشي...

التربية والتعليم:

لا نريد أن ننقل هنا التعريفات المختلفة لكل من التربية والتعليم، التي تطرحها المدارس التربوية المختلفة، إنما نكتفي بتعريف إجرائي يوضّح الجانب العملي:

فالتربية هي: الجهود الهادفة التي تعمل على بناء الشخصية السوية وإعدادها لما يصلُح لها، وما يُنتظر منها.

وسيمرّ بنا لاحقاً تعريف الشخصية. أما وصفنا التربية بأنها جهود هادفة فلأن هناك مؤثرات مختلفة غير التربية، تتدخل في بناء الشخصية، مؤثرات وراثية أو مكتسبة.

وقولنا: لما يصلح لها، نعني أن هناك ما يصلح لفرد ولا يصلح لغيره، وأن هناك ما يصلح للناس كافة. فما يصلح لفرد دون غيره، هو كل ما يتعلق باستعداده للتوجه العلمي أو العملي، فيدخل فيه تكوين المعارف والمهارات. ومما يصلح للناس كافة: الإيمان بالله، وعبادته، والصدق والوفاء، وحسن الاتصال بالآخرين.

أما التعليم: فهو التزويد بالعلوم والمعارف، وتوضيح المفاهيم، وتكوين المهارات.

والتعليم إذاً أحد مكونات التربية، بل هو أهم مكوناتها. لكنه ليس كل التربية. فقد يتعلم إنسان ولا يلتزم بما تعلمه. فهذا الإنسان لا ينقصه العلم بل تنقصه التربية. وقد ينتفي عن هذا الإنسان وصف العلم، بمعنى أنه لم يلتزم بمقتضياته، كما نفى القرآن وصف السمع والبصر عمن يسيرون في ضلال مبين )وقالوا: لو كنّا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير( )ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون(. إذاً فليست المعلومات هي التي تنقص هؤلاء إنما ينقصهم الاستدلال بها كما ينبغي، ليتعرفوا بها على الرب تعالى.

ينبغي إذاً ألا نفرّط في أهمية العلم والتعليم، كما ينبغي ألا نظن أن التزود بالعلوم والمعارف هو الهدف النهائي للتربية، إنما هو وسيلة. وسيلة إلى التحقق بمقتضى العلوم والمعارف. وهناك وسائل أخرى كالتذكير بالله تعالى، ولفت الأنظار إلى صفاته العليا، وربط القلب برضاه سبحانه، ثم القدوة الحسنة التي يجدها الإنسان في المربي. فالقدوة كذلك من الوسائل المهمة.

التعليم يركز على عقل الإنسان بالشكل الأساسي، والتربية تهدف إلى التأثير على الشخصية الإنسانية كاملة، وليس على الناحية العقلية وحدها. فالمسلم الذي يدرس الشيوعية يكون متعلماً لها، ويكون عقله مستوعباً إياها، لكنه لا يصبح شيوعياً، أي أن شخصيته بقيت إسلامية.

فالتعليم يهدف إلى تكوين المعرفة والخبرة والمهارة... وهذا يكون جزءاً من التربية في كثير من الأحيان.

دوافع السلوك:

لكي يحدث سلوك الإنسان لابد من وجود حافز أو دافع، أي لابد من وجود عامل داخلي يدفع الإنسان إلى الشروع في عمل معين، والاستمرارِ في هذا العمل إلى أن يشبع هذا الدافع. فالإنسان إذا جاع بحث عن الطعام، فإذا وجده أكل حتى يشبع. فهنا يحرّكه دافع الجوع.

فالدافع حالة داخلية جسمية أو نفسية تثير السلوك في ظروف معينة، وتتابع هذه الإثارة حتى ينتهي إلى غاية معينة.

وقد يطلق على الدافع أسماء أخرى مرادفة مثل الحافز والباعث.

إذا استثير دافع أو أكثر انبعث الإنسان للقيام بنشاط معين.

فمثلاً إذا استثير حب الاستطلاع في إنسان اندفع لمحاولة الاستطلاع والتعرف. وإذا استثير دافع التدين اندفع الإنسان نحو التأمل في مظاهر قدرة الله وإبداعه، أو اندفع نحو عبادته ودعائه.

ويغلب أن يستثار دافعان أو أكثر في آن واحد، فيندفع المرء لإشباع هذه الدوافع معاً، فإذا استثير مثلاً دافع التدين ودافع الاستطلاع معاً حاول المرء استطلاع ما وراء الكون والتعرف على الخالق...

وقد اختلف علماء النفس كثيراً في تشخيص الدوافع، واختلفوا بالتالي في تعدادها: هل هي فطرية موروثة أم أنها مكتسبة؟ وهل هي محدودة العدد؟ وما عددها؟ أم أنها غير محدودة، بل تزيد وتنقص حسب العصر والبيئة؟!.

ومنشأ الخلاف هو أن الدوافع الفطرية، والتي تسمى عادة بالغرائز، تكون لها مظاهر متعددة، وتتفاعل مع الحالات الاجتماعية المختلفة، وتنشأ في صور شتى. فهل نسمي كل صورة دافعاً أو غريزة؟ أم نعتبرها فروعاً لغريزة واحدة؟ ثم إن سلوكاً واحداً للإنسان قد يكون نتيجة لمجموعة دوافع أو غرائز، فيختلف علماء النفس في تحليل هذه الدوافع أو الغرائز، أو في دمجها وإطلاق تسمية على حصيلة الدمج.

في الإنسان مثلاً دافع حب البقاء، ودافع حب الطعام... فهل نعتبرهما دافعين اثنين أم غريزتين، أم أن الأول منهما غريزة، والثاني فرع لهذه الغريزة؟! وفي الإنسان دافع لحب بقاء النوع يظهر في رغبته في التناسل، وفي الميل الجنسي. فهل الدافع الجنسي مستقل عن دافع حب البقاء، وهل نعدّ أحدهما أو كليهما غريزة؟

وهل دافع حب بقاء النوع فرع لدافع حب البقاء، أم أنه دافع مستقل؟!

وحتى نخرج من الخلافات في تعداد الدوافع والغرائز، وفي التمييز بين ما هو دافع وما هو غريزة سنذهب مذهب من يسمي ذلك كله بالدوافع.

ومع ذلك لابد من بعض بيان: الدافع قد يكون حالة جسمية كالجوع، أو حالة نفسية كالرغبة في التفوق. وقد يكون حالة مؤقتة كالغضب، أو حالة دائمة كالتديّن. ومن ناحية أخرى قد يكون حالة فطرية كالجوع، أو حالة مكتسبة كالدافع للاجتماع بالآخرين، ودافع السيطرة.

ومن أهم الدوافع: التدين، حب البقاء، التملك، الجنس، حب الظهور، حب الاستطلاع، العطف على الضعيف (الأمومة أو الوالدية).

وقد يعجز العقل عن ضبط هذه الغرائز والحيلولة دون جنوحها. بل قد يقع تحت تأثيراتها فيفلسف هذا الجنوح، أو –على الأقل- يضعُف عن التحكم فيه.

ولذلك أرسل الله رسلاً، وأنزل عليهم وحياً، وجعل ثواباً وعقاباً، وبيّن للناس طريق الخير ورغّبهم فيه، وطريق الشر وحذّرهم منه.

فمن اتبع هدى الله، وحكّم عقله لضبط غرائزه وفق هدى الله، تحققت له السعادة. ومن انحرف عن هدى الله وقع في الخلل بقدر هذا الانحراف.

فالنفس الزكية هي التي ضبطت دوافعها فلم تعد تجنح. والنفس المدسّاة الخبيثة هي التي تقع تحت وطأة وساوس الشيطان فتطغى بعضُ دوافعها، وتُكْبَت فيها دوافع أخرى، ويشقى صاحبها ويتعرض للصراع.

كيف تتم الاستجابة للدافع؟

عندما يثار الدافع يحدث توتر. وعندما يُشبَع الدافع يزول التوتر.

وفي التربية والتعليم أهمية كبيرة لعملية الدافعية. فيجب توفير الظروف التي تستثير دافعية الطفل أو التلميذ للتعلم، وتحرّك نشاطه، وتوجهه بالاتجاه الذي يُحقق التعلم واكتساب الخبرة المطلوبة. ومن الدوافع التي تفيد إثارتها في ميدان التربية والتعليم دافع حب الاستطلاع، ودافع الإنجاز، ودافع السيطرة والتحكم، والدافع الاجتماعي.

اللذة والسرور والسعادة:

إن إشباع أي دافع يترافق بلذة. وإن قمع أي دافع أو عدم إشباعه يؤدي إلى ألم. مثال ذلك دافع الطعام والشراب. فمن جاع أو عطش شعر بألم. ومن أكل أو شرب – لاسيما بعد جوع وعطش- شعر بلذة.

ومثل ذلك: من اكتشف شيئاً شعر بلذة لأنه أشبع حب الاستطلاع، ومن تغلب على عدوّه شعر بلذة لأنه أشبع دافع حب التفوق.

لكن الإنسان قد يشعر بلذة –كما سبق- ويشعر بانقباض من ناحية أخرى. فمن سرق مالاً شعر بلذة لأنه أشبع دافع حب التملك، لكنه أحس بشيء يكدّر لذته ويمنعه من السرور، وذلك لأنه قمع دافع التدين أو الدافع الأخلاقي، فكل من الدافعين الأخيرين يقتضيان منه الأمانة ويمنعانه من السرقة.

أما من ربح مالاً بتجارة أو هدية فإنه يشعر بلذة صافية لأنه أشبع غريزة أو أكثر ولم يقمع أية غريزة.

فالشعور الذي يحدُث من خلال إشباع أي دافع يسمى لذة، فإذا لم يترافق ذلك مع قمع أي دافع آخر، سمي سروراً. والذي يعيش مشبعاً دوافعه جميعاً يكون سعيداً.

فاللذة هي الشعور المرافق لإشباع أي دافع، سواء أقَمَعَ دافعاً آخر، أم لا.

والسرور هو الشعور الناشئ من إشباع دافع من دون قمع أي دافع آخر.

والسعادة هي شعور الذي يشبع دوافعه كلها بانسجام.

واللذة ليست خاصة بالمسلم التقي، بل يشعر بها التقي والفاجر، بل الكافر.

والسرور كذلك، لكنه في المسلم أكثر، لأن الكافر والفاجر قَلَّ أن يخلُوا من قمع دافع، وهما يشبعان دافعاً.

والسعادة لا يذوقها غير المسلم، بل هي تزداد بازدياد الإيمان. فالذي يحقق التوازن الصحيح الدقيق بين الدوافع، أو يحقق الانسجام الداخلي التام إنما هو اتباع منهج رب العالمين، الذي خلق الناس، وشرع لهم ما يصلح لهم.

)فمن اتّبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى(.

ومن هنا نفهم كيف أن أناساً كفاراً أو فساقاً، يمارسون قدراً كبيراً من اللذات، ثم هم يعانون من الشقاء، ولا يعرفون طعم السعادة، فيهربون من واقعهم بتعاطي الخمور، أو يصابون بالفصام النفسي، أو ينتحرون... بينما نجد المؤمن يتحمل مشاق الجهاد، ويجالد أعداء الله، ويصبر على أذاهم... والسعادة تملأ قلبه.

الانفعالات: العواطف والاتجاهات والعقد:

تمر في حياة الإنسان أحدات تولّد في نفسه مشاعر، وتحرك دوافع على نحو مؤثر يجعل قوى هذا الإنسان وإمكاناته في خدمة هذه المشاعر. ونسمي هذا النوع من استثارة المشاعر: عاطفة.

ومن أمثلتها عاطفة الأمومة التي تتولد في النفس لدى رؤية طفل أو حيوان صغير في وضع بئيس. أو عاطفة الثأر حين يقوم عدو بانتهاك حرماتنا...

فالانفعال: حالة وجدانية ثائرة وقوية وطارئة ومفاجئة. ومن أمثلتها: انفعالات الخوف والفرح والحزن.

أما إذا تكررت عاطفة معينة في أزمنة مختلفة وبأساليب مختلفة فإن الأثر الذي تُخَلّفه إثارة هذه العاطفة بهذا الشكل المتكرر المتنوع يولد لدينا اتجاهاً. ففلان لديه اتجاه نحو إغاثة الفقراء وجمع التبرعات لهم واستقصاء أحوالهم...

وآخر لديه اتجاه نحو التحريض على الجهاد وتأكيد إعداد العدة له..

وثالث لديه اتجاه نحو التعاون مع العدو والتآمر معه على أبناء جلدته..

فالاتجاه –وفق هذا الوصف- عاطفة عميقة ترافقت بطول الممارسة والتكرار، وكثيراً ما يكون بؤرة تتجمع حولها مجموعة عواطف. فعاطفة الأمومة، وعاطفة الفرح لرؤية الطفل أو نجاحه، وعاطفة الحزن للبعد عنه أو لإخفاقه، وعاطفة الخوف عند تعرضه للخطر... كل هذه العواطف تتجمع مع عاطفة الأمومة لتولد اتجاهاً عند الأم لحب ولدها ورعايته...

ونلاحظ أن العواطف والاتجاهات يتحرك الناس بموجبها بكامل شعورهم وقصدهم.

ولكن قد يحدث أن تتأكد بعض الاتجاهات في النفس بشكل عميق نتيجة شدة الممارسة أو طولها حتى تصبح جزءاً من كيان الفرد يتصرف حيالها بشعور أو من دون شعور. أو يحدث أن يمر الإنسان بتجربة واحدة لكنها تكون ذات أثر عنيف (إيجابي أو سلبي) فتولّد في النفس دافعاً مثل الأول من حيث أن الفرد يتصرف حياله بوعي ومن دون وعي. ونسمي هذا الدافع عقدة.

وأكثر ما نستعمل هذا التعبير في العُقد المَرَضية أي ذات الأثر السلبي. فمثلاً قد يتعرض طفل في الرابعة من عمره إلى هجوم كلب عليه ويصاب برعب شديد، ثم ينجو منه بسبب من الأسباب، ثم ينسى الحادث بعد مرور الأيام والشهور، لكنه يبقى، ربما طوال عمره، يحس بخوف من الكلب وكره له... وقد لا يعرف السبب... فنقول: إن لديه عقدة خوف من الكلب. وهي عقدة مرضية.

وينشأ طفل في بيت مسلم يُكْثر أهله من ذكر النبي r ومن الصلاة عليه ومن ذكر شمائله الكريمة... فيصبح حبه عميقاً في نفسه ينطلق لسانه تلقائياً بالثناء عليه كلما ذكر، كما ينطلق تلقائياً بالهجوم على من يسيء إلى النبي r بكلمة أو بإشارة. فنقول إن لديه عقدة حب للنبي r. وهي عقدة صحية سوية.

وقد ضربنا المثلين بطفل. وإن معظم العقد تتكون في نفوسنا ونحن أطفال.

دور الثواب والعقاب في السلوك الإنساني:

يكفي دليلاً على أهمية الثواب والعقاب في توجيه السلوك، أن الله تعالى جعله حافزاً على فعل الخير ونبذ الشر.

وعلى المربي أن يُحسن استخدام الثواب والعقاب من خلال أمثال هذه المؤشرات:

1- أن يُكثر في هذا الأمر من المعنويات، ويقلل من الماديات. فيكون معظم الثواب الذي يستعمله هو تعليق القلب برضوان الله وثوابه، ثم ببسمة في وجه تلميذه، وبكلمة تشجيع، ثم بهدية رمزية في بعض الأحيان (يبدأ بالثواب القليل ثم يزيد...).

ويستعمل عكس ذلك في العقاب، أي التخويف من غضب الله وناره، ثم الحرمان من بعض الأمور التي يحبها الطفل، كحرمانه من نزهة أو حفلة، ثم حرمانه من بسمة المربي، ثم بتوجيه كلمة زجر له، ثم بمقاطعته وضربه... وفي الأحوال الأخيرة من العقوبة المادية يجب أن تكون قاسية زاجرة غير متدرجة، لأن إيقاع الضرب الخفيف ثم الأشد ثم الأشد يفقد قيمته كلياً. وهذا كله لا يعني أن يكون الضرب مؤذياً أو مبرّحاً.

2- أن يحبب إليه السلوك الجيد حتى يشعر بلذة وسرور لدى الالتزام به، فيكون الثواب ذاتياً من ضمن العمل المطلوب تعويده عليه، وهذا أدعى إلى دوام الالتزام. فمثلاً إذا أعطينا الطفل مكافأة (مادية أو معنوية) لقاء صلاة يؤديها، أو سورة يحفظها، فإن هذا حسن، من حيث أن الارتباط النفسي بين العمل والمكافأة يجعل العمل محبباً لديه، لكن يُخشى منه أحياناً أن ينقطع عن الصلاة أو الحفظ إذا انقطعت المكافأة، أما إذا جعلناه يحب الصلاة ذاتها، ويتعلق بها لما فيها من مناجاة الله تعالى وتحصيل رضوانه... فإن الارتباط يكون أوثق وأدوم.

3- وأن يكون الثواب والعقاب متناسبين مع السلوك الذي ارتبط بهما، فيكون الثواب (وكذا العقاب) كبيراً أو صغيراً بما يناسب ذلك السلوك.

4- وأن يكون توجيه الثواب والعقاب قريب الزمن، قدر المستطاع، من حدوث السلوك الذي استوجب ذلك، فإن تأخر الزمن يقلل من الأثر الإيجابي للثواب والعقاب.

وبالخلاصة فإن استخدام الثواب والعقاب ينبغي أن يكون بمقدار، وأن يُستعمل بشكل فني دقيق، ولا يصبح هدفاً بذاته، بل وسيلة إلى تعزيز الدافع الذاتي. فإن الوصول إلى هذا الاندفاع الذاتي هو أحد معايير نجاح المربي، فالمربي الناجح يولد في نفس التلميذ عاطفة حب وميل نحو الشيء الذي يريد ربطه به، ثم يكرس هذه العاطفة حتى تصبح اتجاهاً، وأقصى نجاحه يكون إذا جعل في نفسه عقدة إيجابية تجاه هذا الشيء (أي تجاه الصلاة مثلاً أو المطالعة أو الصدق أو التعاون).

الشخصية:

قد نقول: "فلان شخصية" بمعنى أنه ذو قامة طويلة ومنظر جميل.. وهذا المعنى هو أبعد المعاني عن الصواب في تعريف الشخصية. نعم إن شكل البدن وقوته أو ضعفه أو وجود عاهة... يكون له أثر على النفس من حيث الشعور بالقوة أو الزهو أو النقص، أو الشعور بإعجاب الآخرين أو عطفهم... فيكون هذا الأثر جزءاً من مكونات الشخصية. أما شكل البدن نفسه فليس من الشخصية، أو ليس هو المكون الحاسم أو الأساس في الشخصية.

وقد نقول: فلان ذو شخصية قوية، أو جذابة، أو متواضعة... وبذلك نصف بعض ملامح شخصيته.

فما الشخصية ؟

تذكر مدارس علم النفس تعريفات شتى للشخصية. منها:

1- أنها جميع أنواع النشاط التي نلاحظها عند الفرد، عن طريق ملاحظته ملاحظة فعلية خارجية لفترة طويلة كافية، تسمح لنا بالتعرف الكامل عليه.

2- أنها السلوك المميز للفرد.

3- أنها مجموعة الأعمال أو العادات التي تؤثر في الآخرين.

4- أنها التنظيم الكامل لكيان الإنسان عند مرحلة معينة من مراحل نموه.

وهي بذلك تشمل النواحي العقلية والنفسية والمزاجية، والاتجاهات والميول والأخلاق.

5- هي كل الاستعدادات والنزعات والميول والشهوات والغرائز... الفطرية والمكتسبة.

6- هي عبارة عن التوازن بين السمات التي يتقبلها المجتمع والتي لا يتقبلها.

إلى غير ذلك من التعريفات التي تلتقي في نقاط وتختلف في نقاط. فإذا أردنا أن نتخير تعريفاً يجمع معظم ما ذكر آنفاً، نقول:

الشخصية هي جملة الصفات المترابطة: العقلية والنفسية، الموروثة والمكتسبة، التي تؤثر في سلوك الإنسان ومواقفه.

فيدخل في بنية الشخصية: الذكاء والذاكرة وقوة المحاكمة، والهدوء والانسجام.. وعكس ذلك من الصفات، سواء ما كان من أصل خلقته، أم ما اكتسبه من بيئته، فإن سلوك الإنسان حيال أي موقف أو حادث، هو حصيلة لجملة تلك الصفات.

وتؤثر في تكوين الشخصية وتركيبها عوامل عديدة يمكن أن نفرق فيها بين نوعين.

1- العوامل الجسمية، وهي ما يتعلق بالنمو الجسمي العام والصحة الجسمية.

2- العوامل الاجتماعية، وهي التي تتوقف على البيئة التي يعيش فيها الفرد. وهذه أيضاً تنقسم إلى قسمين: العوامل المؤثرة داخل المنزل، مثل حالة الأسرة المادية والثقافية وتماسكها... والعوامل المؤثرة خارج المنزل، كالمدرسة والعمل.

وقد وَصفت كثير من النظريات في علم النفس عوامل الشخصية، وحاولت بعضُ هذه النظريات تحديد سمات الشخصية الأساسية وأبعادها. بينما حاولت نظريات أخرى أن تقسم الناس إلى فئات بحسب شخصياتهم، وحددت هذه الفئات على أساس صفات معينة.

وما الذي تستفيده من هذا كله في ميدان التربية؟

إن المربي يريد بناء الشخصية السوية للفرد... فكلما استطاع أن يُدخل تأثيراً إيجابياً على أحد مكونات الشخصية، انعكس ذلك بالخير على مكوناتها الأخرى بنسبة ما. وكلما كانت تأثيراته متنوعة، شاملة لأكبر قسط من هذه المكونات، كانت هذه التأثيرات أكثر عمقاً وشمولاً.

فالمربي الخبير يرمي إلى التأثير على الجوانب العقلية والنفسية، فينمي الذاكرة والبداهة والقدرة على الابتكار... ويزرع الثقة والأمن والأخلاق الفاضلة... ويبني هذا كله ويربطه بالإيمان بالله تعالى وحبه وخشيته..

المثل الأعلى:

في النفس دوافع شتى، وغرائز متنوعة. وللشخصية مكونات عديدة. فأين يتجه الإنسان، وتحت أي من الدوافع أو الغرائز يقع؟ صحيح إنه في كل موقف تبرز غريزة، أو مجموعة محدودة من الغرائز، ولكن يبقى أمام الفرد خيارات عدة.

مثلاً يجد الشاب أمامه –وقد تخرج في الجامعة- احتمال أن يتمم دراساته العليا، أو يعمل في وظيفة حكومية، أو لدى مؤسسة، أو في بلد آخر، أو يتجه نحو التأليف، أو يقعد معتمداً على دخل يأتيه من والده الغني..

ويُدعى إنسان إلى حفل، فيرى أن يلبي الدعوة، أو أن يعتذر، أو أن يتظاهر بتلبية الدعوة وينوي عدم الحضور، أو يحضر فيرى ما يسوؤه فينهى عن ذلك، أو ينسحب، أو يسكت متألماً، أو يندمج في الحفل على الرغم من عدم رضاه بكل ما يحدث... فما الذي يجعله يختار واحداً من هذه الخيارات المتعددة؟

إن كل خيار ينطوي على ترجيح دافع أو غريزة. ونقول: إن لكل إنسان مثلاً أعلى يوجهه لترجيح ما يناسبه.

وهناك مثل أعلى شامل ينظم شؤون الحياة جميعاً، ويوجه سلوك الفرد في مواقفه كلها... وذلك هو الدين، وبشكل خاص: الإسلام، بما أنه ليس عقيدة في القلب فحسب، أو عقيدة وشعائر فقط، بل هو شامل لأنشطة الإنسان الروحية والبدنية والفكرية... في كلٍّ واحد متناسق، متوجه إلى الله رب العالمين.

وهناك مثل أعلى جزئي: كأن يكون هذا المثل لدى إنسان ما، هو الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهو يوجه أنشطته كلها لخدمة هذا المثل. ويكون هذا المثل الأعلى لدى مسلم آخر هو الإكثار من ذكر الله تعالى، أو الإقبال على العلم والشغف به، أو مساعدة الضعفاء والدفاع عن المظلومين.

وهذا كله يبقى في مجال الخير والبر والتقوى (إذا كان كالأمثلة السابقة).

وقد يقال إن المثل الأعلى لفلان هو عمر بن الخطاب، والمثل الأعلى لفلان هو الشاعر المتنبي... ويُقصد به عندئذ أن قدوته في ميدان من ميادين الحياة هو عمر أو المتنبي.

وهذا يكون حسناً أو سيئاً بقدر ما يتجسد في القدوة من فضائل. والمثل الأعلى الكامل –إذا كان إنساناً- هو سيدنا رسول الله r.

وكلامنا حتى الآن في المثل الأعلى الحقيقي، أي الذي يستحق أن يكون مثلاً أعلى، أو الذي يليق به أن تتوجه نحوه نشاطات الفرد. ولكنّ هناك مُثُلاً عليا زائفة. بمعنى أنها مثل عليا في نظر أصحابها فقط. وهذا كمن يجعل مثله الأعلى أن يجمع المال، فلا يبالي أكان ذلك من حلال أو حرام... ولا يبالي أصان كرامته في ذلك أم أهدرها. أو كالذي يجعل مثله الأعلى أن يستعلي على عباد الله ويضطهدهم، كشأن فرعون وأضرابه.

وأصحاب المثُل العليا الزائفة بحاجة إلى تصحيح نظرتهم، وتوضيح زيف مُثُلهم... وبحاجة بعدئذ إلى زجر وبتر إذا لم يَرْعَووا.

الفروق الفردية:

ذكرنا أن للشخصية مكونات شتى. وهناك وسائل لقياس هذه المكونات. وهذه الوسائل تتفاوت في بساطتها وتعقيدها. وأكثره معقّد من ناحية، ودلالته تقريبية. فيمكن مثلاً قياس قدرة الفرد على التذكر، أو قياس شجاعته، أو صبره على المكاره... وتسجيل ذلك بأرقام تعبر عن قوة هذه المكونات لدى الفرد.

ومن أبسط الأمثلة على ذلك امتحان الطلاب في مادة من المواد أو في مجموعة المواد، وتسجيل علاماتهم. فإذا سجلنا علامات طلاب أحد الصفوف في مادة الرياضيات، واستخرجنا المعدل الوسطي لعلامات هؤلاء الطلاب، فإن الفرق بين علامة أي طالب وبين المعدل الوسطي، يمثل الفرق الفردي لهذا الطالب عن أقرانه في هذه المادة.

والناس يتفاوتون في حدّة أسماعهم وأبصارهم، وفي قدرتهم على فك مجموعة من القطع المركبة، وفي فهمهم لنظرية جديدة تُعرَض عليهم، وفي حِلمهم ونزقهم، وفي اهتمامهم بطعامهم ولباسهم، وفي أعمارهم، وفي جنسهم (الذكورة والأنوثة)..

وأكثر ما تظهر الفروق الفردية في الذكاء والاستعدادات والقدرات والمواهب. وسنتعرض لها فيما بعد.

وحيال هذا التفاوت لا يجوز معاملتهم وكأنهم نموذج واحد مكرر.

وفي الوقت نفسه فإن مراعاة الفروق الفردية بشكل تام غيرُ ممكن، لأن هذا يقتضي الكشف الدقيق لمزايا كل فرد وخصائصه، ثم معاملته مستقلاً عن غيره، لأننا لن نجد اثنين من البشر متماثلين في كل شيء.

لابد إذاً من اتخاذ موقف عملي وسط، لا يلغي الفروق، ولا يجعلها كل شيء.

هناك أمور ينبغي أن يشترك فيها كل الناس، وأن تُتَخيّر كل الوسائل المُجْدية لتحقيقها فيهم. كأن يؤمنوا بالله تعالى، ويؤدوا العبادات، ويلتزموا بالصدق، ويتعلموا القراءة والكتابة، ويعرفوا كيف يتعاملون مع الآخرين...

وهناك بعض أمور، من الطبيعي أن يتفاوتوا فيها، وكل ميسَّر لما خُلق له. هناك من ينتج في مجال البحوث، ومن يتفوق في مجال الرياضة أو تصليح الآلات الدقيقة، أو إنشاء علاقات اجتماعية واسعة... وليس من الحكمة إغفال ذلك.

هناك أصناف عدة لاختبار الفروق الفردية. أهمها: اختبارات القدرات الخلقية، واختبارات الاستعدادات (مدى نجاح الفرد في عمل لم يتدرب عليه). واختبارات الذكاء، واختبارات التحصيل الدراسي (أو المدرسي) واختبارات الشخصية (الميول والاتجاهات والدوافع والأمزجة). فإذا كشفنا الفروق الفردية عن طريق القياسات العملية، أو عن طريق المعرفة الشخصية المباشرة أو الحدس، وجب أن نراعيها في التربية.

وأول مظاهر هذه المراعاة أن نقسم الأفراد (التلاميذ) إلى مجموعات متقاربة في المزايا. وبما أن المزايا التي تتناولها المقاييس كثيرة، كان لابد من إعطاء أولوية لهذه المزايا، وإقامة التصنيف على أساسها.

هنالك أولاً اعتبارات قسْرية.فنحن مثلاً لا نستطيع أن نجعل تلميذين في مجموعة واحدة إذا كانا يسكنان في بلدين مختلفين، أو في حيين متباعدين جداً، مهما كانت مزايا هذين التلميذين متقاربة.

وهنالك ثانياً حالات نجهل فيها صفات التلميذ تماماً، كما إذا كان التلميذ جديداً علينا. فعندئذ لابد من اعتماد تصنيف أولي وفق ما يتحصل من معلومات سريعة كالسن والتحصيل الدراسي.

أما في الأحوال الاعتيادية، حيث نعرف شيئاً كافياً عن صفات التلاميذ، ولا نجد اعتبارات قسرية تقتضي جمعهم أو تفريقهم، فإننا نقيم لهم اختباراً أو سلسلة من الاختبارات، نمتحن فيها ما يهُمنا من صفاتهم. فعندما يكون هدفنا تزويدهم ببعض العلوم الإسلامية، وصياغتهم وفق بعض القيم والمفاهيم، فإننا نختبر حصيلتهم في هذه الأمور، ونتخير الأفراد المتقاربين فيها لنضعهم في مجموعات معاً.

وعندما يكون هدفنا تخريج مقاتلين فإننا نختبر الصفات البدنية والنفسية، والخبرات السابقة التي تتعلق بالقدرة على استعمال السلاح والتعامل معه...

ثم ماذا بعد هذا الفرز ؟

ستبقى هناك فروق فردية. لأن التقارب في المستوى العام لا يعني التقارب –فضلاً عن التماثل- في كل صفة. لكن سيعود التعامل أسهل، وتطبيق فكرة تفريد التربية والتعليم أكثر إمكانية.

وأسهل وسائل التفريد أن يختار المربي لكل تلميذ من التكليفات التي تخدم الأهداف التربوية، ما يراه بحاجة إليه، وأن يوجه إليه من الأسئلة ما يناسب مستواه، وأن يُجري له من الامتحانات ما يمكّنه من التقدم المستمر من غير أن يحُدّ من إمكاناته، أو أن يُدْخله في مواقف كثيرة يُخفق فيها.

كما يمكن اتباع طريقة المجمَّعات التعليمية أو الرُّزم التعليمية، ويكون بأن يرتب المعلم الخبرات التربوية (التي يريد تنشئة تلميذه عليها) ضمن رُزَم، تمثل كل رزمة منها وحدة مستقلة متكاملة من الخبرات، وترفق كل رزمة بمجموعة من الأنشطة والوسائل التربوية (كتب ومجلات وخرائط وأجهزة تسجيل وأدوات...).

فيختار التلميذ الرزمة التي ينسجم معها أكثر. ويكون دورُ المعلم دورَ المشرف والمراقب الفاحص.

فإذا أنجز التلميذ رزمة، قدّم له المربي مجموعة أخرى من الرزم المدروسة كذلك والمبرمجة، ليختار منها رزمة... وهكذا.

التعليم وانتقال المعارف والعادات:

قال الله تعالى: )والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون(.

فهو سبحانه قد زوّد الإنسان بأدوات الاستقبال، من عقل وحواس، فيبدأ بالتعرف على المحيط حوله، ويتعلم المشي والنطق..وآداب المائدة واحترام الكبير..والكتابة والقراءة، ومعاني الخير والشر..والاهتمام بالنظافة والتعاون...

وينشأ في الحالة السويّة تغيّر في سلوك الإنسان كلما تعلم شيئاً جديداً. وهذا السلوك الجديد إذا تكرس بالتكرار أصبح عادة. وهذه العادات هي لب عملية التربية والتعليم.

ونحن نستدل على حدوث عملية التعلم برؤية آثارها في التلميذ بأن يَظهر تحسّن في كتابته أو إجابته على بعض الأسئلة، أو سلوكه.. لذلك لابد أن يضع المربي هدفاً محدداً من كل درس ووسيلة، لاختبار تحقق هذا الهدف. فإذا أراد أن يعلّم تلميذه تلاوة القرآن، أو النظافة، فيكون الاختبار هو التحقق من أن تلاوته قد تحسنت فعلاً، بحيث صار يتلو أفضل من ذي قبل، أو بحيث تصبح عنايته بنظافة يديه وثيابه وطعامه أكثر. وهذا ما يعبَّر عنه بأن التعلم تغير في الأداء يحدث نتيجة الممارسة. ولنتذكر أن هذا التغير قد يكون في جانب المعرفة (ازدياد المعلومات والمهارات، أو توضيح المفهومات) أو في جانب الانفعال (العواطف والميول وضبط الغرائز) أو في جانبي المعرفة والانفعال معاً.

والتعلم أنواع من حيث هدفُه ونتائجه. هناك التعلم الحركي (تعلم السباحة والرماية وركوب الخيل) والتعلم المعرفي (تعلم الفقه والتاريخ) والتعلم اللفظي (القراءة والاستظهار)، والتعلم العقلي (حل المشكلات واستخدام الأسلوب العلمي في التفكير)، والتعلم الاجتماعي (أخلاق التعامل)، والتعلم الوجداني (اكتساب العواطف وضبط النفس)...

وأما نظريات التعلم فكثيرة. وللسهولة يمكن أن نصنفها في صنفين:

الأول: النظريات الترابطية وهي التي تتلخص في أن التعلم إيجاد روابط بين مثيرات واستجابات، كنظرية التعلم الشَّرطي لـ (بافلوف)، ونظرية المحاولة والخطأ لـ (ثورنديك) فكلتاهما تربط بين المثير والاستجابة. مثال بافلوف: دُقّ جرس فجاء عقبه لحم، وتكرر ذلك فصار دقّ الجرس يثير في النفس ما يثيره مجيء اللحم. ومثال ثورنديك: ضَغَطَ المتعلم بنفسه على زر فوقعت أمامه قطعة سكر، فصار ضغط الزر مرادفاً لمجيء قطعة السكر.

الثاني: نظريات الاستبصار (الجشطلت). وهي تعيب على النظريات السابقة أنها مفتعلة وساذجة. فالتعلم في حياة الناس لا يتم عن طريق هذا الترابط البسيط بل عن طريق الاستبصار أي الرؤية الكلية للمحيط، ثم التوصل إلى الحل المناسب فجأة. ولا شك أن نظريات الاستبصار هذه هي الأكثر حدوثاً في حياة الإنسان، لا سيما البالغ، بينما النظريات الترابطية لا تصلح إلا لتفسير التعلم البسيط كالذي يحدث عند الحيوانات، أو عند الطفل المبتدئ.

ومن أهم ما يجعل عملية التعلم مثمرة وجذابة: وجود الدافعية، أي وجود دافع لدى المتعلم يشدّه إلى التعلم. فالدافع هو الطاقة الكامنة في الكائن الحي، التي إذا استثيرت دفعت إلى نشاط مصحوب بتيقّظ.

فإذا أردنا تعلماً جيداً فعالاً مؤثراً وجب أن نعرف دوافع التلميذ، وأن ندع لها مجالاً حتى تظهر فنكشفها ونوجهها ونُشبعها، ونوجد لها مثيرات حتى نوقظها كلما أردنا من التلميذ أن يتعلم.

فسؤال المربي تلاميذه: من منكم يحب أن يدخل الجنة؟ أو: من منكم له أخ صغير؟ أو: من يحب المشاركة في رحلة؟.. يثير عندهم بعض الدوافع، فإذا أحسن أن يتابع هذه الدوافع ويعطيهم ما يريد من معارف ومفاهيم... كان أثر ذلك قوياً في نفوسهم.

* * *

ومما يثير الدافعية ويعين على استثمارها:

- اكتشاف ميول التلميذ، ومراعاة المفيد منها، واستثمارها.

- وضوح الهدف من مادة التعلم عند التلميذ، والمعرفة بفوائدها.

- الاختبار أو الامتحان، لاسيما إذا أعلن عنه قبل فترة تكفي للاستعداد والتحضير. على أنه ينبغي ألا تكثر الاختبارات بحيث تفقد قدرتها على الإثارة.

العوامل المساعدة على التعلم الجيد:

1- التكرار: إن تكرار شيء ما، يُكْسبه نوعاً من الثبات والكمال. وهذا يفيد كثيراً في تعلم بعض المهارات اليدوية.

2- الدقة: نتيجة التكرار والحفظ يكتسب الإنسان الدقة. والإنسان  الدقيق أسرع تعلماً، وتعلّمُه أثبت وأرسخ.

3- الأولوية: الآثار الأولى التي تتركها عملية التعلم تكون أكثر فعالية من الآثار التي تأتي بعدها. لذلك قيل: من شبّ على شيء شاب عليه. والعلم في الصغر كالنقش على الحجر.

4- التنظيم: فاعلية التعلم تزداد كلما وُجدت علاقات أكثر عدداً ووضوحاً وانتظاماً بين الأشياء التي يراد تعلّمها.

5- الحداثة: عملية التعلم مستمرة ومتغيرة ومتجددة. فالتعلم الحديث يكون أقرب إلى الاستدعاء والاستعمال.

6- عامل الأثر: إن الناتج من عملية التعلم يترافق مع شعور بالإنجاز والنجاح، وهذا يدفع إلى مزيد من السعي وراء النجاح.

ولنلاحظ أن أثر كل واحد من هذه العوامل وغيرها يختلف بين فرد وآخر، وأن عملية التعلم بجملتها تتم نتيجة عمليات عقلية معقدة كالإدراك والتذكر...

الوسائل التربوية والتعليمية:

وهي الوسائل التي تعين على إدراك المعاني بدقة وسرعة، كمشاهدة النماذج وتمثيل الروايات وإجراء التجارب العملية وإقامة المعارض... لذلك قد نسمي هذه الوسائل بـ (المُعينات).

ينبغي أن يعلم المربي أن الكتاب المقرر لم يوجد لكي يتقيد به بشكل كامل، أو يكتفى به، بل هو مرشد للمربي والتلميذ. لذلك ينبغي الاستعانة بما أمكن من الوسائل لغرس الفِكَر، وتوضيح المفهومات.

وقد عُرف استعمال الوسائل التربوية منذ قرون طويلة. وفي القرن العشرين جاء جون ديوي (1859- 1951) فركّز على مبدأ التعلم بالعمل، أي أن يجرب التلميذ بنفسه ويستطلع بسمعه وبصره، ويبحث ويسأل.

وأهم الوسائل التربوية والتعليمية:

1- التقليد: أي أن يقلد الصغيرُ الكبير، والتلميذُ المعلم، وبخاصة في الأمور العملية والسلوكية والأخلاقية. وتزيد أهمية التقليد ومقداره كلما زاد حب التلميذ لمعلمه، حتى إنه قد يصل إلى درجة الاستهواء وهو التقليد الكامل بحب وشغف، ولو من غير وعي وتفكير. فالاستهواء له دور عظيم إذا كان سلوك المقلَّد أكمل وأفضل، كما يكون خطير العواقب إذا كان سلوكه خاطئاً منحرفاً.

2- الرواية والقصة: للقصص أثر عجيب في النفوس، لاسيما نفوس الصغار. ففي مجال التعليم كم يكون جذاباً أن يحول المعلم أحداث السيرة النبوية والتاريخ... إلى قصص مترابطة؟ وفي مجال التربية كم يكون الأثر كبيراً إذا سرد القصص الحقيقية أو الرمزية، كقصة الراعي الكذاب، وقصة الحمامة التي رأت نملة تغرق في الماء فأمسكت عوداً ومدّته لها فنجت، ثم رأت النملة صياداً يصوّب بندقيته نحو الحمامة، فقرصت قدمه فاختلج جسمه فنجت الحمامة، وقصة المعلم الذي أعطى كل تلميذ دجاجة وقال له: اذبحها بحيث لا يراك أحد، فعاد أذكاهم ولم يذبحها، وقال: أينما ذهبت فالله يراني... فالقصة الأولى للتنفير من الكذب، والثانية للحض على التعاون، والثالثة: لتأكيد معنى رقابة الله.

3- الصحافة (الصحف والمجلات..): وفائدتها معروفة، وهي تشمل المطبوعات والمطويات (البروشورات) والصحف الجدارية والنشرات الخاصة...

4- الكتابة: سواء ما يسطره المعلم، أو ما يقرره للطلاب من كتب.

5- السبورة: وتفيد في تحقيق المشاركة بين السمع (صوت المعلم) والبصر (كتابته على السبورة)، وفي توضيح الرسومات والخطوط البيانية والخرائط.

6- التمثيليات: وتفيد في تشخيص بعض القصص والمواقف، وفي تجسيد بعض المعاني (تمثيلية عن عاقبة شرب الخمر أو الكذب أو النميمة).

ومن التمثيليات التي تستعمل للعلاج التربوي نوع يسمى (السايكودراما) وهي تمثيليات تبرز سيئة بعض الأمور (كالنميمة والقذارة والجهل...)ويعطى التلميذ المبتلى بواحدة من هذه السيئات، نفس الدور ليمارسه في التمثيلية، وهو ينجح فيه جداً بما أنه يمارسه في حياته الطبيعية، ولكنه بعد أن يمثله يشعر بسوئه ويثير ضحك المتفرجين منه... يشمئز من ممارسته في الحياة بعد ذلك.

7- الرسم: ويستعمل لتوضيح بعض الأشياء: كتشريح جسم الإنسان.

8- الصور: أي عرض الصور أمام التلاميذ، بأن يعلقها فوق السبورة أو يمررها عليهم، أو يعرضها بوساطة جهاز على شاشة أو على جدار، فإذا كانت الصور حقيقية (على كتاب أو ورقة) فتعرض بـ الفوتو بروجكتور، وإذا كانت من نوع فيلم فتعرض بـ السلايد بروجكتور، كما يمكن عرضها بالـ (داتا شو) على الكمبيوتر.

9- التلفزيون والفيديو: وهما وسيلتان تربويتان رائعتان في الظروف الطبيعية، وهما من أخطر الوسائل في تدمير القيم إذا كان معظم ما يعرض فيهما جاهلياً.

10- الإذاعة: الإذاعة العامة أو الإذاعة المدرسية.

11- الكمبيوتر والإنترنت.

12- الألعاب: الرياضية والعلمية والفكرية (الحزازير..).

المهمات الأساسية في التربية وخصائص المربي:

تدور هذه المهمات حول الأمور التي تزيد من فعالية العملية التربوية، وأهمها:

1- تحديد الاستعداد التعليمي عند التلاميذ، أي معرفة قدرة كل منهم على فهم أمر جديد واستيعابه. وهذه العملية تستمر طوال عملية التعليم.

2- تحديد الأهداف التعليمية وتوضيحها. فكلما أراد المعلم أن يقرر موضوعاً ما (تلاوة، تفسير، قصة..) ينبغي أن يستحضر في ذهنه الأهداف الخاصة التي يرجو تحقيقها من الموضوع، ثم يعمل على إبراز هذه الأهداف عن طريق بعض الأسئلة والإثارات والتأكيدات...

وينبغي أن تكون هذه الأهداف محددة واضحة، ومصاغة على شكل نتاج سلوكي يمكن ملاحظته. فيكون الهدف مثلاً: أن يتمكن التلميذ من قراءة السورة، أو من حفظها غيباً، أو أن يعرف معاني مفرداتها، أو أن يميز بين الغيبة والنميمة، أو أن يُعنى بترتيب هندامه... وأن تكون (الأهداف) قابلة للقياس والتقويم، وأن تصاغ بلغة المتعلم (أي تكون متناسبة مع قدراته)، وأن يحدد نسبة القبول لأداء التلميذ واستيعابه. (مثلاً أن يتمكن من ذكر 80% على الأقل من أركان الصلاة، أو أن يتمكن من أداء ركعتين من دون أي خلل في الفرائض).

ويوضح المعلم هذه الأهداف بطريقة مناسبة، ثم يطرح عليهم أسئلة يتأكد فيها من استيعابهم، ثم يقوم بتلخيص سريع للدرس يربط فيه بين أجزائه.

3- إثارة الدافعية للتعلم، أي تشويق التلميذ وشد انتباهه (وقد تحدثنا عنها في بحث: كيف يتم انتقال المعارف والعادات).

4- تقويم التعليم: أي التعرف على مقدار أثره وفائدته وثمرته. ويكون التقويم بإجراء الاختبارات الشفهية والكتابية والسلوكية... وبمراقبة تصرف التلاميذ.

5- اختيار الوسائل التربوية المناسبة. (انظر بحث: أهم الوسائل التربوية).

6- تحقيق الانضباط في الجلسة (أو الصف)، ويكون بالتحضير الجيد للدرس، وتشجيع التلاميذ على المشاركة، وباستكمال عوامل إثارة الدافعية للتعلم، وبتقبل مشاعر التلاميذ (استغرابهم من الفكرة أو ضحكهم منها...) وآرائهم.

ضوابط لقياس مقدار نجاح العملية التربوية (والتعليمية):

العملية التربوية عملية معقدة، يدخل فيها متغيرات شتى تتعلق بالمربي وبالتلميذ وبالمادة وطرق التدريس... ولذلك يقترح بعض علماء التربية طرقاً لقياس النجاح فيها، أهمها:

1- قياس النَّتاج، أي قياس التغيرات التي تطرأ على سلوك التلميذ، والتي تظهر في اكتساب المعارف والميول والاتجاهات والقيم الشخصية المتكاملة.

2- قياس السلوك التفاعلي أثناء العملية التربوية ذاتها، من حيث نشاطُ المربي وجودة أساليبه، وانضباط التلاميذ وتجاوبهم وأساليب الحوار...

3- قياس خصائص المربي. وهذه الخصائص صنفان:

أ- الخصائص المعرفية: وتتعلق بالذكاء والمعرفة بالأساليب التربوية، والتمكن من المعلومات والمفاهيم التي يريد تزويد تلامذته بها (ففاقد الشيء لا يعطيه)، وسعة المعارف العامة، ومعرفته الجيدة بتلامذته...

ب- الخصائص الشخصية: وتتعلق بالاتزان والمودة والتعاطف، ومراعاة الفروق الفردية، والصبر وسعة الميول والاهتمامات، والعدل وعدم التحيز، والحس الفكاهي، والاهتمام بمشكلات التلميذ، والمرونة، وحسن استخدام الثواب والعقاب، والحماسة للعمل التربوي...

دور الصف في العملية التربوية:

تتولد بين تلاميذ "الصف" أو أبناء "الأسرة" شبكة من العلاقات تنعكس على الانسجام فيما بينهم، أو فيما بينهم وبين مربيهم، أو بينهم وبين المادة التي يتلقونها. وتتأثر هذه العلاقات بمجموعة من العوامل، أهمها:

أ- حجم المجموعة (الصف أو الأسرة): ليس لدى علماء التربية رأي موحد حول أفضلية العدد الكبير في المجموعة، أو العدد الصغير. لكن معظمهم يرى أن أنسب عدد لأفراد الصف هو ما كان بين (20 و 30). ونرى أن العدد المناسب لأسرة الأشبال هو (6-10)، ولأسرة الكبار (5-8). وكلما كان الفرق كبيراً بين العدد الفعلي وبين الأرقام المذكورة كانت النتائج أكثر سلبية.

ب- التكوين النفسي والاجتماعي للمجموعة: إن فرز التلاميذ إلى مجموعات وفق مستوياتهم يلقى جدلاً كبيراً بين المربين، بين مؤيد ومعارض. وقد ألمحنا إلى ما نعده حلاً وسطاً (في بحث الفروق الفردية). ومن أراد التوسع فليراجع كتاب "علم النفس التربوي" للدكتور عبد المجيد نشواتي: ص 244- 248، مع ملاحظة أن وجود المستويات المتفاوتة في المجموعة يكون من مصلحة التلميذ الضعيف، لأن التلاميذ يتعلمون من بعضهم كما يتعلمون من مربيهم.

ج- أنماط التواصل ضمن المجموعة:  يكون الموجه (أو المعلم) غالباً هو محور الاهتمام والعطاء في المجموعة، بحيث يتكلم والباقون يستمعون، ويملي وهم يكتبون، ويأمر وهم يطيعون.. لاسيما في طرق التعليم التقليدية، مع أن الأفضل أن يوجِد تعاوناً بين التلاميذ وحواراً حتى يعم التواصل، ثم ألّا يكتفي هو بالكلام، بل يرفق به الحركة والابتسامة والإشارة!

د- أثر الشكل الخارجي أو الجاذبية الجسمية للمعلم والتلاميذ: الحقيقة إن الإنسان يميل إلى صاحب المظهر الجميل، أكثر مما يميل إلى غيره. وإذا كان هذا الميل يمنع المعلم من العدل المطلق، فإنه لابد من وصيتين:

الأولى: أن يحاول أن يكون موضوعياً في حكمه وموقفه فلا يعير اهتماماً لصاحب المنظر الجذاب ويهمل قليل الجاذبية، بل يساوي في اهتمامه بينهما.

والثانية: أن يحاول المعلم والتلاميذ أن يعنى كل منهم بمنظره ضمن الحدود المألوفة، فإن تسريح الشعر وكيّ الثوب... لا شك تُحسّن المنظر. وقد أمر النبي r بذلك فقال: "إنكم قادمون على إخوانكم فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش" رواه أبو داود. وقال r: "من كان له شعر فليكرمه" رواه أبو داود أيضاً.

المشكلات الصفيّة أو المشكلات التربوية ضمن الصف:

تنشأ في الصف (أو الأسرة) بعض المشكلات، منها ما يعود إلى تربية التلميذ البيتية، أو ظروفه الاجتماعية، أو إلى سوء علاقاته بأقرانه، أو صعوبة المادة، أو ضعف شخصية المربي، أو برودته في إعطاء الدرس...

ونكتفي هنا بعرض نماذج من هذه المشكلات، ونحن مضطرون –حرصاً على الاختصار- أن ندع للقارئ التفكير بوسائل معالجتها أو معالجة بعضها (ومن شاء فليرجع إلى كتاب "تعديل السلوك الصفي" للدكتور محمد زياد حمدان، ففيه هذه النماذج مع اقتراحات لطرق المعالجة):

المشكلة الأولى: التحدث الصفي غير المناسب، كالتحدث مع الأقران أثناء الشرح، أو التحدث بصوت عال أثناء إجابة المعلم أو أحد الأقران، كأن يردد عالياً: "أنا يا أستاذ.. أنا يا أستاذ"، أو الإجابة من دون إذن، أو دعوة الأقران بألقاب غير مستحبة، أو التحدث بلغة غير لائقة.

المشكلة الثانية: الاعتداء، كضرب بعض الأقران أو سلب ممتلكاتهم بقوة، أو إخفائها مدة من الزمن لإزعاجهم...

المشكلة الثالثة: الشرود أثناء الدرس.

المشكلة الرابعة: رفض تعليمات المربي بتجاهلها أو بالتصرف عكس مقتضاها.

المشكلة الخامسة: التأخر عن بدء الدوام، أو التغيب في بعض المرات.

المشكلة السادسة: الغش في الاختبارات وأداء الواجب، وله أشكال معروفة!.

أضواء على بعض العمليات العقلية:

الأعمال التي يقوم بها العقل السوي كثيرة ومعقدة. من أهمها: الانتباه والإدراك الحسي والتعلم والتذكر والنسيان والتفكير والاستدلال والابتكار. وقد تعرضنا لعملية التعلم من قبل، وسنتعرض لبقية العمليات بشكل مختصر.

أ- الانتباه (والإدراك الحسي): الانتباه هو تركيز الشعور في شيء، والإدراكُ معرفة هذا الشيء. والانتباه هو الخطوة الأولى في اتصال الفرد ببيئته حتى يتسنى له أن يكتشفها ويستثمرها، وهو كذلك الأساس للعمليات العقلية الأخرى.

وسلوكنا يتوقف على إدراكنا لما يحيط بنا. فالطفل قد لا يغضب لما يغضب له الكبير، لأنه لا يدرك ما يدركه الكبير، وبالعكس قد يخاف مما لا يخاف منه الكبير، لاختلافهما في الإدراك.

وقد يشترك أناس في الانتباه إلى شيء واحد (كسماع خطبة) ثم يختلفون في إدراكها لتفاوتهم في الذكاء والثقافة والخبرة...

والانتباه قد يكون قسرياً (كسماع طلقة مسدس) أو تلقائياً (كالانتباه إلى شيء نميل إليه ونحبه) أو إرادياً (كالانتباه إلى درس).

والعوامل التي تزيد في قوة الانتباه كثيرة، منها شدة المنبّه وتكراراه وتغيّره وحركته وشدة الاهتمام. فالصوت العالي وتكرار الكلمة مرتين، وتغيير النبرة، والحركة، والاهتمام بالشيء... كلها تزيد في التنبيه.

ونستطيع أن نبسّط عملية الإدراك بالعناصر التالية:

عالم خارجي، حواس، عقل، معلومات سابقة.

فالعالم الخارجي (صوت، صورة، كلمة، رائحة...) تنقله حواسنا (السمع والبصر..) إلى الدماغ عبر الأعصاب، فيتم تفاعل مؤدّاه تنظيم الإحساس وتأويله، أي ربطه بالمعلومات السابقة، وإعطاء الحكم النهائي الذي هو الإدراك. فنحن حين نسمع صوتاً فنعرف أنه صوت رصاصة فلأننا نعرف هذا الصوت مسبقاً، وقد نحكم أن إطلاقه كان بمناسبة عرس، لأننا نعرف عادة أهل البلد. وننظر من أول الشارع نحو آخره فنرى طرفيه يتقاربان حتى ليكادا يلتصقان، لكننا نحكم أنهما متوازيان، وذلك بسبب خبرتنا السابقة. فنحن إذاً لا نكتفي بتشخيص الإحساس. ولكن نؤوّله ونربطه بمعلوماتنا السابقة. وكثيراً ما يدخل في التأويل اعتبار الملابسات. فمثلاً نفهم معنى كلمة (ضرب) على أنحاء شتى حسب ورودها في الجملة والسياق، فمعناها في قولنا (ضرب الكرة) غيره في قولنا (ضرب مثلاً) وغيره في قولنا: (ضرب رقماً قياسياً). ولو وجدنا رجلاً يركض في السوق لحكمنا عليه بالجنون أو بقلّة الاتزان والهيبة... أما إذا وجدناه يركض في ملعب كرة القدم فإننا نعد عمله طبيعياً. وقد نؤول بعض المواقف تأويلاً سيئاً بسبب أمور مكبوتة في نفوسنا. فمن كان يُضمر في نفسه العداوة للآخرين فقد يفسّر كثيراً من مواقفهم على أنها عداء له.

وإتماماً لبحث الإدراك نذكر هنا أهم قوانين التنظيم الحسي، أي القوانين التي تنظم التنبيهات الحسية في وحدات مستقلة، أو في صيغ محددة بفضل عوامل موضوعية.

أهم هذه القوانين:

1- عامل التقارب: فالتنبيهات الحسية المتقاربة في المكان أو الزمان تبدو في مجال إدراكنا وحدة مستقلة محددة وصيغة بارزة. ففي الشكل (1) لا ندرك كل نقطة على حدة، بل ندرك كل زوج من النقط صيغة. ولو حاولنا أن نؤلف صيغة من نقطة في أحد الأزواج مع نقطة في زوج آخر لصعب علينا ذلك. وقل مثل ذلك في عدد من الدقات المتتالية، فإنها تفرض نفسها على إدراكنا في صورة وحدة وصيغة متماسكة. أما إن كانت الدقات متباعدة سمعناها فرادى لا على هيئة صيغة.

هنا الأشكال.

2- عامل التشابه: فالتنبيهات الحسية المتشابهة، كالأشياء أو النقط المتشابهة في اللون أو الشكل أو الحجم أو السرعة أو الشدة أو اتجاه الحركة... ندركها صيغاً مستقلة "انظر الشكل 2". وسلسلة من النغمات العالية يدعو بعضها بعضاً في مجال الإدراك، كذلك النغمات المنخفضة أو التي تعزف بآلة واحدة، كذلك الألفاظ التي تصدر عن إنسان واحد، فهي تنزع إلى الائتلاف والتفرد والبروز في مجال الإدراك وسط الضوضاء والجلبة لأنها متشابهة من حيث مصدرها.

3- عامل الاتصال: فالنقط التي تصل بينها خطوط مستقيمة أو غير مستقيمة تدرك صيغةً "شكل 3". كذلك الحال في سلسلة من النغمات الصاعدة أو الهابطة.

4- عامل الشمول: فشكل "4" يميل بنا إلى أن ندركه نجمة لا شكلين سداسيين أو مثلثين متداخلين، لأن النجمة تتميز باحتوائها وشمولها جميع العناصر. صحيح أن هذين الشكلين يفرضان نفسيهما على الناظر بين حين وآخر، لكنهما لا يضاهيان في قوتهما وبروزهما شكل النجمة.

5- عامل التماثل: فالتنبيهات المتماثلة تمتاز من غيرها فتبرُز صيغاً.

6- عامل الإغلاق: من الملاحظ أن التنبيهات والأشكال الناقصة تميل إلى الاكتمال في إدراكنا. فنحن نرى الدائرة التي بُتر جزء منها دائرة كاملة، ونستطيع أن ندرك وجه شخص معين من خطوط بسيطة مرسومة. ومن الشكل "5" ندرك صورة حيوان مكتمل. كذلك الحال في التنبيهات السمعية. فقد دلت التجارب على أن الناس، حتى أدقهم سمعاً، لا يسمعون بالفعل إلا 75% من الأصوات في محادثاتهم العادية، وهم يملؤون الثغرات من ملابسات الحديث وموضوعه.

ويلاحظ أننا في حياتنا اليومية ندرك صيغاً مركبة معقدة ليست في بساطة الصيغ التي استعرضناها.

تبين رسوم هذا الشكل تأثير التقارب والتشابه والاتصال.

هنا الرسوم

في (أ) نرى أزواجاً من نقط متقاربة لا أزواجاً من نقط متباعدة.

في (ب) يسهل علينا رؤية أعمدة أو صفوف من عناصر متشابهة، ويشقّ علينا رؤية أعمدة من عناصر مختلفة.

في (ج) يشق علينا كثيراً أن نغفل عن الاتصال في كل من الخطين المتعرج والزاوي بأن نرى رسماً مكوناً من عدة أجزاء من الخط الأول مؤتلفة مع أجزاء من الخط الثاني.

ب- التذكر والنسيان: التذكر هو استحياء ما سبق أن تعلمناه واحتفظنا به. وله طريقتان:

الاسترجاع: وهو استحضار الماضي، كاسترجاع اسم إنسان، أو بيت من قصيدة، أو فكرة من الفكر.

التعرف: وهو شعور الفرد بأن ما يدركه الآن هو جزء من خبراته السابقة، كأن يشاهد إنساناً فيتذكر أنه قد قابله قبل الآن، أو يسمع قصة فيتذكر أنه سمع بها من قبل.

وكل ما وعاه الإنسان في فترة ما، يمكن غالباً تذكره فيما بعد، لأنه قد خلّف في الذهن أو في النفس آثاراً. لكن هذه الآثار قد تضعف أو تشوش أو تختفي مؤقتاً وراء خبرات جديدة فيصعب تذكرها. وحتى خبرات الطفولة يمكن استحياؤها عن طريق التنويم المغناطيسي أو غيره، فيدل هذا على أنها لا تزال موجودة في الذهن وإن كان صاحبها يظن أنه نسيها تماماً.

وعندما نعجز عن التذكر نقول: إننا نسينا. ويكثر النسيان عندما تكون الانطباعات ضعيفة أو عارضة. فنحن نرى في طريقنا عدداً كبيراً من الناس ولكننا لا نتذكر واحداً منهم لأننا لا نتفرس في وجوههم. فإذا كنا نمر كل يوم بإنسان معين فإننا نتذكره مع ذلك، بسبب تكرار المشاهدة.

أهم أسباب النسيان:

1- قلة الانتباه والتركيز في أثناء تحصيل المعلومات.

2- إهمال هذه المعلومات وعدم تداولها وقلة تكرارها.

3- الحفظ الضعيف ابتداء، أو الحفظ بطريقة غير مثمرة. فالمواد المفهومة والمنظمة والتي أُشبع حفظها لا ينال منها التعطيل ما ينال من غيرها.

4- مجيء أحداث جديدة ومشكلات تغطي على ما سبق. فالمعلومات التي نتلقاها قبل النوم أكثر رسوخاً في أذهاننا، لأننا ننام بعدها فلا تأتي أحداث جديدة تغطي عليها قبل أن تترسخ. وعلى العكس حينما نحفظ قصيدة، ثم نتبعها مباشرة بحفظ شيء آخر من غير استراحة بينهما فإن حفظ القصيدة يصبح ضعيفاً، لا سيما إذا كان هناك تشابه بين هذا الشيء المحفوظ وبين القصيدة.

5- كراهية الشيء المحفوظ. فنحن نميل إلى نسيان اسم الشخص الذي نكرهه، والحوادث التي أدت إلى جرح كبريائنا... ولذلك نتأسف على الأيام الخوالي لأننا نتذكر حلوها، وننسى مرّها!.

وأهم أسباب الحفظ وتقوية الذاكرة إذاً: أن يترافق الحفظ الأول بفهم المادة المحفوظة، وبحبها والانسجام معها، وبتكرارها، وبترك فواصل معقولة من الراحة بين المرة والمرة، وبجعل المادتين المحفوظتين عقب بعضهما، مختلفتين كل الاختلاف: مثلاً: لغة ثم رياضيات، أو فقه ثم مهارات يدوية.

كما أن العادات والمهارات الحركية أعصى على النسيان من المعلومات والمحفوظات اللفظية. فنحن نحتفظ بتعلمنا للخياطة أو لقيادة السيارة، أكثر من احتفاظنا بتعلمنا نص قصيدة.

وإن المبادئ والاتجاهات وطرق التفكير أعصى على النسيان من الوقائع والمعلومات المفردة.

وإن العمل المتكامل الذي يرغب الإنسان بإتمامه، إذا قطع على الإنسان قسراً بعمل آخر، بقيت في الإنسان رغبة حارة لمتابعته والاهتمام به. فإذا أتمه بعدئذ كان حفظه أقوى مما لو تلقاه دفعة واحدة. فمن بدأ بسماع قصة أو حل مسألة، ولم يُنْهها وهو حريص عليها، ثم أنهاها بعدئذ، كان رسوخها في ذاكرته أقوى.

والمادة المترابطة أعصى على النسيان من المادة المفككة أو غير الواضحة.

ج- التفكير: وهو نشاط عقلي يستخدم الرموز (أي يعبر عن الأشياء بأسمائها أو بصورها ومعانيها..) فيستعرض الماضي وينتفع بالخبرات السابقة ويتوقع للمستقبل ويتبصر في العواقب، ويبتكر الحيل، ويتخيل الوسائل...

ومن أهم أعمال التفكير الإنساني: التجريد: أي استخلاص بعض الصفات المشتركة بين أفراد صنف من الأشياء، كاستخلاص صفة الطول من جملة أشياء طويلة، أو صفة البرودة، أو شكل المثلث أو الكرة.

ويكون التفكير على مستويات:

- المستوى الحسي: كتفكير الأطفال، فهو يدور حول الأشياء المفردة، كالأم والسيارة..

- المستوى التصوري: وهو الذي يستخدم الصور الحسية المادية أو الذهنية، كما نفكر في طريقة عمل الجرس الكهربائي بأن نتصور أو نرسم الدارة الكهربائية...

- المستوى المجرد: الذي يعتمد على معاني الأشياء من غير اعتماد على ذواتها المادية أو صورها الذهنية، كالتفكير في معنى الصدق أو معنى الضرورة.

- المستوى المجرد المركب، الذي يجعلنا نفكر في القواعد والمبادئ فنجمع المعاني المفردة ونؤلف بينها في علاقات مثل: (الصوم جُنّة) و (من غش فليس منا) و (الضرورات تبيح المحظورات).

د- الاستدلال والابتكار: الاستدلال هو عملية تفكير تتضمن الاعتماد على مقدمات معلومة، للوصول إلى نتائج جديدة، فهو يقتضي تدخل العمليات العقلية العليا كالتذكر والتخيل والفهم والتجريد...

والابتكار هو إيجاد شيء جديد، أو حل جديد لمشكلة.

فالاستدلال هو الكشف عن شيء موجود، أو عن علاقة خافية، والابتكار إيجاد شيء لم يكن موجوداً من قبل.

هـ - الذكاء: يمثل الذكاء قدرة الفرد العقلية العامة التي تختلف عن القدرات العقلية الخاصة، مثل التذكر والانتباه والابتكار.

ولكن بماذا تتمثل هذه القدرة؟ وكيف تتحدد؟ أي ما تعريف الذكاء؟

اختلف علماء النفس كثيراً في هذا، ووضعوا للذكاء تعريفات عديدة، ولم يتفقوا على تعريف شامل. فمنهم من عرفه من حيث وظيفته، ومنهم من عرفه من حيث تكوينه وبناؤه، ومنهم من عرفه تعريفاً إجرائياً (من حيث ثمرته ونتائجه).

ومن تعريفات الذكاء:

 

 
RocketTheme Joomla Templates